خريف البطريرك الفلسطيني

(1)

في خريف حياة البطريرك الفلسطيني وحكمه، تردّت أحوال البلاد والعباد كثيرا: الانقسام بين قطاع غزة والضفة الغربية، ذلك الانقسام الذي حدث في عهده، يتجذّر أكثر وأكثر. العملية السياسية/ التفاوضية مع الطرف الآخر مجمّدة منذ أكثر من عقد. منظمة التحرير الفلسطينية هرمت وتلفظ أنفاسها الأخيرة، والفصيل الأكبر والأهم وزّعه وعد الانتخابات الرئاسية والتشريعية الكاذب بين ثلاث قوائم انتخابية متناحرة. التطبيع بين إسرائيل وأربع دول عربية، اثنتان في الخليج واثنتان في إفريقيا، ينمو ويصلب عوده. السفارة الأميركية انتقلت من مدينة تل أبيب إلى مدينة القدس “الموحدة” بعد أكثر من عشرين سنة من التردّد والتأجيل. حقوق الفلسطينيين، الفردية منها والوطنية، تنتهكها ليل نهار سلطات الاحتلال والمستوطنون في الضفة الغربية. وتشن الحروب المدمرة تباعًا على قطاع غزة المحاصر، جديدها في شهر مايو/ أيار الماضي. وعن الفساد الإداري والمالي فالحديث يطول. .. وهكذا.

وعلى الرغم من خريف حياته وخريف حكمه، وما يقترن به وينساب عنه من الأهوال وتردّي الأحوال، ما زال البطريرك الفلسطيني يمسك بيديه الواهنتين الخيوط الرئيسية كلها: فهو رئيس اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير، وهو رئيس السلطة الوطنية، وهو المشرع في غياب المجلس التشريعي، وهو رئيس الفصيل الأكبر والأهم، وهو من يعيّن القضاة ومديري الهيئات الحكومية ورؤساء الأجهزة الأمنية. باختصار، هو صاحب القول الفصل في الشأن العام والأمن العام والمال العام. ولأن البطريرك يحمل مثل هذه الصلاحيات الواسعة، فهو مسؤول جبرًا، وإن لم يكن المسؤول الوحيد أو الرئيس أحيانًا، عمّا آلت إليه أحوال الفلسطينيين، سواء داخل المناطق المحتلة منذ عام 1967 أو في بلدان اللجوء والشتات. وبصورة خاصة، وبحكم موقعه الخاص، هو المسؤول الأول عن تهميش القضية الوطنية الفلسطينية، إسرائيليًا وعربيًا ودوليًا، جزئيًا على الأقل بسبب إصراره على وسائل وأفعال نضال لا تكلف الاحتلال كثيرًا، مادّية كانت هذه التكاليف أو غير ذلك، اللهم إذا استثنينا الشكوى المقدّمة لمحكمة الجنايات الدولية (يدخل هذا الاستثناء في حساب حسنات البطريرك الفلسطيني).

هرمت منظمة التحرير الفلسطينية وتلفظ أنفاسها الأخيرة، والفصيل الأكبر والأهم منها وزّعه وعد الانتخابات الرئاسية والتشريعية الكاذب بين ثلاث قوائم انتخابية متناحرة

ما العمل؟ .. في الآونة الأخيرة، وعلى خلفية تردّي الأحوال العامة، تتعالى وتتناسل الأصوات التي تنادي برحيل البطريرك الفلسطيني، خصوصا بعد قراره تأجيل الانتخابات الرئاسية والتشريعية الموعودة. تلك الأصوات المتعالية والمتناسلة لا ترمي، كما أفهم وأجزم، إلى استبداله ببطريرك آخر أو برهط من البطاركة. ما ترمي إليه تلك الأصوات، في اعتقادي، هو التأكيد على ضرورة تجديد شرعيات المؤسسات والهيئات التمثيلية الفلسطينية العليا، تلك الشرعيات التي تآكلت وتهاوت عبر الزمن، والتي لا يتم تجديدها إلا بالانتخابات النزيهة والدورية، فعلى مستوى السلطة الوطنية، يتطلب تجديد الشرعية عقد الانتخابات للرئاسة وللمجلس التشريعي وللبلديات والمجالس القروية. أمّا على مستوى منظمة التحرير، فإن تجديد الشرعية يتطلب أساسًا عقد الانتخابات للمجلس الوطني الفلسطيني أينما أمكن ذلك، وذلك بعد أن يتم التوافق على العدد الكلي لأعضائه، كما على توزيع الحصص من الأعضاء على التجمعات الفلسطينية المختلفة، سواء داخل حدود الوطن أو في بلدان اللجوء والشتات. هذا ما يريده وينادي به، كما أفهم وأتعاطف، نساء ورجال فلسطين، الحريصون بدورهم على شرعية التمثيل وعلى استقامة الممثل وكفاءته، كما على تجديد حيوية العمل الوطني والمشروع الوطني.

(2)

مجلس وطني فلسطيني منتخب حسب الأصول هو، في نظر الكاتب، ما يجب المناداة به وتركيز بؤرة الاهتمام عليه تحديدًا. فإضافة إلى اختيار رئيس اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير وأعضائها، فإن المجلس الوطني هو صاحب الاختصاص الأصيل في البتّ في القضايا الوطنية الرئيسة التالية، والتي لم يعد البتّ فيها يحتمل مزيدًا من التأجيل أو الانتظار:

أولًا، اتخاذ القرار(ات) بشأن علاقة الاتصال والانفصال بين السلطة الوطنية ومنظمة التحرير الفلسطينية. بكلمات أخرى، التأكد من الفصل الوظيفي بين السلطة والمنظمة على مستوى الاختصاصات والرؤساء والكوادر والميزانيات، كما على مستوى الأجهزة الأمنية التابعة لكل منهما. إذ لا يعقل استمرار الخلط القائم بينهما على هذه المستويات المختلفة، ذلك الخلط الذي كان من نتائجه الكارثية تهميش المنظمة وتجفيف مواردها البشرية والمالية على حد سواء. جدير ذكره أن الفصل الوظيفي المنشود لا يعني أو ينتج عنه فصل سياسي غير حميد العواقب. وفي هذا الصدد أقول: قد يكون من الضروري نقل مقرّ قيادة المنظمة من رام الله إلى غزة أو إلى موقع آخر خارج حدود الوطن، بدلًا عن بقائها تحت رحمة الاحتلال وعيونه الساهرة.

ثانيًا، اتخاذ القرار(ات) بشأن الرؤية السياسية لحل الصراع الفلسطيني الإسرائيلي. ومثل هذه الرؤية السياسية، بعد إقرارها أو تعديلها، يجب أن تكون ملزمةً لأي طرفٍ فلسطينيٍّ مفاوض أو منفذ، بمعنى أن أي اتفاق مرحلي أو نهائي يتم التوصل إليه بالمفاوضات يحتاج مصادقة المجلس الوطني كي يصبح ملزمًا أو نافذًا.

ثالثًا، التأكد من التزام فصائل المقاومة كلها بتبني أشكال وأفعال نضال ميداني تتسم بالفعالية (أي الكلفة العالية للطرف الآخر) والتوافق مع أحكام القانون الدولي (يحظر استهداف المدنيين، مثلًا)، مع ضرورة أخذ خصوصيات الفلسطينيين النابعة من اختلاف أوضاعهم السياسية/ القانونية بالجدية اللازمة.

رابعًا، اتخاذ القرارات والإجراءات التي تؤكد التزام جميع المؤسسات والهيئات التمثيلية، الرسمية وغير الرسمية، بمبادئ العملية الديمقراطية وقيمها، وفي مقدمتها الانتخابات النزيهة والدورية، استقلال القضاء ونزاهته، واحترام حقوق المواطنين وحرياتهم.

وإذا كان الأمر كذلك، أي إذا كان المجلس الوطني هو صاحب الاختصاص الأصيل للبتّ في القضايا الواردة أعلاه وغيرها، ينتج مباشرة أن لإعادة بناء المجلس على أسس ديمقراطية وتشاركية الأولوية على إعادة بناء بقية المؤسسات الوطنية ديمقراطيًا. والأولوية التي أتحدث عنها هي أولوية الأهمية، وليست الزمنية، أولوية الأهمية المشتقة من أن المجلس الوطني أعلى هيئة تمثيلية للفلسطينيين جميعًا. أضف إلى ذلك، إن الاتفاق على إعادة بناء المجلس الوطني حسب الأصول يزيل عوائق كثيرة تعترض سبيل إجراء الانتخابات الرئاسية والتشريعية والتزام الفرقاء المتخاصمين بنتائجها. كما أن الاتفاق على إعادة بناء المجلس الوطني يذلّل صعابا كثيرة تعترض طريق تجاوز الانقسام البغيض بين شطري الوطن، الضفة الغربية وقطاع غزة. أمًا زمنيًا، فمن الواضح أن الأسبقية أو الأولوية ستكون لانتخابات المجلس التشريعي الفلسطيني ورئاسة السلطة الوطنية. وفي جميع الأحوال، يجب ألا يغيب عن الأذهان أن إعادة بناء المجلس الوطني على أسس ديمقراطية وحدها (على أهميتها الذاتية والأداتية) لا تشرعن السلطة الوطنية، وانتخابات لرئاسة السلطة الوطنية ومجلسها التشريعي وحدها لا تشرعن المنظمة، ولا تجدد، بالتالي، حيوية المشروع الوطني.

ختامًا، في خريف حياته وخريف حكمه، يقف البطريرك الفلسطيني أمام الخيار الصعب، وربما الأصعب: إما أن يرحل طواعية أو أن يعرف كيف يقود عمليتي تجديد شرعية رئيس السلطة الوطنية ومجلسها التشريعي بالانتخابات، وإعادة بناء المجلس الوطني على أسس ديمقراطية وتشاركية، بالانتخابات حيث أمكن ذلك، وبالتوافق حيث تعذّر ذلك. أما التعطيل أو المزيد من التأجيل بذريعة أن إسرائيل ترفض مشاركة المقدسيين في الانتخابات الرئاسية والتشريعية كما كان في السابق، أو بذريعة أن حركة حماس تأبي الاعتراف مسبقًا بقرارات الشرعية الدولية أساسًا لحل الصراع، فلم يعد مقنعًا أو مقبولًا بنظر عقلاء كثيرين. غني عن القول إن المنادين برحيل البطريرك الفلسطيني هذه الأيام قد فقدوا الأمل بقدرته على، أو بصدق رغبته في إنجاز هاتين المهمتين. أمّا عبء إثبات عكس ذلك فيقع مباشرة على كاهل البطريرك والمدافعين عنه. وليكن واضحًا، أخيرا: في غياب الانتخابات الرئاسية والتشريعية، فإن ما يمارس من سلطة، سواء في الضفة الغربية أو في قطاع غزة، يظل خارج نطاق الشرعية وبدون غطائها؛ وفي غياب إعادة بناء المجلس الوطني على أسس ديمقراطية قويمة، فإن ما يتّخذ من قرارات باسم منظمة التحرير يظل خارج نطاق الشرعية وبدون غطائها أيضًا.

ملاحظة: “خريف البطريرك” عنوان رواية للكاتب الكولومبي غابرييل غارسيا ماركيز، والحائز جائزة نوبل في الأدب لعام 1982. صدرت بالإسبانية عام 1975، وترجمت إلى العربية لاحقًا.

عن العربي الجديد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *