خطوة الإمارات بالتصالح مع إسرائيل…الأسباب والدوافع…

دفع الاعلان عن اتفاق بين الامارات العربية المتحدة واسرائيل الى موجة كبيرة من التحليلات التي تنوعت في مجال اهتمامها، اختار البعض التركيز على محاولة فهم الدوافع التي ادت لهذا التغيير الاستراتيجي في موقف الامارات. التحليلات التي كتبت في هذا السياق قد قدمت بعض التفسيرات لسلوك الامارات، الا ان هذه التفسيرات لم تصل برأيي الى تعليل يكفي لفهم هذا التغيير في مواقف الامارات. ركزت التفسيرات التي وردت حتى الان على القول بان الامارات فتشت عن مصالحها التجارية والاقتصادية في علاقة مع اسرائيل التي تعتبر قصة نجاح في مجالات اساسية مهمة، مثل الهاي تيك، والطب وتحلية المياه والزراعة، وحتى المنتجات العسكرية، وقد قدم هذا التحليل مثلا من قبل يوسف العتيبي – السفير الاماراتي في واشنطن، في مقال خص به جريدة “يديعوت احرونوت” الاسرائيلية (21\8\2020). بينما قدم البعض تحليلات تنطلق من التقاء مصالح استراتيجية على مستوى المنطقة، تقول بان الامارات واسرائيل تلتقيان في كونهما مهددتين من القوة المتعاظمة لإيران، والتي تهدد الخليج واسرائيل بشكل استراتيجي وتنتهج افتعال الازمات او حتى التهديد المباشر لجملة من الدول بينها الامارات واسرائيل، بينما ذهب البعض الى ان كبح جماح اردوغان وتركيا هي كذلك مهمة مشتركة لإسرائيل وللإمارات. وقد اعطى د. شفيق الغبرا مثلا لهذا التوجه في مقاله المنشور في القدس العربي (19\8\2020).

بعد الزيارة العلنية الاولى، في رحلة مباشرة بين تل ابيب وابو ظبي، والتي تمت بمشاركة وفد امريكي-اسرائيلي مشترك، أكد رئيسا الوفد، كل من منظوره هذين التوجهين في فهم خطوة الامارات في التصالح مع اسرائيل. اذ أكد رئيس الوفد الامريكي جيرارد كوشنير، مستشار الرئيس الامريكي ونسيبه، الفكرة التي تقول بان الاتفاق هو جزء من الاصطفاف ضد المطامع الايرانية والمخاطر النابعة عن ذلك، بينما أكد مئير بن شابات، رئيس مجلس الامن القومي الاسرائيلي، فكرة ان الاتفاق ينبع من التقاء مصالح تجارية واقتصادية، وان الدولتين سوف تستفيدان من ذلك.  وهي نفس الفكرة التي اكدها نتنياهو في سياق حديثه عن اتفاق السلام مع الامارات بقوله “هذا السلام سيكون دافئا، لأنه يرتكز على قاعدة التعاون الاقتصادي” (هآرتس 1\9\2020)

قد تكون التحليلات أعلاه بالنسبة لتفسير “المصالح المشتركة” أو\وتفسير “العدو المشترك” في ظل توسيع رؤية الامارات لنفسها ولدورها في المنطقة، صحيحة جزئيا، ولا تناقض جوهر التغيير الذي حصل في الامارات –وغيرها في العالم العربي- لكنها لا تعطي برأيي تفسيرا كافيا ومقنعا لما جرى من تغيير جذري في موقف الامارات مع المصالحة مع اسرائيل، او من قضايا اخرى في المنطقة العربية. هذه التفسيرات تتوقف عند مستوى “المصالح المشتركة” او “العدو المشترك”، لكن الامر يتعلق في تطور أعمق وأكثر شمولية، ويتعلق في فهم الامارات لنفسها كدولة وطنية.

نحو تفسير شامل لموقف الامارات تجاه المصالحة مع اسرائيل- الدولة الوطنية المشوهة

موقف الامارات من المصالحة مع اسرائيل هو خطوة في إطار خطوات بادرت اليها الامارات في العقدين الاخيرين، من خلالها اكدت بان لها دورا كبيرا على مستوى المنطقة، وهذا الدور هو مستقل وينبع مما تراه ملائما لدورها ولتطلعاتها. اي ان الامارات العربية المتحدة التي اقيمت على اساس اتفاق توافقي بين رؤساء قبائل وشيوخ واستقلت عن بريطانيا قبل حوالي نصف قرن، اصبحت ترى بنفسها دولة طبيعية/ تنحو نحو الدولة القومية، وتفتش عن “مصالحها الوطنية” المتعلقة ببقاء الدولة والنظام ورؤسائه، وتحقيق مصالحها الاقتصادية وتبوئها مكانة مرموقة في المنظومة الاقليمية والعالمية، وبذلك فإنها من خلال بناء تحالفات تراها مناسبة تعزز كونها “دولة طبيعية” ذات مصالح على مستوى المنطقة وتتخذ اجراءات عينية في سبيل ذلك، بنفسها وليس من خلال وكيل ثالث. وهكذا ممكن ان نفهم التحالفات التي قامت بها، والحروب، وعداء حركة الاخوان المسلمين على مستوى العالم العربي، كما لعدائها لثورات الربيع العربي، التي لو نجحت، لكان نظام الامارات احدى ضحاياها.

هذ التطور الجذري في فهم الامارات لنفسها له علاقة بتطورات جدية على صعيدين. الاول خارجي ويتمثل في تراجع الايديولوجيات الكبرى وضمور تأثيرها، وأعني أولا تراجع مشروع القومية العربية، ومشروع الاسلام السياسي الشمولي. والثاني داخلي ويعني بازدياد جدي في قوة الدولة وتأثيرها في الحيز العام تجاه مواطنيها ورعاياها وللأمر علاقة وثيقة بالقدرات الاقتصادية للدولة ولقدرتها على توفير مركبات الامن الشخصي الرئيسية لمواطنيها.

من ناحية ثانية تطور الدولة الوطنية العربية اجمالا والامارات تحديدا، هو مشوه جدا، وبعيد عن الدولة الوطنية الحديثة. فالدولة الوطنية في العالم العربي تنسخ أشكال الحياة في العصور الوسطى الى انماط حديثة تميز الدولة الحديثة، في القرن الواحد والعشرين. اجمالا في الدولة العربية الوطنية لا يوجد هناك تقليد لانتخاب الحاكم والحكومة والبرلمان، ورغم ان بعض الدول قبلت الاجراء على ضوء ضغط غربي لهم بهذا الاتجاه، الا ان المضمون بقي تحت سيطرت الحاكم وجهاز القمع في الدولة. اليوم، معظم الدول العربية تجري انتخابات، ولكن هناك فرق أساسي بين النظم الملكية، حيث الملك هو السلطة العليا والانتخابات تختار من هم تحته في سلم السلطة، بدون المس بمكانته وبين بعض الحالات الجمهورية التي قد تصل رئيس الدولة او الحاكم. بالإضافة إلى ذلك، أدى عدم وجود تقليد ديمقراطي في الانتخابات إلى تجاوزات خطيرة بالفساد وتزييف الانتخابات في جميع البلدان تقريبا.

الامارات- من ائتلاف القبائل الى الدولة الوطنية\القطرية “القوية-التابعة”

اعتمدت الامارات لسنوات طويلة على التجارة وصيد السمك واستخراج اللؤلؤ وبعض الزراعة، الى انها وخلال نصف القرن منذ استقلالها احدثت انقلابا جذريا في مبنى الاقتصاد ومصادر قوته، واعتمدت اكثر فاكثر على تصدير النفط والغاز وتنوعت في مصادر دخل اضافية تتعلق بالتجارة العالمية وبالخدمات والتي سبقت النفط في كونها مصدرا للدخل القومي ووصلت الى حوالي 70% من الدخل القومي للإمارات وصولا الى انجازات مرموقة عالميا في قوة اقتصادها ومتانته، مما حولها الى دولة تتبوأ مراكز متقدمة عالميا في مقاييس الدخل الوطني والفردي لمواطنيها.

أدت السياسات المالية والاقتصادية الرئيسية إلى تحسين قدرة الامارات على التعامل مع التحديات الاقتصادية العالمية، فضلاً عن قدرتها على الحفاظ على الاستقرار المالي والنقدي والحفاظ على النمو. ويشمل ذلك المزيد من مقدمات السياسات والإصلاحات الهيكلية لتعزيز بيئة الأعمال التجارية، وزيادة الوصول إلى الائتمان، وتحديث سوق العمل، وتشجيع الاستثمار الأجنبي والمنافسة، واساس الانواع الاقتصادية التي لا تعتمد على النفط والغاز، بل اساسا على تطوير حقول المعرفة الدقيقة كالهايتك والصناعات الدقيقة.

تمثلت هذه الزيادة في قوتها كدولة وطنية في اتخاذ اجراءات وخطوات على مستوى المنطقة، بدت جسورة جدا، لكنها تقررت على خلفية هذا الشعور بان الامارات دولة وطنية، لها عوامل قوة تؤهلها لتلعب دورا بصفتها دولة وطنية لها مصالحها الخاصة، وليست ائتلاف مشايخ وقبائل. ومن بين هذه الخطوات، على سبيل المثال لا الحصر، اقامة ائتلاف الممالك للتصدي للربيع العربي قبل عدة سنوات، الانضمام لحصار قطر، الخوض في حرب صعبة ضد الحوثيين في اليمن، تبني سياسات خارجية تلائم ما تعتبرها مصالحها الخاصة تجاه السعودية، ايرن، تركيا ومصر، وصولا الى مصالحة وعلاقات مع اسرائيل ولسنوات الى حين خروجها للعلن خلال اغسطس 2020.

لكن تفسير الدولة الوطنية لا يكفي بمفرده، اذ ان الامارات وللحفاظ على انجازاتها الوطنية، ولأنها تعتقد بانها لا تستطيع ان تواجه لوحدها تحديات خارجية ايرانية وغيرها، واخرى داخلية قد تتطور في سبيل الديمقراطية، فقد طورت تبعية او على الاقل تعلق بقوى خارجية، على رأسها الولايات المتحدة والسعودية واسرائيل. اي ان الدولة الوطنية لم تستطع ان تتخلص من التعلق بالآخرين، فالحفاظ على مصالحها الوطنية يتطلب بالضرورة تبعية، تبدو متناقضة مع استقلالية الدولة الوطنية، ولكن جوهريا هذا التعلق او التبعية، يخدم المصالح الوطنية كما حددها قادة الامارات او النظام الحاكم، والذين لم يفرقوا بين بقاء الدولة ككيان سياسي وبقاء النظام كمجموعة انظمة واستمرار حكم العائلة والقبيلة وحتى الامير والشيخ نفسه، فكلهم رزمة واحدة متساوية في ثقلها كجزء من “المصلحة الوطنية”.

اتت خطوة الامارات بإقامة علاقة مع اسرائيل في سياق تعزيز الدولة الوطنية وتفتيشها عما تراه مصلحتها الوطنية الخاصة، والتي قد تكون حقيقية او متخيلة، وقد تكون التفسيرات الدارجة جزءا من حساباتها الخاصة، واعني التفسير المتعلق بإقامة تحالف يواجه ايران وتركيا او تفسير المصالح المشتركة، جزءا مما تراه قيادة الامارات كمصلحة اماراتية وطنية تساهم في تدعيم وجود الدولة ونظامها وحتى قياداتها في راس الدولة، لكنها تقوم بذلك كتطور يؤكد ثقتها بنفسها كدولة وطنية ذات سيادة، تفتش عن مصالحها بمنطق الدولة الوطنية المعروفة عالميا، وليس بمنطق التضامن والتعاطف والاخوة التي لا زال يردده الكثيرون.

المصلحة الوطنية في الامارات تتشكل من الحفاظ على الدولة والنظام وشخوص قيادات الدولة وعائلاتهم وشخوصهم عينيا وكلها مركبات متساوية كجزء من المصلحة الوطنية العليا، وما يقرره هؤلاء من انه مصلحة عليا تساهم في تعزيز القيم المذكورة من جهة، لكنها تتطلب ثمنا يعزز التبعية لقوى عالمية أو إقليمية أكثر تأثيرا. فالتحالف مع السعودية أو ضد إيران هو في سبيل ذلك، وانتهاج سياسات اقتصادية وتحقيق مردودات كبيرة هو في نفس الاتجاه، والمصالحة مع اسرائيل هي كذلك، تخدم ما تعتقد قيادة الامارات كمصلحتها الوطنية، تتقرب من خلالها للولايات المتحدة، وتبني حلفا ضد ما تعتبره “التهديد الايراني” وتقوم بتوسيع علني وجدي لمبادلاتها التجارية، في الحيز المدني والعسكري معا.. لكن كل ذلك ينطلق من تعميق جدي لفكرة كون الامارات ترى نفسها دولة قطرية\وطنية مستقلة أكثر من الماضي من جهة، لكن ذلك لا ينفي التبعية لقوى تساعدها في تحقيق مصالحها من جهة اخرى. فالإمارات الآن متماسكة أكثر من الماضي ولها مصالحها الخاصة، التي تختلف مع منطق “قضية العرب الاولى” بالنسبة للقضية الفلسطينية، وهي بالتأكيد لن تتنازل عن خطاب دعم الفلسطينيين، لكنها بالتأكيد ستتخذ نهجا أكثر انحيازا لما تراه مصلحتها الوطنية وستنحو باتجاه تحقيقه اولا، حتى وان كان على حساب الفلسطينيين او اية قضية عربية اخرى، وخصوصا ان الدول الضامنة لمصالحها تطلب ثمنا لذلك، قد يبدو متناقضا مع تفسير استقلالية القرار، لكنه جوهري يتسق مع هذا التوجه ولا يناقضه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *