رحيل الكاتب والسينمائي الفلسطيني نصري حجاج.. صانع “ظل الغياب”

توفي الكاتب والمخرج الفلسطيني، نصري حجاج، صباح اليوم السبت، في منزله في العاصمة النمسوية فيينا، عن عمر ناهز 70 عاماً، بعد صراع مع المرض. ونشرت زوجته عبير حيدر تدوينة في “فايسبوك” تنعيه: “أنعي إليكم رحيل زوجي ووالد طفلتنا الحبيبة شام، المخرج والكاتب الفلسطيني نصري حجاج هذا الصباح في منزله في فيينا بعد صراع طويل مع المرض”. وأضافت أنه “نزولاً عند رغبته، سيتم حرق جثمانه ونثر جزء من رماده لاحقًا في مخيم عين الحلوة وعند قبر والدته فاطمة في صيدا، وجزء آخر في قريته الناعمة شمالي فلسطين المحتلة، وجزء في سورية التي تضامن مع شعبها المظلوم حتى آخر نفس، وجزء فوق تراب تونس حيث عاش سنين طويلة من عمره”. وتابعت “رحل بهدوء وسلام وطمأنينة مع كل الحب من قلبي أنا وشام وابنه نهاوند ومن استطاع القدوم من عائلته”.

وحجاج كاتب ومخرج سينمائي فلسطيني، من مواليد مخيم عين الحلوة العام 1951 لوالد لاجئ من قرية الناعمة ووالدة لبنانية. التحق بصفوف الثورة الفلسطينية، ثم أتم دراسته في بريطانيا، ليتم إبعاده عنها لاحقاً. ومن أبرز أعماله، فيلم “ظل الغياب” الذي تناول تيمة الموت والمنفى للفلسطيني، وفيلم “كما قال الشاعر” الذي وثق فيه لحياة الشاعر الفلسطيني الراحل محمود درويش. كما كتب حجاج في صحف بريطانية ولبنانية وفلسطينية، وأخرج أفلاماً وثائقية، نال بعضها جوائز في مهرجانات دولية، كما نشرت له مجموعة قصص قصيرة في رام الله، وترجم بعضها إلى الإنجليزية.

عن فيلمه الأول “ظل الغياب”، قال في حوار صحافي: “في طفولتي المبكرة في مخيم عين الحلوة، عشت قصصاً واقعية تتعلق بالموتى والقبور، ففي العام 1958 وأثناء الحرب الأهلية الأولى في لبنان. شاهدتُ كيف مُنع أهالي ثلاثة رجال فلسطينيين كانوا ينتمون إلى الحزب السوري القومي الاجتماعي، قُتلوا في اشتباكات مع الجيش اللبناني، من دفنهم في مقبرة المسلمين السنة في صيدا المجاورة. وبدلاً من ذلك أجبر الأهالي على دفنهم في حواكير البيوت… وفي العام 1969 وعلى إثر مظاهرة 29 نيسان من تلك السنة ومقتل خمسة شبان بينهم طفل لم يتجاوز الـ15 من عمره برصاص الجيش اللبناني، مُنع أهالي المخيم مرة أخرى من دفن قتلاهم في صيدا. وأجبروا على دفنهم داخل أسوار مدرسة الأونروا الابتدائية حيث تعلمتُ الحرف الأول. بعد ذلك وفي العام 1999 وفي أول زيارة لي إلى فلسطين بعد حصولي على الرقم الوطني، ذهبتُ لأزور قرية أجدادي الناعمة في سهل الحولة في الجليل الأدنى.

وأضاف: “حين وطأت قدماي أرض الناعمة أصبت بحالة لم أعهدها من قبل وأحسست بأنني مقبلٌ على الموت، وفي تلك اللحظة وفي مواجهةٍ مع سؤال الموت تداعت في ذهني كل قصص الموت الفلسطيني وارتباطها بالمكان، وسألت نفسي السؤال الذي لم يخطر على بالي قط، لو أنني متُ الآن فهل سأتمكن من أن أدفن في الناعمة أرض أجدادي وحيث ولد أبي وحيث كان حلمه بالعودة والموت. من سؤال العلاقة بين الموت والحياة والوطن والمنفى كما في تجربة الفلسطيني ولدت فكرة فيلم: ظل الغياب”.

وعن فيلمه الثاني “كما قال الشاعر”، وأي أثر تركه فيه الشاعر الراحل محمود درويش، يقول حجاج: “هذا الفيلم كان رسالة حبٍ يحملها إحساس الفجيعة بفقد شاعر الروح الفلسطينية محمود درويش… لجأت إلى أن يكون الفيلم وثائقياً غير تقليدي، لا حوارات فيه ولا يظهرُ فيه الشاعر أبداً، وعليه وجدتُ أن أعملَ أولاً على إيصال فكرة غياب الشاعر عبر حضور الشعر وحضوره من خلال الفراغ في الأمكنة، المسارح التي قرأ فيها، البيوت التي سكنها، المدن التي عاش فيها أو زارها وأحبها، ومن هنا لا نرى في هذا الفيلم درويش شخصياً وإنما نسمع صوته يقرأ الشعر ونرى أصدقاء له من شعراء وكتاب من مختلف أنحاء العالم يقرأون شعره بلغاتهم المختلفة ما يدل على كونيته وخروجه من الإطار المحدود إلى العالم الأرحب”.

وحينما سئل عن المآخذ التي سجّلها البعض على الفيلم، جراء مشاركة الشاعر الإسرائيلي، إسحاق لاؤور، والذي ظهر قارئاً بعض أشعار درويش، واعتبار ذلك تطبيعاً مع العدو الصهيوني، قال: “أعتقد أننا ونحن نناقش موضوع التطبيع، علينا أن نمتلك المعلومات والنظرة الموضوعية إلى بعض الشخصيات في المجتمع الإسرائيلي نفسه. فشاعرٌ مثل إسحاق لاؤور، الذي كتب شعراً عن الفلسطينيين كما لم يكتب شعراء عرب، ودان في شعره الاحتلال الصهيوني للأرض الفلسطينية وممارسات الاحتلال في تعامله مع الشعب الفلسطيني، لا يمكن أن أضعه في صف العدو الصهيوني. فهذا الشاعر له مواقفه الجريئة ضد الدولة الإسرائيلية وتعاطفه الشديد مع الشعب الفلسطيني وذلك من خلال سلوكه اليومي وليس مجرد جعجعات، كما أنه كان صديقاً لمحمود درويش وقد تُرجمت أشعاره إلى العربية، ونُشرت في مجلات ثقافية فلسطينية في الداخل، لكن العرب لا يقرأون ولا يرون من لاؤور إلا اسمه وهويته القانونية. وعندما أحببتُ أن يكون لاؤور من بين شخصيات الفيلم قارئاً لمحمود درويش بالعبرية، فهذا لأنني أردتُ أن أقول، إن درويش استطاع أيضاً أن يخترق الوعي الإسرائيلي بإبداعه وقوة شعره وحضوره كشاعر فلسطيني”.

أما في موقفه السياسي، لا سيما من ثورات الربيع العربي، فقد ساندها حجاج بكل حماسة وبلا تمييز، وخصوصاً الثورة السورية، رغم تعبيره عن الحزن “لتسلل القوى الظلاميّة الإسلاميّة إلى صفوف الحراك الشعبي السوري، ما أثر ربما على الالتفاف حول هذه الثورة ومساندتها من قبل قطاعات كثيرة من القوى التي لم تر في الثورة السورية غير جبهة النصرة والقوى الظلاميّة الأخرى”. وقال: “هناك وَهم يعيشه كثيرون من المثقفين الفلسطينيين وقوى اليسار الفلسطيني والعربي عموماً، بأن النظام السوري هو نظام مقاومة وممانعة! غافلين عن حقيقة أن هذا النظام لم يطلق رصاصة واحد ضد إسرائيل منذ العام 1973. وأن الرصاص الذي وجهه النظام لم يكن إلا ضد الشعب السوري والفلسطينيين واللبنانيين والعراقيين”.

عن المدن

Author: فريق التحرير

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *