خبّيزة غزّة… عبّود وغوستاف دالمان


اشترك معنا في قناة تلغرام: اضغط للاشتراك حمل تطبيق الملتقى الفلسطيني على آندرويد: اضغط للتحميل

تقول سيدةٌ في مدينة غزّة، لمراسل فضائيةٍ عربية، إنها تأكل الدُّقّة (الزعتر) في رمضان، ولم تعُد تجد للسحور مع ولدِها سوى الخبّيزة. وقبل الشهر الكريم، كان الفتى الغزّي، عبّود، الذي يتمثّل نفسه مراسلاً إخبارياً، قد أخبر مستمعيه في مقطع فيديو، “ما ضلّ إشي غير الخبّيزة” في شمال القطاع، وقرّر إنه “لازم لازم” إدخالها التاريخ، لأنها وقفَت، في أثناء الحصار والمجاعة، مع القضية الفلسطينية أكثر من دولٍ كثيرة، على ما قال بعاميّةٍ محبّبةٍ بعيدةٍ عن هذه الفصحى. وقد أدلى بما أفصح عنه عبّود كثيرون ممّن لم ينزحوا إلى الجنوب، فسيدةٌ في جباليا تأسى للحال الذي هم عليه، فلا طبيخَ وليس سوى الخبّيزة، كما قالت. ولكن الأنباء من هناك صارت تأتي على نقصٍ شديدٍ في هذه النبتة البرّية، الغذائية، وعلى غلائها، حتى إن المغنّي الفلسطيني، عادل المشوخي، وهو صاحبُ أغنية (2016) تبتهج بالخبّيزة، صار يُقرَّع في أحاديث الغزّيين بأنه “ظلّ يغنّي لها حتى صار سعرُها ليس سياحياً وحسب، بل خياليّاً”.

لم يكن عبّود يمزح عندما شدّد على “لزوم” أن تدخُل الخبّيزةُ التاريخ، لما قدّمته للغزّيين (تراه أفرط لمّا قال للقضية الفلسطينية؟)، فالذين سيؤرّخون للعدوان المتوحّش على الشعب الفلسطيني في القطاع لن يضنّوا على هذه الأكلة، الشتوية والربيعيّة، الشهيّة، بموضعٍ تستحقّه فيما قد يكتبون عن الحصار والتجويع والتمويت، وهذه تقاريرُ في فضائيّاتٍ عربيةٍ التفتت إلى الفعل الإغاثي والإنساني الذي تؤدّيه الخبّيزة للمحاصَرين هناك، ويموتُ منهم برصاص المعتدي الإسرائيلي وهم يتسقّطون بعضَ طعامٍ تقذف به إليهم إنزالاتٌ جوّية. وفي البال أن تلقّط الخبّيزة من البرّ ليس جُهداً هيّناً في أتون المذبحة، وليس عبّود وحدََه من أخبر بمخاطر الوصول إلى الخبّيزة و”حشّها”، سيّما أنها تكثُر في سهولٍ وأراضٍ متاخمةٍ للحدود مع دولة الاحتلال، فقد جاء على هذا غيرُ متحدّثٍ عن شناعة الأحوال وبؤسِها. ولمّا كانت خُضرة هذه النبتة تضجّ وداعةً، فإن ثمّة من أخبر عمّا تتعرّض له من تسميمٍ بسبب قذائف القصف.

أمّا التاريخ الذي يوصيه عبّود بأن تدخلَ فيه “سيّدة الطناجر”، وهذا من ألقاب الخبّيزة، فإننا نلقى داود الأنطاكي (متوفّى في 1599 في مكّة) قد كتبَ في مصنّفه “تذكرة أولي الألباب”، إن الخبازي اسمٌ لكلّ نباتٍ يدورُ مع الشمس حيث دارَت، ويُطلَق في العُرف الشائع على نبتٍ برّيٍّ مستدير الورق، وتُدرَك في أكتوبر حتى آخر الشتاء”. والمعنى هنا على الأرجح أن الأديب وعالم الطبّ قد جمع أجناساً من النباتات البرّية التي تُؤكل في نوعٍ واحد، على غير ما فصّلَ، وبدرسٍ مذهلٍ حقّاً، الباحث اللاهوتي والمستعرب وعالم الآثار الألماني، غوستاف دالمان، والذي أقام نحو عقدين في القدس (توفّي في 1941)، في موسوعته “العمل والعادات والتقاليد في فلسطين”، والتي انتظرت المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، ليُصدُرِها بالعربية مترجمةً عن الألمانية في مجلّداتها التسعة (2023). ذلك أنه لمّا خصّص المجلّد الثاني للزراعة، بحثَ في 11 نوعاً من نباتات الحقل الفلسطيني، منها 14 صنفاً من “نباتات الحبوب” (القمح والحبوب والأرز… إلخ)، و14 من “البقوليات” (الفول والكرسنّة والحِلبة… إلخ)، و14 من “الخضراوات الدّرنية” (البصل والثوم والبطاطا الحلوة… إلخ)، و17 من “خضراوات التوابل” (الكمّون والكُزبرة والزعتر… إلخ)، لمّا بحَث في هذا كلّه (وغيرِه)، أفرد موضعاً للخبّيزة بين 14 صنفاً من “الخضراوات الورقية” (الملوخيّة والخسّ والجرجير… إلخ)، فكتب إن ارتفاعها في فلسطين يصل إلى 30 – 60 سم. …”وتُقطّع الأوراق وتُطبخ مع السمن والماء، ثم تبهّر بالحامض أو الفلفل”، وفيما يذهب إلى درسٍ لغويٍ بشأنها، يُحاذر دالمان من صناعة تاريخٍ قديمٍ لها في فلسطين.

يرجّح أن الخبّيزة اشتُهرت أولاً في مصر، غير أن حظوةً كبرى أحرزتْها بين الفلسطينيين، فهي “ربيع المعدة” في لقبٍ آخر لها، وثمّة محكياتٌ ونُكاتٌ عن هيئتها ووفْرتها، من قبيل “إذا غاب العكّوب إلعبي يا خبّيزة”، ولها حضورٌ في الشعر الشعبي على طرافةٍ، وهي أكلةٌ شعبيةٌ نصيرةٌ للجميع، سيّما الفقراء. وفي غضون المقتلة في غزّة، ليس الناسُ هناك في مزاج من يتوسّل الخبّيزة للضحك، وعبّود نفسُه، مرّة أخرى، لم يكن يمزَح عندما ألحّ على دخولها التاريخ، وغوستاف دالمان لم يكن ليغفَل عنها وهو يسترسلُ عن أكثر من مائة صنفٍ من نباتات الحقل الفلسطيني.

عن العربي الجديد

اشترك معنا في قناة تلغرام: اضغط للاشتراك

حمل تطبيق الملتقى الفلسطيني على آندرويد: اضغط للتحميل

Author: معن البياري

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *