خطة ترامب “لليوم التالي” في غزة: الأهداف، والمواقف، والسيناريوهات المحتملة

تنطلق هذه الورقة من فرضية مفادها أن المقترح المنسوب إلى الرئيس دونالد ترامب يتعامل مع قطاع غزة بصفته مدخلاً لإعادة هندسة النظام الإقليمي في الشرق الأوسط، لا مجرد إطار تقني لإدارة الواقع ما بعد الحرب؛ إذ يقوم جوهر الفكرة على إعادة توزيع مراكز الثقل الإقليمي عبر إضعاف المحور التركي–القطري–”حماس”، الذي يشكل رافعة سياسية واقتصادية لصالح حركة “حماس” ولنفوذ أنقرة والدوحة، في مقابل تعزيز محور دول عربية بقيادة السعودية والإمارات ومصر، ضمن شراكة استراتيجيا وثيقة مع الولايات المتحدة وإسرائيل.
ولخدمة هذا التحول البنيوي، يقترح المشروع الأميركي إنشاء إدارة دولية موقتة في قطاع غزة تشرف على بلورة نموذج حكم فلسطيني بديل عن “حماس”، يتخذ شكل حكومة تكنوقراط تحظى بدعم عربي ودولي. وتترافق هذه الترتيبات مع نشر قوة تثبيت متعددة الجنسيات ذات طابع عسكري–أمني، تشارك فيها دول عربية وإسلامية تحظى بموافقة كل من الولايات المتحدة وإسرائيل، وتتولى قيادتها القيادة المركزية الأميركية (CENTCOM) عبر مركز التقييم في كريات غات (CMCC). وبهذه الصيغة تُبقي واشنطن يدها العليا على عمل هذه القوة عبر القيادة والتحكم العملياتي، مع الإبقاء في الوقت ذاته على قدرة إسرائيل على التأثير في مسار العمليات.
تُناط مهام أساسية بقوة التثبيت فتشمل: فرض الاستقرار الأمني في القطاع، والإشراف على نزع سلاح “حماس” ومنع إعادة التسلّح، وتأمين الحدود، وتهيئة بيئة آمنة تسمح بتنفيذ انسحابات إسرائيلية إضافية من داخل غزة. وتندرج هذه المنظومة في إطار أوسع يُعرف بـ”خطة العشرين نقطة” لترامب، التي تتضمن بين بنودها إنشاء شرطة فلسطينية جديدة بإشراف الولايات المتحدة ومصر والأردن، وصدر قرار من مجلس الأمن يمنح القوة الدولية تفويضاً قانونياً واضحاً لممارسة مهامها في قطاع غزة
من المنظور الأميركي، يُمثل المقترح إطاراً عملياً لإنهاء الحرب في غزة من دون الحاجة إلى تحقيق “نصر كامل” لإسرائيل، وفي الوقت نفسه يشكل فرصة لإرساء منظومة إقليمية جديدة تكون فيها واشنطن الفاعل المركزي والمنسق الرئيسي بين الأطراف العربية والإسرائيلية. ومع ذلك، يشدّد النص على أن نجاح الخطة مرهون بدرجة كبيرة بمدى التزام الرئيس ترامب شخصياً واستعداده لمتابعة تنفيذها بصورة نشيطة ومتواصلة، باعتبارها مبادرة ذات طابع سياسي–استراتيجي أكثر من كونها خطة تنفيذية تفصيلية جاهزة للتطبيق المباشر.
وتحمل الخطة تداعيات واسعة على الصعيدين الميداني والسياسي. فمن جهة، يمكن للمناطق المنزوعة السلاح الخاضعة لإشراف القوة الدولية أن تتحول إلى نموذج حكم بديل ومنافس لسلطة “حماس” في الوعي الشعبي، إذا نجحت في توفير قدر أعلى من الأمن والخدمات والحياة اليومية الطبيعية. ومن شأن نجاح هذا النموذج أن يضعف شرعية “حماس” بالتدريج لصالح تعزيز حضور السلطة الفلسطينية في مناطق محدودة قابلة للتوسع بمرور الوقت. كما يفترض النص أن هذه الترتيبات يمكن أن تتيح بروز قيادة فلسطينية تكنوقراطية أكثر مهنية واستقلالية وأقل فساداً، تضطلع بإدارة القطاع وفق معايير حوكمة أفضل، وبما يرسخ بنية مؤسساتية أكثر استقراراً مقارنة بالواقع القائم تحت حكم الحركة.
على مستوى المواقف، تُظهر “حماس” استعداداً للتجاوب مع بعض عناصر المرحلة الأولى، وخصوصاً فيما يتعلق بوقف إطلاق النار والترتيبات الإنسانية، لكنها ترفض بصورة قاطعة أي مسار يقود إلى نزع سلاحها، أو إقصائها عن الحكم، أو تشكيل حكومة تكنوقراط مستقلة عنها، أو نشر قوة دولية من شأنها تقييد نفوذها وسيطرتها الميدانية. وفي الواقع العملي، تواصل الحركة تعزيز حضورها الأمني في مراكز المدن ومواجهة أي معارضة داخلية، كما توظف ملف جثامين المحتجزين كورقة ضغط في إدارة علاقاتها مع الأطراف الإقليمية والدولية، وهو ما يعكس رغبتها في المحافظة على أوراق تفاوضية قوية.
أمّا الموقف الإسرائيلي فيُقدَّم بصفته قبولاً حذراً ومشروطاً بالمقترح؛ إذ تنظر إسرائيل إلى الخطة كإطار عام مرن وقابل لإعادة التفسير بما يخدم أولوياتها الأمنية، ولا سيما عبر إنشاء منطقة حكم فلسطيني بديلة تقلل الاحتكاك المباشر وتوفِر عمقاً أمنياً لإسرائيل وتُضعف “حماس” بالتدريج. في الوقت ذاته، تتمسك إسرائيل بمجموعة من الخطوط الحمراء الواضحة، منها: رفض أي دور لتركيا أو قطر داخل القوة الدولية المقترحة، ورفض أي صياغة يمكن أن تُفهم بصفتها التزاماً سياسياً نحو إقامة دولة فلسطينية، والتحفّظ على الترتيبات التي يمكن أن تحدّ من حرية العمل العسكري الإسرائيلي أو تُدخل أطرافاً تعتبرها غير موثوقة إلى المنظومة الأمنية. وبذلك، يتبلور الموقف الإسرائيلي كقبول مبدئي لمسار الخطة مع السعي الدائم لتطويعها بما يضمن المحافظة على التفوق الأمني وتجنّب أثمان سياسية غير مرغوبة.
وعلى المستوى الإقليمي الأوسع، يساهم المقترح في تشكيل خريطة التحالفات الإقليمية في اتجاه نموذج يُفترض أن يركّز على الاستقرار والتنمية. أمّا في السياق الفلسطيني الداخلي، فمن المحتمل أن يتيح المقترح فرصة لإعادة تفعيل دور السلطة الفلسطينية ضمن عملية تخضع لإشراف دولي يفرض حزمة من الإصلاحات السياسية والإدارية والاقتصادية، ويدفع في اتجاه تقليص حضور الفصائل المسلّحة. ويُقدَّم هذا الإطار المتدرج قاعدة محتملة لبحث إمكان إقامة دولة فلسطينية مستقبلاً، بشرط توفر البيئة المؤسساتية والأمنية التي يعتبرها المقترح شرطاً لازماً لنجاح هذا المسار.
وهناك أربعة سيناريوهات محتملة لتطور الخطة. يتمثّل السيناريو الأكثر ترجيحاً برأيي، في نجاح جزئي يفضي إلى إنشاء منطقة حكم فلسطيني بديلة في الشريط الواقع بين خان يونس ورفح، تعمل فيه قوة دولية محدودة، وهو ما يؤدي إلى تراجع نفوذ “حماس” من دون القضاء عليها بصورة كاملة. أمّا السيناريو الثاني المعقول، فهو فشل المبادرة وعودة الوضع القائم، مع استمرار تموضع الجيش الإسرائيلي على ما يُعرف بـ”الخط الأصفر” وغياب التحوّل الجوهري في بنية الحكم داخل القطاع. ويفترض السيناريو الثالث، وهو أقل ترجيحاً، تحقيقَ نجاح واسع النطاق يعقبه إضعاف جذري لـ”حماس”، وتوسيع نطاق المناطق الآمنة، وتهيئة انتقال متدرج للسلطة الفلسطينية إلى أجزاء أوسع من القطاع. بينما يتناول السيناريو الرابع احتمال وقوع انهيار داخلي ناجم عن صدام فلسطيني-فلسطيني، يمكن أن يدفع إسرائيل إلى تدخل عسكري أوسع من أجل إعادة ضبط المشهد الأمني وترتيب موازين القوى من جديد.
وتميل إسرائيل إلى سيناريو يتمثل في إنشاء مساحة حكم فلسطينية بديلة في المناطق الخاضعة لسيطرة الجيش الإسرائيلي داخل غزة، تُديرها حكومة تكنوقراط ترتبط مؤسساتياً بالسلطة الفلسطينية وتحظى بدعم إقليمي ودولي.
ترى إسرائيل في أهمية استثمار الخطة قدر الإمكان من دون الظهور بمظهر الجهة التي تعرقل تنفيذها، وتعزيز قنوات التنسيق المباشر مع الرئيس ترامب من أجل ضمان نفوذ أكبر في تحديد مسارات التنفيذ، والتشبث برفض إشراك تركيا أو قطر في أي قوة دولية، نظراً إلى صلتهما بـ”حماس”. وربما توسع “المنطقة الآمنة” بالتدريج وتحويلها إلى نموذج ناجح من حيث الأمن وتوفير الخدمات وعمليات الإعمار، واستخدام هذا النموذج كأداة لإضعاف “حماس” سياسياً واجتماعياً. بالإضافة إلى إمكان الحفاظ على مرونة عملانية عسكرية.
وبالمجمل، يبقى مستقبل خطة ترامب “لليوم التالي” في قطاع غزة غامضاً وهشّاً. فحتى الآن، لم يُنفَّذ من المرحلة الأولى سوى ما يتعلّق بإعادة جميع المحتجزين الأحياء وبعض جثامين القتلى، إلى جانب تطبيق ترتيبات انتشار الجيش الإسرائيلي ضمن محيط أمني موسَّع يُعرف بـ”الخط الأصفر”. وفي المقابل، تواصِل “حماس” ترسيخ سيطرتها في المراكز الحضرية والتعامل بشدة مع أي مظاهر للمعارضة الداخلية، بما يعكس محدودية الأثر الفعلي للمرحلة الأولى من الخطة على الواقع الميداني داخل القطاع.
فادي نحاس: محاضر وباحث أكاديمي في مجال الأمن القومي الإسرائيلي.
عن مؤسسة الدراسات الفلسطينية