“د. ناصر القدوة” وإنتاج أول خطاب بانتوستاني فلسطيني

تقديم

الفيلسوف وعالم اللغة البريطاني “جون أوستين” اعتبر أن اللغة ليست وسيلة للوصف ونقل الخبر فحسب، وإنما هي أداة لبناء العالم والتأثير فيه، وعليه تحولت اللغة معه من وسيلة تعبير مُطابِقة للواقع وواصفةً إياه كما هو، إلى أداةٍ للبحث عما نفعله بالتعابير التي ننطق بها. اللغة بذلك هي أداتنا لكي نتدخل بالواقع ونعيد صياغته ضمن خطاب يجمع ما بين القول والفعل اذ يتحول القول الى فعل أو الى مشروع فعلٍ بمجرد نطقه. “د. ناصر القدوة” بمقالته يتنطح لخوض مهمةٍ صوغ “خطاب” “لا-وطني باسم الدفاع عن الهوية الوطنية، مهمةٍ لم يجرأ على “قولها” أعتى المدافعين عن “حل الدولتين” الأوسلوي بما هو حل تصفوي للقضية الوطنية. وهكذا، قد تشكل هذه المقالة “قولاً” يُرادُ به تحقيق “فعل” التنازل عن الخطاب والسردية الفلسطينية كمقدمةٍ لإنتاج أول خطاب سياسي فلسطيني “بانتوستاني” مِن قِبَلِ ناطق باسم “فتح”، المنظمة التي حملت المشروع الكياني الفلسطيني على أرض فلسطين التاريخية قبل الانحراف عنه في “برنامج النقاط العشرة” لعام 1974.

قولُ أو سرد خطاب بانتوستاني متوائم مع سياسة “الابارتهايد”الصهيونية (بمعنى التوافق معها في سعيها للسيطرة على كل أرض فلسطين التاريخية مع وجود معازل” وكانتونات فلسطينية كجزر معزولة لا سيادة لها قد نسميها “دولة”) يتناسب مع موازين القوى الحالية التي لا تسمح بإحداث نكبة تُفرغ ما تبقى من فلسطين من أهلها كما حدث في النكبة الأولى وذلك بانتظار تغيرات في هذه الموازين تسمحُ لسياسة الاستعمار الكولونيالي الاحلالي التخلص من هذه البانتوستانات لكي يكتمل التطهير العرقي الصهيوني ولتحويل فلسطين التاريخية الى دولة يهودية صافية.

“د. ناصر القدوة” يقوم بليّ عنق الحقائق التاريخية لبناء عالم ذهني فلسطيني جديد يتوافق وهذا المخطط الصهيوني واللغة الجديدة التي يقوم باشتقاقها هي أداته لإعادة صوغ الوعي الفلسطيني لكي تتناسب مع الفعل الصهيوني على أرض المواجهة، وهكذا يقوم “القول” الفلسطيني على لسانه بالتحول الى قوة “فعلٍ” صهيونية (من حيث يدري و/أو لا يدري).

 القول الفلسطيني الاكثر جرأة في التنازل عن الثوابت الوطنية صدر “مفوضية الإعلام والثقافة والتعبئة الفكرية” لحركة “فتح” بقلم الدكتور “ناصر القدوة”. المقالة المُعنونة بِ  “مرة أخرى…الدولة الوطنية والثبات عليها هو الأساس” تحملُ جملة كبيرة من المغالطات وحرف الحقائق التاريخية بشكلٍ مقصود ومُتَعَمَد إذ تبدأ بتأريخ النضال الفلسطيني وكأنه بدأ بعد هزيمة حزيران عام 1967 وذلك بهدف تقليص فلسطين الى قضية أراضٍ مُحتلة بعد ذلك التاريخ فقط متناسيةً جوهر الصراع الفلسطيني – الصهيوني والذي كانت نكبة عام 1948 وانشاء دولة اسرائيل هي فاتحته المفصلية الكبرى. إن تقزيم فلسطين وتحجيم القضية الوطنية لتقتصر على حدود ما تبقى من فلسطين التاريخية ( %22 ) يتعارض بالكامل مع الهوية الوطنية الفلسطينية المُتطابقة مع أرض فلسطين التاريخية و التي يدعيّ الكاتب زوراً الدفاع عنها كما يتعارضُ هذا أيضاً مع المبادئ السياسية التي قامت عليها “فتح” منذ بروزها على ساحات النضال الوطني منذ الخمسينات من القرن المنصرم وقبل هزيمة حزيران المشؤومة عام 1967  وعلى رأسها “حق العودة” و”بناء دولة فلسطين الديمقراطية “على كامل التراب الوطني لفلسطين التاريخية .

محاولة للتزوير: “حزيران 1967: بداية التاريخ الفلسطيني”

 يقوم الكاتب بمحاولة بائسة لصوغِ بداية التأريخ للقضية الوطنية في عام 1967 لكي يتواصل في “برنامج النقاط العشرة” لعام 1974 والذي نصَ على إمكانية قيام سلطة وطنية فلسطينية “على أي جزءٍ يجري تحريره….”. عملية التزوير هذه هي بمثابة استكمالٍ لعملية الأصنمة لفكرتي “الدولة” و”الكيانية” وإن كان الثمنُ يتلخص “بكل بساطة” بالتضحية بفلسطين وبشعبها وبسرديتها التاريخية حول هويتها الوطنية.

مفهوم “الدولة-الصنم” المعبود والشعب والقضية كقرابين له تَفَوَقَ على مبدأ “الواقع” واشتراطاته الإنسانية والسياسية. لقد جرى شطب الانسان الفلسطيني من المعادلة وجرى تحديدا شطب اللاجئ الفلسطيني وحقه بالعودة كجوهرٍ للقضية الوطنية وكَلُبٍ للهوية الوطنية. لذلك، من الصعب تصديق ادعاء الكاتب دفاعه عن هذه الهوية الوطنية التي أفقدها مقوماتها الأساسية بقصدٍ وإصرار.

يتابع الكاتب لوي عنق حقائق التاريخ بقوله بأن الاستعمار الاستيطاني الصهيوني بدأ إثر حرب حزيران وذلك ” في أول مرة تنتهك فيها إسرائيل القانون الدولي”… يا للكارثة، كيف يمكن لحركة فتح أن تقبل نشر هذا التزوير للحقائق باسمها وباسم مفوضيتها للإعلام والتعبئة. ألم يسمع صاحبنا هذا عن انتهاك الصهاينة للقرار الدولي في تقسيم فلسطين ما بين دولة يهودية وأخرى عربية لعام 1947(29 نوفمبر) لكي يضموا بالقوة مناطق شاسعة من فلسطين لم يخصهم بها ذلك القرار الدولي؟ ألم تكن مدينة “عكا” جزءاً من الدولة الفلسطينية وكذلك منطقة الجليل الغربي كاملةً ومثلها تلك المنطقة الممتدة من المجدل (عسقلان) حتى غزة؟ (انظر الخارطة).

لا، لم تكن هذه هي المرة الأولى لخرق الصهاينة للقرارات الدولية ولن تكون الأخيرة، خرقاً لم تعاقبها “المجموعة الدولية” عليه في الماضي ولم تعاقبها في الحاضر.

على نفس المنوال، قرار التقسيم 181(29/نوفمبر1947) نص على ضرورة السماح بالعودة للاجئين الفلسطينيين، قراراً ضربَ به الصهاينة عرض الحائط لكي ينتهكوا وبصراحة وقحة تلك الإرادة الدولية، انتهاكاً تكرر مع رفض إسرائيل لتطبيق القرار الدولي حول حق العودة والتعويض رقم 194 (11 ديسمبر1948).

كيف يمكن إخفاء هذه الحقائق كخدمةً عرجاء لتنازلات مُهينة جرى تقديمها من خلف ظهر الشعب الفلسطيني من قِبَلِ هذه القيادة المهزومة؟

منذُ ان مارست القيادة المتنفذة في منظمة التحرير مناوراتها اللفظية للتغطية عن تنازلاتها المتواصلة وذلك تعبيرا عن رغبتها بالانخراط في سوق المساومات التسووية والتي كان النظام الرسمي العربي يشجعها على سلك هذه الدروب التصفوية، حوفِظَ حياءً على عبارة “…على أي جزء يجري تحريره…” وهذا “التحرير” أصبحَ له لونٌ آخر ومحتوىً جديد: إنه التحرير المحمول على أكتاف “المجموعة الدولية” وعلى “الشرعية الدولية” والمدعوم بِ “حق تاريخي” جرى تقليصه وتقزيمه لكي يتناسب وهدف منح الشرعية للكيان الصهيوني على أرض فلسطين. وقد جرى ذلك بالفعل بمنح الشرعية لإسرائيل دون أي مقابل.

” إعلان الاستقلال” لعام 1988، كان تتويجاً لهذا النهج التصفوي والذي قاد الشعب الفلسطيني الى كارثة اتفاقيات أوسلو المشؤومة عامي 1993-1994.

“د. ناصر القدوة” مزوراً للتاريخ يرى في “إعلان الاستقلال” نصراً كفيلاً بخلق الشروط لقيام “الدولة الوطنية” اعتماداً على أسطرة مفاهيم الشرعية الدولية ولكن “لسوء حظ” المشروع الوطني، جرى اغتيال “اسحق رابين” و”عرفات” لكي يسقط هذا المشروع بفعل صعود اليمين الإسرائيلي المتطرف…

يتناسى الكاتب التطرق لحقيقة المشروع الكولونيالي الإحلالي الصهيوني، مشروعاً بدأه اليسار العمالي الصهيوني ويستكمله اليمين الديني اليهودي المتطرف. لا فرق ما بين هذا وذاك، وهذه هي حقيقة المشروع الصهيوني الذي لا يقبل سوى تحويل فلسطين كاملةً من نهرها الى بحرها الى دولة يهودية عنصرية خالصة.

“د. ناصر القدوة” وبعد أن أعطى شرعية كاملة للخطاب الصهيوني وللسردية الصهيونية يرى بأن الدولة الوطنية العتيدة سوف تتأسسُ على معطيات القرار الدولي 242 وهو من سوف يُحَدِدُ حدودها…هل تغير المشروع الصهيوني وهل تغيرت موازين القوى الدولية والاقليمية ما بين طرفي الصراع لكي يجري إرغام إسرائيل على القبول بالإرادة الدولية؟ ألم يقم الصهاينة برفض القرار 181 من قبله لكي يضموا مناطق شاسعة ويطردوا سكانها منها ما بين عامي 1947 و1948، ألم يتآمروا مع الملك “عبد الله” للاستيلاء على منطقة المثلث كاملةً؟

1948-2005: نكبة ، صعود وسقوط المشروع الوطني

التاريخ الحقيقي الذي يتجاهله الدكتور والديبلوماسي الفتحاوي يبدأ عام 1948 وليس عام 1967. إثر النكبة وفي ديسمبر لعام 1948، شكل “جورج حبش” في بيروت “حركة القوميين العرب” وبعد أربع سنوات من هذا الحدث التأسيسي، شهدنا حدثاً موازياً تَمَثَل ببدايات صعود نشاط وطني كثيف كانت “فتح” هي مركز ثقله الأول وكان لها شرف قيادة تلك المرحلة وهي بالتأكيد ليست بِ”فتح” الحالية التي ينطق هذاالقدوة باسمها.

“المهندس عرفات القدوة” ليس بِ” الدكتور ناصر القدوة” فشتان ما بين هذا وذاك. بدأ “عرفات القدوة” نضاله شاباً في جامعة القاهرة منذ عام 1952 وواصله في الكويت عام 1954 مع “أبو جهاد” و”أبو يوسف النجار” لكي يقوما لاحقاً وبمشاركة “أبو إياد” ببناء منظمة “فتح’ في الكويت في 1 فبراير عام 1958 ولكي يصدرا في العام اللاحق جريدة فتح الأولى “فلسطيننا”. فتح كانت حامل المشروع الوطني لتحرير فلسطين كاملةً ولبناء الكيانية الفلسطينية المتمثلة بالدولة الديمقراطية على كامل التراب الوطني المُحَرَر.

عرفات الزعيم وحامل لواء الكيانية الفلسطينية منذ الخمسينات أدرك متأخراً فداحة التنازلات التي قدمها طوعاً لإسرائيل عبر اتفاقيات أوسلو وما كان له من خيار سوى تجديد روح المقاومة بدلا ًمن خيارات الحل التفاوضي العقيمة والتي دفع ثمنها شهيداً. وهكذا، اندلعت الانتفاضة الفلسطينية الثانية أو انتفاضة الأقصى في 28 سبتمبر 2000 ولكي تتوقف فعلياً في 8  فبراير 2005  بعد اتفاق الهدنة الذي عقد في قمة شرم الشيخ والذي جمع الرئيس الفلسطيني المنتخب حديثاً محمود عباس ورئيس الوزراء الإسرائيلي أرئيل شارون.

فشل الانتفاضة الثانية كان فاتحةً لمرحلة جديدة من التنازلات المجانية والتي كان عنوانها الأساسي إدانة فعل المقاومة واعتقال كل من تسول له نفسه “ارتكاب جريمة المقاومة” والتعويل على التفاوض من أجل التفاوض تحت الرعاية الدولية ومواصلة التعاون الأمني الذي أصبح مُقدساً لرئيس السلطة الجديد وحاشيته من المنتفعين والمتسلقين والتجار ورجال الأعمال.

لقد حملت هذه التطورات الدراماتيكية تغيرات بنيوية عميقة في قلب الحركة الوطنية لكي تعلن بداية أفول المشروع الوطني الذي بدأ في الخمسينات من القرن المنصرم وصولاً لعام 2005. وبذا، اختفى نهائياً هدف تحرير فلسطين وهدف بناء الدولة الديمقراطية على كامل التراب الوطني وبرز الانقسام الفلسطيني ما بين غزة والضفة وبروز سلطتين اوسلويتين متنافستين على بناء كيانات هزيلة تحت الاحتلال، كيانات – بانتوستانات وكانتونات تعمل لصالح الاحتلال ووكيلاً حصرياً له.

ولقد أسفرت هذه التحولات التاريخية عن تعزيز التطبيع الرسمي العربي مع دولة الاحتلال والعنصرية والابارتهايد وأعطت الضوء الأخضر لإعلان الموت المحتوم للمشروع الوطني الفلسطيني على يد “ترامب”.

“صفقة القرن”: موتٌ مُعلن للمشروع الوطني

مع خطة “ترامب” و”صفقة القرن”، يكتشف الدبلوماسي الفتحاوي الماهر أن هناك نية صهيونية لتحويل كامل فلسطين الى دولة يهودية…”صح النوم”، اكتشافك متأخر ورغم وصولك اليه، لا تستطيع أن تغير من موقفك وخطابك السياسي. لا تريد الاعتراف بأن “الحكم الذاتي” الذي وصفته اتفاقيات أوسلو بالمؤقت لا بدّ وأن يكون هو الحل الدائم لكي يلعب هذا الكيان الهزيل دور الأداة التنفيذية للاحتلال الرخيص وغير المُكلِف.

يواصل الكاتب عرض استراتيجيته التي يصفها بالوطنية: التمسك بالحقوق الوطنية وبالدولة الوطنية… هنا، لا يلاحظُ الكاتب بتعارض وصف هذه الاستراتيجية بالوطنية فيما هي تدمير للقضية الوطنية الجمعية لكل شعب فلسطين وليس لجزء صغير منه. من يضحي بالقضية الوطنية الجمعية لا يحق له إعطاء صفة الوطنية لهذه الاستراتيجية اللاوطنية بالفعل.

فلسطين وقضيتها الوطنية أكبر من هذا الكيان القزم، كيان التعاون الأمني “المقدس” مع المُحتَل وكيان تصفية القضية الوطنية.

يرفض الكاتب ان يعترف بأن “طبخة” أوسلوا لم تكن سوى سقوطٍ مُدوي للطبقة السياسية الفلسطينية بأكملها من يمين” ليبرالي” الى يمين ديني الى يسار قومي ويسار ستاليني في فخ ما وُصِفَ بِ”الاستقلال” وبعملية بناء الكيان الكرتوني ل”سلطةٍ” وُصِفَتْ بال”وطنية” على أراضٍ لم تُحَرَرْ على حدود1967 والتي يرسمها القرار الدولي 242. هذا “الاستقلال” اللا- وطني للدولة الفلسطينية المزعومة وعاصمتها القدس لم يكن سوى اعترافاً بشرعية إسرائيل واسقاطاً لحق العودة وتخريباً للوعي الوطني الفلسطيني.بانت

ولكي يُبديّ الكاتب موقفاً نقدياً من المسيرة التفاوضية الكارثية وهو شخصياً أحد من ساهم بصياغتها، يتحدثُ عن خطأين اثنين لمسيرة أوسلو: الاعتقاد بأن إسرائيل هي من سوف يقوم بتقديم هذه الدولة لنا والتقليل من مخاطر الاستعمار الاستيطاني الزاحف.

لم تكن هذه مجرد أخطاء بل هي خطايا صاغها البرنامج الانهزامي لسلطة أوسلو وحاول تسويقها للشعب الفلسطيني. المنطق السياسي والخطاب الذي اعتمدته السلطة الأوسلوية كان مبنياً على زرع جملة من الأوهام في العقل الجمعي الفلسطيني، منطقاً أحل مبدا “التفاوض” بدلاً من مبدأ “المقاومة” والتي أصبحت تبدو كفعل إرهابي. واليوم، تستفيق السلطة لتجد نفسها بلا مفاوضات وبلا مقاومة واضعة الشعب الفلسطيني في مأزق مريع وفي أخطر مراحله وأدقها في تاريخه المعاصر.

تحويل العقيدة النضالية لعقيدة التعاون الأمني الدايتونية حولت من الفدائي الى حارس للمستوطن الصهيوني. قمع الحريات المدنية والسياسية للمجتمع الفلسطيني تحت سلطتي أوسلو الضفاوية والغزاوية كان هو الوجه الآخر لمحاولات تمرير عملية التصفية الفعلية للمشروع الوطني.

القوى الحيّة للشعب الفلسطيني في فلسطين وفي الشتات الفلسطيني والتي تحاول استعادة المشروع الوطني ومنع انهياره كاملاً هي تلك القوى التي يحاول “د. ناصر القدوة” التشكيك بوطنيتها بل واتهامها بتمرير المشروع الصهيوني لتهويد فلسطين وتأبيد الانتصار الصهيوني وبناء اسرائيل الكبرى.

“دولة” البانتوستان كدولة “وطنية” والدولة الديمقراطية الواحدة كدولة اسرائيل الكبرى

قبل تخوين القوى الفلسطينية الرافعة لشعارات بناء الدولة الديمقراطية على كامل التراب الوطني الفلسطيني، يعترفُ الكاتب بأن هناك ” فئة فلسطينية لها حجمها ومنطقها تقول بهدف تحرير كل فلسطين، إزالة الكيان الصهيوني وبناء كيان ديمقراطي حقيقي بدلاً منه. وبالرغم من العدالة التي ينطوي عليها هذا الطرح إلا أن إمكانية تحقيقه تبدو عسيرة للغاية ناهيك عما يسببه ذلك من خسائر فادحة على مستوى المجتمع الدولي ومواقف الدول الفاعلة…”(ص. 6)، ولكن، يستطرد في الصفحة التالية واصفاً لهذه الفئة بحملها لطرحاً ” بقصد أو بغير قصد تمكين إسرائيل من انشاء إسرائيل الكبرى”(ص.7).

كيف يمكن لهذا الطرح العادل أن يكون عاملاً على انشاء إسرائيل الكبرى؟

بنظر الكاتب، “حل الدولتين” يحوز على الدعم الدولي فيما ان “حل الدولة الواحدة” يفتقر الى هذا الدعم ولذا سوف يتحول الأخير الى عاملٍ مساهم في انشاء إسرائيل الكبرى.

لا يقدم لنا الكاتب ملامح هذه العصى السحرية التي لا توجد إلا في المخيلة المريضة لعجزة صانعي اتفاقيات أوسلو ولم نعثر بعد على هذا الموقف الدولي المُتَخَيل الداعم بالقول لا بالفعل لحل الدولتين والذي طوت المجموعة الدولية صفحته بعد أن استنفذ مهمته: منح الشرعية لإسرائيل ومنحها الفرصة الذهبية لتهويد فلسطين كاملةً لبناء إسرائيل الكبرى بتواطؤ الطبقة السياسية الفلسطينية “الفيشية”(كحكومة Vichy الفرنسية تحت الاحتلال النازي).

يحق لنا هنا أن نتهم الكاتب بالعمل على مساعدة إسرائيل الحالية على بناء إسرائيل الكبرى وليس تلك الفئة صاحبة “الطرح العادل”.

نحن نعتقدُ هنا بأنّه من الضروري قبل كل شيء الاتفاق على معنى بعض الكلمات والصيغ التي تتردّد كثيرا والتي يُحمِلُها البعض أكثر مما تحتمِل فالقانون الدولي الذي تتغنى به السلطة الأوسلوية والشرعية الدولية التي تحاول أن تحتمي بها هذه السلطة الوهمية والمفتقِدة لأدنى مقومات السيادة ليست سوى اسطورة “من اساطير الأولين” ألا وهمـ تلك القوى الإمبريالية والتي تتفق مصالحها مع الكيان الصهيوني الذي بنته بأياديها ولا تزال توفر له كل مقومات الحياة.

“المجموعة الدولية” العتيدة هذه بما فيها ستالين، أب الشعوب وديكتاتور جمهوريته السوفياتية هي من وهب الجزء الأكبر من فلسطين للحركة الصهيونية منذ عام 1947 وذلك بفضل القرار الأممي والذي تمّ بمقتضاه سلب الفلسطينيين وتجريدهم من وطنهم. باسم هذه الشرعية الدولية جرى انشاء الدولة الاستعمارية الاستيطانية الصهيونية على أرض فلسطين.

إسرائيل قامت بفضل اتفاق بين بريطانيا العظمى والولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفياتي، لا لغاية التكفير عن الستّة ملايين من اليهود الذي قتلوا في أوروبا، إنّما من أجل” اقتسام المصالح في الشرق الأوسط” وهذه المصالح لم تتغير لكي تعطي للفلسطينيين دولتهم.

نعم، موازين القوى على المستوى الذاتي والإقليمي والدولي لا تسمح في هذه اللحظة الراهنة بالتقدم نحو حل الدولة الديمقراطية الواحدة ولكن تحسين الإداء الفلسطيني وتوحيده على استراتيجية نضالية عنوانها تحرير فلسطين وتفكيك الكيان الصهيوني كمقدمة لبناء دولة فلسطين الديمقراطية الواحدة على كامل التراب الوطني، من شأنه أن يُحدِثَ تغيرات في الموقف الدولي لمساندة قضيتنا العادلة.

استعادة الخطاب التأسيسي للحركة الوطنية الفلسطينية المعاصرة والتأكيد على شرعية السردية الفلسطينية وتحويل فلسطين لقضية عدالة دولية وكسب تضامن الشعوب قبل حكوماتها هو ما سوف يُعَدِلُ من موازين القوى المُختلة الآن لصالح عدونا لكي تميل باتجاه مصالحنا الوطنية. أما الإيغال بأوهام حل الدولتين المشؤوم فهو الكفيل بمنح إسرائيل مزيداً من التضامن الدولي لمشاريعها الاستعمارية ومزيداً من الوقت لتنفيذ مشروعها التهويدي لكل فلسطين.

إعادة فلسطين الى المربع العربي والإقليمي لكسب ثقة الشعوب العربية المتمردة ضد جلاديها وضد حكومات الاستبداد والقتل هو استعادة البعد العربي الذي فقدناه بفعل تحالفات السلطة الأوسلوية مع أنظمة الفساد العربية وعلى رأسها التحالف المُشين مع النظام الأسدي.

إعادة النضال الفلسطيني الى مركزه في خارطة النضال الدولي ضد كل أشكال العنف والاضطهاد القومي والاثني والجنسي وضد الرأسماليات النيوليبرالية والقوى الامبريالية والنظام الأبوي ووضع فلسطين في قلب نضال الحركات النسوية والجندرية وحركات الشعوب الأصلانية والأقليات القومية والجنسية على المسرح الدولي هو ما سيعيد لفلسطين مكانتها الدولية.

أما الايغال في الوهم الأوسلوي فهو الجريمة الكبرى بحق المشروع الوطني وليس برنامج بناء الدولة الديمقراطية كما يحاول الكاتب قلب الحقائق لكي تتناسب وسياسات السلطة البائسة والتي قد تخلق شروط كارثة قادمة قد لا تقل خطورتها عن نكبة 1948. فبدلاً من تخوين هذه الفئة، يمكن تخوين الفئة السلطوية المتعاونة مع المُحتل أمنياً واقتصادياً.

إن البرنامج النضالي الجذري هو الكفيل بتعديل موازين القوى وليس الانبطاح أمام اشتراطات القوى العظمى وهو ما سيمنحنا فرص التقدم في عملية تحرير الأرض وتحرر الانسان الفلسطيني في فلسطين التاريخية وفي الشتات.

إن الموقف الدولي هو رهنٌ بقوة المشروع الوطني وبمتانة جبهته الداخلية وهو مرتبط بقوة الحق وبقوة المدافعين عنه وبقوة أنصارهم على المستوى الإقليمي والدولي. ولذا، فإن إعادة الاعتبار لشرعية جميع اشكال النضال والمقاومة هو جزء لا يتجزأ من الحراك العامِلِ على إعادة إحياء المشروع الوطني.

طرح البرنامج الوطني لدولة فلسطين الديمقراطية الواحدة على ارض فلسطين التاريخية هو جوهر المشروع الوطني القادم وهو الاستعادة المشروعة للبرنامج الفلسطيني التاريخي الأصلي والذي شاركت منظمة “فتح” بصياغته قبل أن تنحرف قياداتها الحالية عنه، هذا الانحراف الذي تعكسُ مقالة “د. ناصر القدوة” خطوطه العريضة.

لقد آن الأوان للتخلص مرةً وللأبد من أوهام “حل الدولتين” والذي لم يوجَدَ إلا في أذهان المتوهمين والمُتكرشين والمُتعيشين على بامتيازات سلطة وهمية متعاونة مع الاحتلال. يدعيّ “د. ناصر القدوة” بأن لا هناك حلٌ اسمه الدواة الواحدة” فهل وُجدَ حلٌ بالفعل اسمه “حل الدولتين”؟ ألم يكن هذا الحل المُضلِل سوى تغطية للمزيد من نهب الأرض الفلسطينية وتهويدها:

في ظل اكذوبة المفاوضات السلمية للوصول الى “حل الدولتين” ارتفع عدد المستوطنين من 200,000 مستوطن في 1994 الى 700.000 مستوطن في يومنا هذا ممن يعيشون في ظل أمن نسبي يضمنه لهم “التعاون الأمني” اللا- مقدس برعاية السلطة الأوسلوية، فيما شهدنا تراجع عدد سكان الأغوار الفلسطينية من 300.000 عام 1967 الى 60.000 مواطن فلسطيني ممن سيواجهون قريباً خطة الضم الصهيونية بمباركة أميركية وتواطئ أوروبي ورسمي عربي.

أمام هذا الخطر الداهم، لا تملك سلطتي أوسلو في غزة ورام الله برنامجاً للمواجهة فهما ومجمل فصائل العمل الوطني أسرى للفخ الذي نصبوه لأنفسهم ولشعبهم وذلك في يوم لن تنفعهم فيه ربطات العنق وألقاب السيادة والفخامة والسجادات الحمراء وكواليس وأبواب السفارات الخلفية منها والامامية.

إزالة حدود 1967: توحيد فلسطين التاريخية وليس تكريساً لإسرائيل الكبرى

الغمز واللمز من قناة تخوين “الطرح العادل”(كلمات الكاتب حرفياً) لتلك ” الفئة الفلسطينية والتي لها حجمها ومنطقها والتي تقول بهدف تحرير كل فلسطين، إزالة الكيان الصهيوني وبناء كيان ديمقراطي حقيقي بدلاً منه …” يمضي الكاتب بعيدا في افتراءاته ً ليقول بأن هذا الطرح يتضمن التخلي عن مبادئ السيادة ومبدئ الحق بتقرير المصير فيما أن مطالبته ب إزالة حدود 1967 هو تكريس لشرعية المستعمرات التي جرى قيامها على أراضي الضفة…

تباً لهذا الافتراء المُشين.

برنامج (او برامج) دولة فلسطين الديمقراطية لن تعترف بالمستعمرات، كل المستعمرات سواءً كانت في جبال الجليل أو في جبال نابلس والخليل. لا بُدّ وأن يجري تفكيك كل هذه المستعمرات المُقامة على أراضٍ فلسطينية خاصة على طول وعرض فلسطين التاريخية لإعادة الأرض الى أصحابها الأصليين ولأحفادهم من اللاجئين الفلسطينيين بعد عودتهم الى ديارهم.

يواصل الكاتب افتراءاته ليقول بان طرح الدولة الديمقراطية يُسقط مفاهيم ” السيادة على الأرض” وعلى “النيل من الهوية الوطنية” ومن “الحق بتقرير المصير” كحق قد عفي عليه الزمن ويبدو هنا أن الكاتب يتجاهل وبخبثٍ واضح لكمية الأدبيات السياسية الكبيرة والمنشورة بهذا الخصوص.

جميع تيارات الدولة الديمقراطية الواحدة هي بريئة من هذه التهم المُجحفة بحقها ويكفي العودة الى أدبياتها للتأكد من هذا الافتراء الفاضح.

خلاصة

إن المقالة ليست سوى محاولة جريئة للدفاع عما لا يمكن الدفاع عنه: سياسات أوسلو التي أدت الى هذه الأزمة الحادة التي يعاني منها المشروع الوطني برمته. في الواقع، جرأة الطرح تتأتى من الدفاع المستميت من أحد رموز هذه الطبقة السياسية عن جملة امتيازات هذه الطبقة الطفيلية من اجل إدامتها واستمرارها وإن كان تأبيد وقوف هذه الطبقة على راس السلطة والمنظمة هو ما أدى الى انتاج المأزق الحالي للمشروع الوطني والذي قد يؤدي لاحقاً الى خلق الشروط لنكبة قد لا تقل آثارها الكارثية عن نكبة عام 1948.

المقالة تدافع عن الخيار الأوسلوي وتحاول من جديد بيع هذه البضاعة الفاسدة للشعب الفلسطيني من خلال خطاب سياسي يهدف بتغييبه للحقائق وعبر التزوير الفاضح للحقائق الى كي الوعي الوطني وتدجينه وتحضيره للقبول بفتات ما من “صفقة القرن” وما يمكن أن تؤول اليه: خلق كيان بانتوستاني فلسطيني لكي يضم كانتونات ومعازل فلسطينية لإدارة السكان دون أدنى مقومات السيادة على الأرض.

إن ما يهم هذه الطبقة السياسية المتربعة على قمة السلطة والمنظمة و”فتح” وباقي زعامات الفصائل المُفلسة (شاهد الزور) هو المحافظة على جملة امتيازاتها وبسبيل هذه الامتيازات لا باس من تصفية الحقوق الفلسطينية وعلى راسها “حق العودة” والذي لم يظهر في النص ولو مرة.

هل يمكن أن يكون هذا النص هو أول خطاب بانتوستاني فلسطيني بامتياز؟

Author: ناجي الخطيب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *