رحيل الشاعر الفلسطيني هارون هاشم رشيد

غانية ملحيس

تودع فلسطين اليوم أحد أهم أعلامها الذين أثقلتهم الامها وأرقتهم عذاباتها ورحلوا بهدوء قل نظيره. رغم أنه ربما الأكثر تمثيلا لطيبة أبناء شعبه الفلسطيني عموما والغزيون منهم خصوصا . وربما الأكثر بوحا بعذابات لاجئيه . الا أنه لم يحظ خلال حياته بالتكريم الذي يستحق، والذي يليق بثراء عطائه. فهل ننصفه بعد رحيله ونطلق اسمه على اهم الميادين في غزة ورام الله ؟؟

هارون هاشم رشيد، الشاهد الفلسطيني الذي يكبر دولة “اسرائيل” بواحد وعشرين عام. شهد منذ ولادته تفاصيل سرقة وطنه واقتلاع وملاحقة أبناء شعبه في مخيمات اللجوء داخل الوطن وفِي المنافي.
الشاعر الفلسطيني الغزي القابض على الجرح والجمر . لم تفتنه الحياة ولا الشهرة ، عاش سنوات حياته – الثرية والوفيرة بالعطاء والتميز – في الظل . وكغالبية ابناء الشعب الفلسطيني آثر الفعل والبوح بأنين شعبه في قصائد ضمنها عشرين ديوانا شعريا منها (الغرباء عام 1954, وعودة الغرباء 1956,غزة في خط النار، حتى يعود شعبنا 1965 , سفينة الغضب 1968ورحله العاصفة 1969 ,فدائيون 1970 مفكرة عاشق 1980 يوميات الصمود والحزن 1983, ثورة الحجارة 1991 , طيور الجنة 1998) وغيرها..

الشاعر هارون هاشم رشيد

اختير ما يقارب 90 قصيدة من أشعاره ليقدمها أعلام الغناء العربي ، وفي مقدمة من أشدوا أشعاره فيروز، وفايدة كامل، ومحمد فوزي، وكارم محمود، ومحمد قنديل، ومحمد عبده، وطلال مداح، وآخرون.
كتب أيضا أربع مسرحيات شعرية، مُثِل منها علي المسرح في القاهرة مسرحية “السؤال” من بطولة كرم مطاوع وسهير المرشدي . وبعد حرب أكتوبر 1973 كتب مسرحية “سقوط بارليف” وقدمت على المسرح القومي بالقاهرة عام 1974، ومسرحية “عصافير الشوك”، إضافة إلى العديد من المسلسلات والسباعيات التي كتبها لإذاعة “صوت العرب” المصرية وعدد من الإذاعات العربية.
ولد في مدينة غزة. بحارة الزيتون، عام 1927م، ودرس في مدارسها وأنهى دراسته الثانوية في العام 1947، وحصل على الدبلوم العالي لتدريب المعلّمين من كليّة غزة وعمل في سلك التعليم حتى العام 1954.
انتقل للعمل في المجال الإعلامي وتولى عام 1954 رئاسة مكتب إذاعة “صوت العرب” المصرية في غزة واستمر لعدة سنوات . وبعد إنشاء منظمة التحرير الفلسطينية تولى الإشراف على إعلامها في قطاع غزة خلال الفترة 1965 – 1967.
بعد سقوط قطاع غزة تحت الاحتلال الاسرائيلي على إثر عدوان حزيران عام 1967 ، أجبرته سلطات الاحتلال على مغادرة القطاع ، فانتقل إلى القاهرة ، وعين رئيسا لمكتب منظمة التحرير فيها . ثم عمل لمدة ثلاثين عاما كمندوب دائم لفلسطين في اللجنة الدائمة للإعلام العربي واللجنة الدائمة للشؤون المالية والإدارية بالجامعة العربية. وواصل عمله الإبداعي في الكتابة والصحافة والتأليف والشعر .
عاصر الشاعر هارون هاشم رشيد كافة مراحل تطور القضية الفلسطينية ، وشاهد بأم العين قيام سلطات الانتداب البريطاني بسرقة وطنه واستقدام المستوطنين الأجانب من يهود أوروبا لتوطينهم في المناطق الاستراتيجية على الساحل الفلسطيني ، وشاهد جيش الاحتلال البريطاني والعصابات الصهيونية يهدمون منازل الفلسطينيين ويقتلون الاطفال والنساء والشيوخ ، حتى باتت هذه المشاهد صورة مألوفة لحياة الشعب الفلسطيني الأصلاني .
وشهد بعدها ببضع سنوات جموع اللاجئين الفلسطينيين الفارين من المذابح الصهيونية عام 1948 يفترشون أرض قطاع غزة ويلتحفون سماءها . وهاله الظلم الانساني وازدواجية المواقف . عندما شاهد ذات الدول التي تآمرت على وطنه وشاركت أو تسترت على ذبح أبناء شعبه ، تستظل بالإنسانية وتسارع في نصب الخيام لضحاياها وتلقي بفتات العون إليهم.
لفته تواطؤ ذوي القربى من أبناء قومه فشارك في التظاهرات العارمة التي عمت قطاع غزة عام 1954 ضد مشاريع توطين اللاجئين في سيناء .
لم يكتف المستعمرون الصهاينة بما سرقوه من الوطن ، وما اقترفوه من جرائم فواصلوا ملاحقة الشعب الفلسطيني ، واحتلوا قطاع غزة أثناء العدوان الثلاثي / الاسرائيلي البريطاني الفرنسي/ على مصر عام 1956 . وشهد هارون هاشم رشيد تكرار ذات المذابح بحق أبناء الشعب الفلسطيني طوال سبعة أشهر متصلة اقترف فيها الاحتلال الاسرائيلي مذابح عدة بحق ابناء قطاع غزة واللاجئين اليه . وشهد بشاعة مذبحة خان يونس في 12/11/1956 بحق لاجئي مخيم خان يونس الذي ذهب ضحيتها أكثر من 250 فلسطينيا. وبعد تسعة أيام من المجزرة الأولى نفذت وحدة من جيش الاحتلال الإسرائيلي مجزرة وحشية أخرى راح ضحيتها نحو 275 شهيدا في نفس المخيم، كما قتل في نفس اليوم أكثر من مائة فلسطيني آخر من سكان مخيم رفح للاجئين . وقد امتدت هذه المذبحة حتى حدود بلدة بني سهيلا . وتواصلت المذابح ضد أبناء الشعب الفلسطيني قبل ان ًيجبر التحالف الثلاثي على الانسحاب عام ١٩٥٧ ،. بعد الإنذار الروسي – الأمريكي. مخلفا الدمار والاف الشهداء والجرحى والمشردين .

من رحم هذه المحن المتواصلة ، بدأ الفلسطيني هارون هاشم رشيد عهده في النضال وكتابة الشعر ، غنى للشهداء وتفاخر بالمعتقلين الشرفاء، وناصر الثوار العازمون على تحرير وطنهم الفلسطيني وإعادة لاجئيه .

شعره السهل الممتنع ، المباشر والموزون ، يعبر فيه عن مأساة شعبه الذي اقتلع من أرض وطنه ، ينقل بكلماته المعبرة انينهم وعذابهم ومشاعر الفقدان والاغتراب العميقة التي عايشوها عبر السنين.

أطلق على هارون هاشم رشيد تسميات مختلفة مستوحاة من مراحل عذابات شعبه فهو :
شاعر النكبة . وشاعر الثورة وهي تسمية اطلقها عليه الشهيد خليل الوزير عام 1967 بعد قصيدة «الأرض والدم» . وشاعر العودة وأسماه الشاعر الفلسطيني عز الدين المناصرة ب (شاعر القرار 194).
لروحه الرحمة والسكينة ، ولشعبه الفلسطيني الأبي داخل الوطن وفي المنافي خالص العزاء.
وستبقى ذكراه العطرة حية في عقول وقلوب أبناء شعبه وأحرار العرب والعالم .

Author: غانية ملحيس

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *