خطة غزة: حين يُستعمل السلام غطاءً للاحتلال… ما الذي تتطلبه خريطة طريق حقيقية؟


في دير البلح، أخبرتني أمّ أن ابنها بات يعدّ الثواني بين الانفجارات. بالنسبة لها، السياسة ليست نقاشاً أو سجالاً على الشاشات، بل هي سؤال بسيط ومصيري: هل ستصل الشاحنات اليوم؟ وهل سيمرّ الليل بهدوء؟ خطة دونالد ترامب المكوّنة من عشرين بنداً تعد بوقفٍ لإطلاق النار، وعودة الأسرى، وانسحابٍ إسرائيلي، ثم إعادة إعمار. تبدو متكاملة في ظاهرها، لكنها ليست كذلك. فمن دون آليات تنفيذ ملزمة، وخرائط واضحة، وجداول زمنية محددة، وآليات تحقق مرحلية، وملكية محلية حقيقية، فإن الخطة تخاطر بأن تتحول إلى عرضٍ مؤقت لا إلى سلامٍ مستدام.
على الورق، تجمع الخطة بين عناصر مألوفة: وقف إطلاق نارٍ مرتبطٍ بإطلاق الأسرى، وانسحابٍ مشروطٍ بنزع السلاح، وجهدٍ دوليٍّ متعدد الأطراف لحماية جهود إعادة الإعمار. وإذا أُحسن استخدام هذه الأدوات، فقد تمنح المدنيين فرصة لالتقاط أنفاسهم: تبادلٌ مرحليٌّ يربط إطلاق الأسرى ببدء فترات الهدوء ويوسّع ممرات المساعدات مع كل خطوة يتم التحقق منها، وحضورٌ إقليميٌّ مفوَّض بشكلٍ واضح يبقي المقاتلين بعيدين عن العائلات، ويحمي القوافل، ويؤمّن مواقع إعادة الإعمار حتى تعمل المستشفيات والمدارس وشبكات المياه. أدوات متواضعة، لا سحرية، لكنها تنقذ الأرواح إن وُضعت في ترتيبٍ صحيحٍ ومتدرج. لكن التصميم ينهار حين تفشل الاتفاقات عادة:
أولاً، تتعامل الخطة مع نزع السلاح كأنه استسلام، إذ تطالب جهةً مسلّحة بالتخلي عن أوراق قوتها، قبل أن تتوافر ضمانات سياسية وأمنية ذات مصداقية. التسويات الدائمة لا تبدأ بقفزة إيمانٍ في فراغ.
ثانياً، لغة الانسحاب غامضة. فإذا جاء الانسحاب، مصحوباً باستمرار السيطرة على المحيط أو المجال الجوي أو المعابر، أو الاستثناءات الأمنية، فسيفهمه السكان على أنه احتلالٌ بثوبٍ جديد. وتشير تحليلات مستقلة، إلى أن النص يفتقر إلى جداول زمنيةٍ دقيقة وتفاصيل تشغيليةٍ تتجاوز المرحلة الأولى.
ثالثاً، يعتمد التنفيذ على التصريحات أكثر من الآليات، فمن دون تحديدٍ واضحٍ لمسؤوليات الضامنين، وآليات جزاءاتٍ قابلةٍ للتفعيل، ولوجستياتٍ جاهزةٍ مسبقاً، تتحول الوعود إلى بياناتٍ صحافية. وتشير التقارير حول الدور المحتمل للسلطة الفلسطينية إلى أن الشروط المسبقة وتسلسل الخطوات يمكن أن يعرقلا التنفيذ برمّته.
يجب ألا يتم نزع السلاح في فراغ، أو بوسائل قسرية، بل ينبغي أن يكون تدريجيا، مشروطا، وقابلا للعكس، ومقترنا باتفاق سياسي انتقالي يضمن المشاركة نحو تمثيل شرعي حقيقي
وهناك غيابٌ سياسيٌّ أعمق، فالصفقة لا تحقق ما يطمح إليه الفلسطينيون حقاً: تقرير مصيرهم وامتلاك صوتٍ في مستقبلهم. فبعد الاعترافات المتكررة بدولة فلسطين، يجعل طرح حلٍّ لغزة فقط، مع تهميش الحقوق السياسية، تلك الاعترافات شكليةً لا جوهرية. كما أن بقاء المؤسسات الإسرائيلية قادرةً فعلياً على تعطيل الخطوات الجوهرية، يجعل المشهد يبدو كأنه «أوسلو» من جديد: عملية بلا توازن قوى.
هكذا تتحول الترتيبات المؤقتة إلى حالةٍ دائمة من اللاحسم، اعتمادٍ على الإرادة السياسية بدلاً من أدوات التنفيذ، وإبقاء ميزان القوة غير متكافئ، وتحقيقٍ بلا عواقب. وتشير تحليلات الخطة الحالية إلى أن القادة قد يحوّلون التردد إلى حقٍّ فعلي في النقض. إذا كان ترامب جاداً في السعي إلى السلام، فعليه أن يدرج القدس والضفة الغربية ضمن الخطة، لا أن يؤجلهما إلى جولةٍ لاحقة. لكن الوقائع الميدانية تسير في الاتجاه المعاكس. فقد أكّد مجلس الأمن الدولي، أن المستوطنات غير قانونية وتشكل انتهاكاً للقانون الدولي، ووثّق مكتب الأمم المتحدة الإنساني انتشار عنف المستوطنين وقيود الحركة التي تفسد حياة الفلسطينيين اليومية وتنسف أي أفقٍ للتفاوض. كما تشير وسائل إعلامٍ ومنظماتٌ إسرائيليةٌ مستقلة إلى تسارع وتيرة الضمّ الفعلي. خطة تتجاهل هذا الواقع لن تنتج الأمن الذي تعد به.
ولست أقول ذلك كمراقبٍ من بعيد. فعلى مدى ثلاثة عقود، ومنذ عام 1994 وحتى 2012 تحديداً، عملت في إسرائيل والأراضي الفلسطينية، أدير حواراتٍ وأصمّم إجراءاتٍ لبناء الثقة، وأسعى لتحويل الاتفاقات الهشّة إلى واقعٍ ملموس. جئت إلى أوسلو مؤمناً بأن بنيتها المرحلية يمكن إنقاذها، لكن التجربة علّمتني لماذا فشلت غالباً: المرحلة من دون تنفيذ تتصلّب، وعدم التوازن يستدعي المخرّبين، والمبادرات المفروضة من الخارج، التي تهمّش الأصوات المحلية تخلق المظالم التي يتغذى منها العنف. تلك ليست مراثي، بل دروسٌ في العمل الميداني.
فكيف تبدو الخطة التي «تتصرّف كسلام»؟ تبدأ بتسلسلٍ مدروسٍ قابلٍ للتحقق. حوّل فكرة «الأسرى مقابل الهدنة» إلى سلّمٍ مرحليٍّ بمؤشراتٍ موضوعيةٍ واضحة:
المرحلة صفر: هدنة إنسانية لمدة 72 ساعة، وإطلاق سراح الفئات الأكثر ضعفاً، يتم التحقق منها بشكلٍ مستقل.
المرحلة الأول: إطلاق سراح إضافي للأسرى وفتح ممرات إغاثة دائمة.
المرحلة الثانية: سحب الآليات العسكرية من المربعات المرسومة على الخرائط بنظام GPS، ونقل المهام البلدية إلى إدارات مدنية محايدة.
المرحلة الثالثة: تنفيذ مشاريع تجريبية لنزع السلاح على المستوى المحلي، بالتوازي مع تدريب وحدات شرطة مجتمعية.
المرحلة الرابعة: نزع سلاح أوسع نطاقاً، مرتبط بمعايير سياسية واضحة.
يجب نشر مؤشرات كل مرحلة بشكل علني، بما في ذلك أسماء المفرج عنهم، والإحداثيات التي تم الانسحاب منها، وكميات المساعدات التي وصلت، والأسلحة التي تم تسليمها والتحقق منها، وعدد أفراد الشرطة الذين تلقوا التدريب. توضع هذه البيانات على لوحة متابعة عامة، حتى يعمل الضامنون بناءً على الحقائق لا على الروايات.
بعد ذلك، يجب استبدال التصفيق بالالتزامات الموثقة. على الدول الإقليمية والجهات المانحة الكبرى توقيع معاهدة ضمان مختصرة، مرفقة بملحقات تحدد بدقة من يفعل ماذا ومتى، عند حدوث أي خرق: نشر الدعم اللوجستي خلال 48 ساعة، إطلاق أو تجميد الأموال المودعة في حسابات الضمان، فرض عقوبات متناسبة، أو تفعيل قوة استجابة سريعة بقيادة مشتركة. يضاف إلى ذلك سُلَّم تصعيد تدريجي، وبند لتسوية النزاعات، وأمانة صغيرة للضامنين تتابع الاستعدادات بشكل يومي. كما ينبغي ربط التمويل بنتائج التحقق، بحيث تصبح الحوافز فورية وقابلة للعكس. توجد بالفعل دراسات سياسية موثقة تحدد تسلسل هذه الخطوات وخيارات الحوكمة؛ ويمكن استخدامها لصياغة البنية القانونية الملائمة. بعدها، يجب منح المراقبة سلطة حقيقية وفعالة. يُنشأ لذلك جهاز التحقق والاستجابة السريعة (VRRA) الذي يقوم على ثلاثة أركان:
وحدة التحقق الفني (تشمل الاستشعار عن بُعد، التحليل الجنائي، وسلسلة توثيق الأدلة).
شبكة المراقبين المدنيين (تضم منسقين محليين وروابط مع منظمات المجتمع المدني).
جناح الاستجابة السريعة (مزود بوسائل نقل مسبقة التموضع، وإخلاء طبي، ودعم هندسي).
وعندما تصدر الهيئة حزمة أدلة، مثل صور جغرافية محددة الموقع، وبيانات وصفية، ووثائق تسليم رسمية، يجب أن تؤدي تلقائيًا إلى تفعيل رد الضامنين المتفق عليه. المراقبة التي لا تفضي إلى تحرك فعلي ليست سوى عرض مسرحي، وأهل غزة لا يملكون ترف حضور المسرحيات. يجب ألا يتم نزع السلاح في فراغ، أو بوسائل قسرية، بل ينبغي أن يكون تدريجيا، مشروطا، وقابلا للعكس، ومقترنا باتفاق سياسي انتقالي يضمن المشاركة والتمثيل وخريطة طريق واضحة نحو تمثيل شرعي حقيقي. ينبغي تنفيذ برامج نزع السلاح وإعادة الإدماج بالتوازي مع فرص عمل جديدة، وتوظيف في القطاع العام، ومنح صغيرة، ومشاريع إعمار، وإصلاحات شرطية يقودها المجتمع المحلي، بحيث يشعر الناس بالأمان لا بالهجران. وتشير التقارير الميدانية إلى أن ترتيب أدوار السلطة الفلسطينية في الحكم والأمن، سيكون عاملاً حاسما في نجاح التنفيذ أو فشله، وينبغي التعامل معه كعنصر تصميم أساسي لا كمجرد تفصيل إداري. أما إعادة الإعمار، فيجب أن تبنى المؤسسات لا المحسوبيات.
تُنشأ لهذا الغرض هيئة المانحين وإعادة الإعمار (DCRA)، بصندوق مشترك ومجلس إدارة متعدد الأطراف يضم بلديات غزة، وممثلين عن المجتمع المدني في الضفة الغربية، والجهات المانحة، ومدققين مستقلين، وممثلا عن هيئة التحقق (VRRA) . تعتمد هذه الهيئة على أنظمة مشتريات رقمية شفافة، وعقود تُمنح للمحليين أولاً، وموافقة مجتمعية على المشاريع الكبرى، ومدفوعات تُصرف فقط بعد التحقق من التنفيذ الميداني من قِبل VRRAوتُظهر التجارب الخاصة بخطط التمويل العربية الكبرى كيف يمكن للسياسات أن تُفكك الجهود، أما هذا الميثاق فيحافظ على نزاهة الأموال وشفافيتها أمام من خُصصت لخدمتهم.
وأخيرا، الاتساق أو الانهيار: الحل الذي يقتصر على غزة لن يصمد.
يجب ربط مراحل غزة بضمانات موازية في الضفة الغربية، وفرض قيود مؤقتة على التوسع الاستيطاني مرتبطة بمدى الامتثال، وزيادة المراقبة الدولية على الحواجز، ودعم محدد للمجتمعات المتضررة. فالأحداث في إحدى الساحتين سرعان ما تنعكس على الأخرى، وإذا أراد المفاوضون شيئا عمليا ومباشرا للمطالبة به، فهو الآتي:
إعادة صياغة الخطة كبروتوكول مرحلي مع خرائط انسحاب واضحة ولوحة تحقق عامة؛
توقيع معاهدة الضامنين ونشر اللوجستيات والأموال المودعة مسبقا مع تحديد واضح لسُلَّم التصعيد؛
وإنشاء هيئتَي VRRA و DCRA بمواثيق قانونية ومجالس مستقلة وآليات تشغيل تلقائية تضمن أن يقود التحقق إلى فعل ملموس، لا إلى بيانات صحافية.
عائلات غزة لا تحتاج إلى مظاهر الفخامة؛ تحتاج إلى ليل هادئ بلا خوف، وعيادة مضاءة، وجرس مدرسة يُقرع.
يجب أن يكون الاعتراف بفلسطين اعترافًا بالصوت والقدرة، لا مجرد بيانات سياسية جديدة.
خطة تبدو كالسلام لكنها تمارس السيطرة ستخذلهم.
ضعوا القدس والضفة الغربية في صلب الاتفاق.
ابنوا الهيكل: مراحل مدروسة، انسحابات محددة، تحقق مستقل، وإعمار خاضع للمساءلة. عندها فقط يمكن كسب وقت للسياسة، وكرامة للمدنيين، ومستقبل يمكن للفلسطينيين أن يعترفوا به كملكٍ لهم.
كارول دانيال- كسبري: عالمة اجتماع ومديرة مشاركة مسؤولة في برنامج حل النزاعات في مركز كارتر وباحثة في معهد كوينسي للفكر المسؤول في واشنطن
*نُشِر هذا المقال أصلاً باللغة الإنجليزية على موقع Responsible Statecraft
عن القدس العربي