دولة فلسطين كمحمية استعمارية


اشترك معنا في قناة تلغرام: اضغط للاشتراك حمل تطبيق الملتقى الفلسطيني على آندرويد: اضغط للتحميل

تاريخيا قبلت الحركة الوطنية الفلسطينية، ومن خلفها دول العالم العربي والجامعة العربية والكثير من الدول والمؤسسات والقيادات الفاعلة دوليا وإقليميا، بمسألة إقامة دولة فلسطينية إلى جانب إسرائيل كحل للصراع الفلسطيني- الإسرائيلي.

ورغم أن هذا الحل هو في سياق استمرار ونجاح المشروع الاستعماري- الإحلالي في فلسطين التاريخية، حيث إن الحديث يدور عن قبول الفلسطينيين بدولة على 22 في المئة من وطنهم التاريخي، إلا أن ذلك الحل في سياق الاستعمار الكولونيالي لم يكن ممكننا وتم القضاء عليه، أساسا نتيجة لسياسات إسرائيل الاستعمارية في القدس والضفة وغزة.

وقد قبلت الحركة الوطنية الفلسطينية، وأعني قيادات منظمة التحرير والسلطة الفلسطينية، بترتيبات أقل من دولة على 22 في المئة من فلسطين التاريخية، لكن ذلك أيضا لم ينفعها في سبيل تحقيق إقامة دولة، ولو حتى مع قبول باستقلالية مجتزأه.

رغم اتضاح استحالة إقامة دولة فلسطينية مستقلة في الضفة والقدس وغزة، بسبب السياسات الإسرائيلية، إلا أن حل “الدولتين” يأبى أن يختفي، ويعود بشكل دوري الحديث عن دولة فلسطينية وعن حل الدولتين. وتأتي الأصوات من قوى عالمية وعربية ومؤسسات دولية وشخصيات إسرائيلية وفلسطينية وصحافيين وكتاب رأي وأكاديميين على تنوعهم، كلهم لا زالوا يعتقدون بإمكانية إقامة دولة فلسطينية إلى جانب إسرائيل، وجزء كبير منهم يدركون أن مثل هذه الدولة ستكون بمثابة “بانتو- ستان”، و”محمية استعمارية” تتمثل في دويلة فلسطينية تابعة لإسرائيل، إن تم ذلك أصلا.

هذه الدولة ستكون بمثابة “بانتو- ستان”، و”محمية استعمارية” تتمثل في دويلة فلسطينية تابعة لإسرائيل، إن تم ذلك أصلا

أي إنه رغم إدراك هؤلاء أن أية ترتيبات لدولة فلسطينية سوف تكون توسيعا لانسحاب إسرائيلي آخر كما حصل في غزة عام 2005، وستكون الدويلة الفلسطينية مرتعا للفساد السلطوي الفلسطيني أولا، ووكيلة لإسرائيل لإدارة السيطرة على فلسطين التاريخية ثانيا، بحيث ستكون هذه “الدولة” جزءا من سيرورة استعمارية كولونيالية ولن تكون دولة مستقلة وطبيعية.

وبحسب دائرة المعارف البريطانية (بريتانيكا)، فإن “المحمية الاستعمارية هي العلاقة بين دولتين تمارس إحداهما بعض السيطرة الحاسمة على الأخرى. قد تختلف درجة السيطرة من الوضع الذي تضمن فيه الدولة الحامية سلامة الطرف الآخر وتحميه (…) وفي العصر الحديث، تم إنشاء غالبية المحميات بموجب معاهدة تتنازل بموجبها الدولة الأضعف عن إدارة جميع علاقاتها الدولية الأكثر أهمية.. وتحدد المعاهدة وضع الدولة المحمية في المجتمع الدولي، مع إشارة خاصة إلى سلطاتها في وضع المعاهدات وحقها في التمثيل الدبلوماسي والقنصلي. ويشكل حق الدولة الحامية في التدخل في جميع الشؤون الخارجية (للمحمية الاستعمارية) نقض مؤكد للسيادة من جانب الدولة الأضعف”.

ومع استمرار الحرب في غزة والمعاناة الإنسانية المهولة، هناك ارتفاع جدي في الاهتمام بالقضية الفلسطينية بما في ذلك في إمكانيات الحل السياسي. وتعود إلى الواجهة تصريحات حول ترتيبات “ما بعد الحرب”، أهمها استمرار التصريحات المتطرفة لرئيس الوزراء الإسرائيلي وأعضاء حكومته وجوهرها معارضة إقامة دولة فلسطينية إلى جانب إسرائيل والتمسك بخيارات تعني جوهريا أن إسرائيل مصممة على السيطرة الفعلية على فلسطين التاريخية وتهويدها.

استقلال منقوص

قد يختلف هؤلاء في مدى المساحة المحددة للفلسطينيين أو لأية سلطة تمثلهم في سياق تصورهم هذا، إلا أنهم متفقون على أن أية سيطرة فلسطينية أو سلطة تمثل الفلسطينيين لا يمكنها أن تصل إلى الاستقلال التام ويجب أن تقبل بما هو دون الاستقلال الوطني من جهة، وعليها أن تكون مستعدة للمساهمة في الحفاظ على أمن إسرائيل والإسرائيليين، على الأقل كما تفعل ذلك الأجهزة الأمنية لسلطة رام الله، من الجهة الأخرى.

تكلل الموقف الرسمي الإسرائيلي في تصويت الكنيست (21/ 2/ 2024) بأغلبية 99 عضوا من أصل 120 عضوا في الكنيست، على تصريح خاص لنتنياهو يفيد بأن إسرائيل “ستواصل معارضتها للاعتراف الأحادي بالدولة الفلسطينية. وأن مثل هذا الاعتراف، بعد مجزرة 7 أكتوبر/تشرين الأول، من شأنه أن يعطي مكافأة هائلة للإرهاب، مكافأة لا مثيل لها، ويمنع أي تسوية سلمية في المستقبل”.

أتى تصريح نتنياهو والتصويت عليه في الكنيست في سياق التصدي لتصريحات جوهرها دعم إقامة دولة فلسطينية في سياق تسوية مستقبلية مع إسرائيل. وأتت هذه التصريحات والدعوات من جهات عدة وبمضامين مختلفة رغم أنها جوهريا تتحدث عن دعم تسوية إسرائيلية- فلسطينية في سياق ما يعرف بـ”حل الدولتين”.

إي.بي.ايهالسفير رياض منصور (وسط)، المراقب الدائم لدولة فلسطين لدى الأمم المتحدة، خلال مؤتمر صحفي مع فلسطينيين قُتل أو أصيب أفراد من عائلاتهم في غزة

من نافلة القول إن التصريحات الدولية والقرارات الأممية والرباعية– الولايات المتحدة وروسيا وأوروبا والأمم المتحدة- كما قرارات القمم العربية في هذا الشأن لم تثبت جديتها، بمعنى أنه فيما يتعدى التصريحات المؤيدة لإقامة دولة فلسطينية لم تقم بجهد جدي يستحق الإشارة لأجل إجبار إسرائيل على الرضوخ للقرارات الدولية، ولا يبدو أن هذه القوى جدية الآن أكثر من الماضي في التعامل مع “إقامة دولة فلسطينية”، وخصوصا أن القوى العالمية الفاعلة وعلى رأسها الولايات المتحدة تدرك أن إسرائيل تقوم في حربها ضد غزة بتنفيذ جرائم حرب غير مسبوقة ضد الفلسطينيين، وبالتأكيد تدرك مساعي اليمين الجديد والفاشي في إسرائيل لتنفيذ تطهير عرقي “والعودة” إلى الاستيطان في غزة والسيطرة عليها بشكل مباشر، أو نصف مباشر، من خلال تمكين حكم ذاتي فلسطيني متعاون معها ويسهل عليها مهمة متابعة خطواتها العقابية والرادعة ضد مقاومة الفلسطينيين لاحتلالها إجمالا ولخطواتها العينية لبسط سطوتها وسيطرتها، بشكل مشابه لما يحدث في الضفة الغربية وبمساعدة السلطة الفلسطينية في رام الله.

نداء فلسطين

تصريحات الرئيس الأميركي وبعض القيادات الأوروبية والأممية والعربية تأتي إجمالا من باب التعويض عن فشلها الواضح في منع الجرائم الإسرائيلية في غزة والتطهير العرقي والتقتيل بحق الغزيين، لكنها كذلك، وفي بعض الحالات، تأتي في سياق تكتيكات سياسية تتعلق بالحسابات السياسية الداخلية مثل إعادة الانتخاب وفي سبيل تليين مواقف الناخبين المنتقدين للحرب ودعم إسرائيل، في حالة بايدن مثلا.

وبالتأكيد لا يوجد أي جديد في مواقف القيادات الفلسطينية في رام الله، فهي التي وعدت الفلسطينيين بالدولة والحل، وهي من تبرر عموم تجاوزاتها وانتهاكاتها وتقصيراتها، الداخلية والخارجية، بحجة أن كل ذلك مقبول في سياق إنهاء الاحتلال والحصول على دولة، لدرجة أن سلطة رام الله أصبحت فعليا “محمية استعمارية” ونظاما تابعا وداعما للاحتلال ولممارساته ضد الفلسطينيين المقاومين- كما العزل، الذين يدافعون عن حقوقهم الأساسية وأملاكهم التي تحاول إسرائيل وعصاباتها المدججة بالسلاح الاستيلاء عليها. الدلالات على فشل السلطة، ومنظمة التحرير من فوقها، واضحة وجلية، وصحيح أن جزءا مهما من تفسير هذا العجز يعود لممارسات الاحتلال، إلا أن الفشل الداخلي والتسلط العنيف على حياة الناس والفساد وتعويم حالة الفصائلية البائسة وغيرها من المظاهر الفلسطينية الداخلية، كلها مركبات في تفسير العجز الفلسطيني وتراجع المشروع الوطني وضموره بشكل كبير، قبل حرب غزة كما بعدها.

سلطة رام الله أصبحت فعليا “محمية استعمارية” ونظاما تابعا وداعما للاحتلال

الأهم في هذا السياق هو تصميم نخب وقيادات فلسطينية منتقدة لطريق السلطة الفلسطينية وقيادة منظمة التحرير على الحديث عن إقامة الدولة وإنهاء الاحتلال، وغير ذلك من المصطلحات المقطوعة عن الواقع، والتي تفيد بتذويت الحالة الاستعمارية الكولونيالية في جوهر المشروع الفلسطيني الرسمي من جهة، والمنتقد للموقف الرسمي من جهة أخرى، مما ينذر بأن حرب غزة وأهوالها وجرائم إسرائيل لم تكن مجدية في تغيير طرق التفكير الفلسطينية وكيفية التعاطي مع متطلبات “ما بعد حرب غزة” فلسطينيا.

هنا أعرّج، في سبيل التوضيح والمثال على بعض تصريحات القوى المننقدة للسلطة الفلسطينية وطريقها. ففي مقابلة لناصر القدوة، وزير خارجية فلسطين وممثلها في الأمم المتحدة سابقا، وهو عضو مفصول من قيادة حركة “فتح” ومغضوب عليه من قبل محمود عباس وقيادة السلطة الفلسطينية ومنظمة التحرير بسبب مواقفه النقدية تجاه قيادة السلطة، فقد صرح في مقابلة له مع صحيفة “يديعوت أحرونوت” (23/ 2/ 2024): “لن يكون هناك فصل بين غزة والضفة، وحجم الدمار يتطلب أن يتجند كل واحد، وأنا جاهز لأن أقدم نصيبي، ولا أخشى من الاتهام بالتعاون مع إسرائيل للمساهمة في الإعمار بشرط أن يتم هذا بطريقة تخدم المصلحة الفلسطينية… إذا انسحبت إسرائيل وأقيم إطار سياسي يسعى بجدية لإقامة دولة ولا يتورط بهراء يسمى مسيرة السلام، وإذا لم تحصل هذه الأمور، فالفشل سيكون مضمونا، ولا أحد يريد أن يأخذ المهمة على عاتقه… أنا أؤيد المفاوضات المباشرة، وتوجد الكثير من المواضيع الحرجة التي يجب التوافق عليها، لكن دولة أولا، مفاوضات بعد ذلك”.

وقريبا من ذلك، وفي السياق المتعلق بالصعيد الإسرائيلي في غزة وجرائم الجيش الإسرائيلي هناك واستمرار مطاردة الفلسطينيين من قبل مجموعات استيطانية مسلحة ومدعومة من الحكومة الإسرائيلية في القدس والضفة، فقد بادرت مجموعة فلسطينية من القيادات والنشطاء إلى إقامة مبادرة “نداء فلسطين” وشملت المجموعة قائمة مهمة من قيادات الصف الأول والممثلة في هيئات منظمة التحرير الفلسطينية، كلها تنتقد طريق السلطة الفلسطينية عموما وأداءها خلال الحرب في غزة تحديدا.

أطلقت مؤخرا مبادرة “نداء فلسطين” لانتقاد طريقة السلطة الفلسطينية عموما وأدائها خلال الحرب في غزة تحديدا

نشرت مجموعة “نداء فلسطين” بيانها الأول في 31 يناير/كانون الثاني 2024، وبه قدمت قراءتها للوضع الفلسطيني وتقييمها للأداء الدولي والعربي والفلسطيني، وأكدت “على ضرورة تحقيق الشراكة الوطنية بين القوى الفلسطينية كافة، وتعميق وتكريس هذه الشراكة الاستراتيجية في كل إطارات ومفاصل العمل الفلسطيني، سياسيا ونضاليا، من أجل إنهاء الاحتلال وتنفيذ حقوق شعبنا في تقرير المصير وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس”.

قد يجد المهتم مئات التصريحات المشابهة لفلسطينيين ولعرب ولأجانب، بما في ذلك لإسرائيليين، كلها تتحدث عن “إنهاء الاحتلال” وإقامة “دولة فلسطينية” وتقصد “حل الدولتين” رغم أن البعض يتجنب ذكر ذلك مباشرة. وعلى كلها ينسحب التقييم على أن ما تتم الدعوة إليه، عموما وفي ظل التصعيد الإسرائيلي المترافق مع سيطرة اليمين الجديد والفاشي على مقاليد الحكم في إسرائيل، هو حل سياسي في سياق سيرورة الاستعمار الكولونيالي في فلسطين، وبالتالي فإنها، إذا نجحت فإنها تدعو إلى إدامة الوضع الاستعماري والكولونيالي في فلسطين وإدامة مشروع التفوق العرقي اليهودي الإسرائيلي في فلسطين التاريخية مباشرة داخل مناطق الـ48، ومن خلال وكيل فلسطيني في باقي أجزاء فلسطين. وهذا طبعا سيكون وصفة لاستمرار الصراع واستمرار المشروع الاستعماري الكولونيالي ومشروع الأبرتهايد والتفوق العرقي في فلسطين، وعمليا سيكون قبولا فلسطينيا بوضعية “المحمية الاستعمارية”.

والمطلوب حاليا، وخصوصا في ظل استمرار جرائم الحرب الإسرائيلية والتطهير العرقي، هو تغيير جذري في تصورات المستقبل وفي الطريق إلى ذلك. المطلوب مشروع فلسطيني وعربي ودولي وحتى بمشاركة إسرائيليين معادين للصهيونية، لإزالة نظام الأبرتهايد وإنهاء حالة الاستعمار الكولونيالي في فلسطين.

أ.ف.بنازحون فلسطينيون يحملون أمتعتهم في أحد شوارع مدينة خان يونس جنوب قطاع غزة في 6 مارس/آذار 2024

المطلوب مشروع استراتيجي يتخيل فلسطين ديمقراطية وإنسانية ومحررة من التفوق العرقي والأبرتهايد ومبنية على المواطنة المتساوية للفلسطينيين ولليهود ولمن يريد أن يعيش معهم. الاسترشاد بحالة مثل جنوب أفريقيا قد يكون مهما، لكننا يجب أن نبني مشروعنا هذا لكي نجنب الفلسطينيين والإسرائيليين أهوالا مماثلة لما يجري في غزة في المستقبل، وليس من خلال استدامة الوضع الحالي عبر دويلة فلسطينية في سياق تدابير استعمارية كولونيالية تحافظ على المبنى الفوقي الحالي، بل يجب أن تكون مبنية على رفضه، حتى لو طال وقت الوصول إليه، لأنه ببساطة بغير ذلك فكأننا نعطي “مريض السرطان حبة إسبرين”، لكن نعفي أنفسنا من مواجهة جدية مع الوضع الحقيقي وإمكانيات مواجهته.

أدرك حجم الدمار والعداء الحالي لفكرة العيش في دولة واحدة ونظام يتبنى القيم الإنسانية والديمقراطية الجوهرية، لكن الانكفاء لحل مبني على إدامة التفوق العرقي اليهودي في جزء من فلسطين، أو فيها كلها، هو تماما ما سيقود لتفاقم العداء ولموجات مستقبلية من العمليات الانتقامية وتنفيذ جرائم بحق الناس، وخصوصا ضد الفلسطينيين بصفتهم الجهة الضعيفة والمستهدفة أصلا.

إن النضال لإلغاء التفوق العرقي والأبرتهايد والانطلاق إلى “ما بعد الاستعمار الكولونيالي” هو الحل الوحيد، حتى لو تطلب ذلك الكثير من الجهد والوقت. جوهريا لا يوجد حل آخر يستطيع تجنيب الشعبين أهوالا مشابهة لغزة اليوم.

عن المجلة

اشترك معنا في قناة تلغرام: اضغط للاشتراك

حمل تطبيق الملتقى الفلسطيني على آندرويد: اضغط للتحميل

Author: أسعد غانم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *