درس القدس: الشعب هو القوة التي تقلب المعادلات


اشترك معنا في قناة تلغرام: اضغط للاشتراك حمل تطبيق الملتقى الفلسطيني على آندرويد: اضغط للتحميل

الدرس الأول والاهم والاعمق لنا جمعيا من انتفاضة القدس هو ان الشعب هو القوة الحقيقية التي تستطيع ان تقلب المعادلات، وان امضى الأسلحة هو سلاح الإرادة والوحدة والعناد. والخطيئة الكبرى، بل والجريمة، التي وقعت في العقدين الماضيين على الاقل تمثلت في اخراج الشعب وثورته وناسه وطاقته المختزنة الهائلة من معادلة الصراع. إسرائيل التي تسبح على بحر من الأسلحة الامريكية الأكثر تفوقا في العالم قد تهزم اية قوة عسكرية تقليدية تواجهها، وهذا كان ديدن الاستعمار القديم والحديث في فرض سيطرته، أي الاعتماد على جبروت القوة العسكرية الضخمة. لكن كل تلك الأسلحة لا تستطيع ان تهزم الإرادة الشعبية عندما تتحد وتنزل الى الشارع. هكذا أصلا انتصرت ثورات العالم الثالث وهكذا أصلا هزمت قوى استعمارية عديدة وطال امد بطشها.

نفق أوسلو الطويل والمظلم دمر الطاقة الثورية عند الشعب واخضعه لعملية تدجين طويلة المدى انتجت جيلا كاملا، على مدى ثلاثين سنة، لا يعرف معنى الثورة ولا المشاركة في عمل شعبي ضد الاحتلال، الا فيما هو اقل من الحد الادنى. أوسلو خلقت سلطة بوليسية من الشعب الواقع تحت الاحتلال ونصبتها حاجزاً بين الشعب نفسه والقوة الاحتلالية الاصلية. هنا بالضبط تكمن عبقرية أوسلو من وجهة نظر إسرائيلية امنية واستراتيجية. فلسطينيا، وُظفت مسوغات واطروحات قالت ان هذه السلطة مؤقتة وانها الطريق الاجباري للتحرير وبناء الدولة. كانت هذه مسوغات قوية ولا يمكن التقليل من قوتها خاصة في بدايات المشروع، لكن النتيجة المأساوية تمثلت في تنفيس الحس المقاومي عند الناس بالتدريج. توازى مع ذلك بروز “الاحتكار المزدوج”: احتكار السياسة من قبل السلطة في رام الله، واحتكار المقاومة من قبل تنظيمات المقاومة في قطاع غزة. احتكار السياسة كان نتيجة طبيعية لمسار المفاوضات الطويلة وهو المسار الذي سيطر على السياسة واحتكر التسيس الفلسطيني على مدار سنوات. في هذا المسار لا يستطيع الشعب ان يشارك او حتى ان يبدي رأياً، فالأمر منوط بالمفاوضين سواء فاوضوا ام استنكفوا. أيا ما كان الامر فقد أدت السنوات الطويلة العجاف الى تحييد الشعب سياسيا ودفعه الى اللامبالاة والحياد السلبي، وانخرط الناس في يوميات حياتهم. احتكار المقاومة في المقابل تمثل في ان فضاءها تم احتلاله من قبل المقاومة العسكرية، على تفاوت ممارستها زمنا ومكاناً. هذه المقاومة اخذت شكلاً يصعب على الناس العاديين المشاركة فيه تمثل في استخدام السلاح والعمليات الاستشهادية واطلاق الصواريخ. بطبيعة الحال استخدمت واحتكرت هذه الوسائل من قبل التنظيمات القادرة عليها، لكن المحصلة كانت خروج الشعب ايضا من معادلة المقاومة اليومية ومواجهة الاحتلال.

عملياً، فشل مشروع احتكار السياسة وجوهره المفاوضات، كما تبنته سلطة رام الله، كما لم ينجح مشروع المقاومة العسكرية كما تبنته تنظيمات المقاومة في قطاع غزة، مع التوكيد على فروقات كبيرة وهامة في المشروعين. لكن ما هو في غاية الأهمية في اللحظة المقدسية الراهنة هو كشفها عن الدور المركزي للحركة الشعبية التي تُنجز بفورانها العفوي والثوري على الأرض ما لا وما لم تستطع إنجازه السياسة المُحتكرة ولا المقاومة المُحتكرة. ليس القصد هنا التوقف عند إدانة مسار هنا او هناك، بل التأمل العميق في درس القدس ودعوة القوى المسيطرة على القرار الفلسطيني للعودة الى الشعب الذي يمثل الرأسمال الوطني والنضالي الذي لا ينضب.

لن يخدمنا التشاكي امام بوابات الأمم المتحدة العاجزة ولا الاتحاد الأوروبي المنافق (على أهمية وضرورة النضال على هذه الجبهات من دون تردد)، لكن ما يخدمنا هو تغيير المعادلات على الأرض وعبر الورقة الوحيدة التي نمكلها وهي الأقوى من كل الأوراق: الشعب الصامد على الأرض. عندما يتحرك الشعب لا يربك اجندات الاحتلال ومستوطنيه ومجرميه وحسب، بل يدفع كل العالم كي ينصت الى نضالات افراده ويعترف بوقائع جديدة. بدل ان تواصل الرسمية الفلسطينية ممارسة دبلوماسية التباكي امام المسؤولين الغربيين وتطالبهم بتدخل لن يحدث، عليها العودة الى ورقة القوة الأكثر فاعلية وهي الشعب نفسه. انتفاضة القدس يجب ان تتوسع وتتجه نحو كل المستوطنات السرطانية التي التهمت الأرض الفلسطينية، وثمة تجارب صغيرة ناجحة تعطينا نماذج يمكن البناء عليهما مثل التضامن الشعبي ضد إزالة بيوت الخان الأحمر.

كل القوى الكبرى ذات الجيوش الجرارة والإمكانات العسكرية والاستخباراتية الهائلة لم تستطع هزيمة الشعوب، حتى لو هزمت منافسيها من الجيوش. أي استراتيجية فلسطينية سياسية او مقاومية او جامعة بين الامرين يجب ان تقوم منهجيا على استنهاض المقاومة الشعبية واحتضانها ودعمها والبحث الدائم في كيفية الإبقاء على شعلتها. الشعب هو مركز الثقل وهو السد المنيع في وجه أي غطرسة واي استعمار.

اللوحة للفنان سليمان منصور

اشترك معنا في قناة تلغرام: اضغط للاشتراك

حمل تطبيق الملتقى الفلسطيني على آندرويد: اضغط للتحميل

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *