حين عدتُ

هي  المرة الأولى التي سأزور فيها فلسطين . لذا بدأت مخيلتي تعمل دونما  ضوابط. أخيرا سأتعرف على بلادي وعلى الخال الوحيد الذي بقي على قيد الحياة من بين ثلاثة خالات وخالين ماتوا جميعا قبل أن أتعرف إليهم. أخيرا سأحقق حلم طفولتي في مناداة كلمة خالي حقيقية . تلك الكلمة التي حرمت منها، تماما ،كما حرمت من مناداة خالتي. كنت أحسد أقراني على تمتعهم بدفء وحنان الخالات والأخوال. كنت أتمنى أن تكون لي خالة لأشكو أمي لها عندما كانت تقسو أحيانا، وأتمنى لو تتاح لي الفرصة لأذهب في زيارة هؤلاء الغائبين . أحيانا كنت أذهب إلى أمي محملة بالكثير من الانكسار والقهر الذي يتخذ طابع أسئلة لا تحتمل الإجابات دون الغوص فيما لا يقنع الأطفال ولا تتحملّه مخيلتهم البسيطة : لماذا لا تعطيني خالة أو خال كما كل صديقاتي؟.هل لك أخوة وأخوات حقا أم أنك تكذبين علينا؟ طيب . أين هم الآن ؟ولماذا لا يزورننا ولا نستطيع زيارتهم؟ من يمنعنا من الالتقاء بهم؟ ولماذا لم يرحلوا معك؟ ولماذا رحلت وتركتهم هناك؟.وإذا ما كانوا يحبونك فعلا ،إذا لماذا تركوك ترحلين وحدك دونهم؟

كانت أمي تغص بالأجوبة بدموع تذرفها كل ما أتت على ذكر أهلها. وكانت تحاول تعويضنا عن الغائبين،بالحديث عنهم.وكانت عندما تفعل، أقوم أنا بتشغيل مخيلتي حتى أقصى طاقتها.لا أفوّت كلمة . أجعلها تعيد مجددا بعض المواقف . أرسم الملامح والوجوه بحسب ما أرغب .وأحيانا أستعين بالانطباعات التي أكونها عنهم من أحاديثها لأرسم لهم صور يكتنفها السحر . كانوا جميعا ،حسب ما تقول أمي، كتلة من الحنان والطيبة. “آه لو أني أتعرف إليهم.” كنت غالبا ما أقولها بحسرة معللة النفس بالأمل أن يأتي ذلك اليوم الذي أستطيع فيه الاجتماع بهم. كانت أمي تختتم حديثها عنهم بعبارتها المأثورة ” ان شاء الله يمّا بصير سلام بينا وبين إسرائيل ومنرجع وبتشوفيهم.” إلا أن السلام الذي تمنته أمي لم يحل،بل أن الأقدار قذفت بي إلى لجوء جديد بعيدا عن أخوتي وأخواتي، كأمي تماما، . إلا أنه لجوء (فيرست كلاس)! لأنه أتاح لي الحصول على جنسية ذلك البلد الأوربي الذي لجأت إليه. لجوء أبعد أولادي عن أخوالهم وخالاتهم ،وقربني أنا من مكان الأخوال . عندها فقط، استطعت أن أزور بلادي. تراقصت ذكرياتي واندغمت بما كانت تقصه علي أمي من قصص الأهل. وتمنيت وأنا أركب الطائرة المتوجهة إلى الوطن الذي لم أعرفه يوما، أن تكون أمي إلى جانبي.لقد ماتت دون أن تحقق أمنيتها في رؤيتهم . وتأسفت لأنني لن أستطيع أن أروي لها أهم لقاء في حياتي.

لا بأس من أن أحقق بعضا من آمال الطفولة حتى وإن لم تكن هي معي. .سأحاول استحضارها في لقائي مع الخال.أن أتخيلها تقف إلى جانبي بفرح.

لقد أصابتني هواجس كثيرة قبل سفري. فزوجي حاول إقناعي بتأجيل السفر حتى تنتعش أمورنا المالية. إلا أنني رفضت ،وصممت على السفر دون أدنى تأخير أو تأجيل. كنت قلقة وخائفة . لشد ما كنت أخشاه هو أن يموت الخال المتبقي، قبل أن أراه. هاتفت حنة وبين الجد والمزاح قلتلها:”قولي لخالي بأني “سأزعل” منه كثيرا إذا ما قرر الموت قبل أن أراه “.ضحكت حنة وفي ظنها إنني أمزح ، في حين كنت بيني وبين نفسي، أعني ما أقوله تماما . في الطائرة كنت أدعو في سريرتي أن لا يخذلني القدر . أن يصمدالخال حتى أراه.تخيلت نفسي وأنا احتضنه، أو وأنا استمع منه عن طفولة أمي .تخيلت نفسي معه وهو يريني مرابع طفولته وأمي، أو وأنا ازور معه البيت الذي عاشت فيه العائلة .أحاول أن أعبر له عن مدى شوقي وأخوتي لهم. انتقي الكلمات .احذف وأضيف.نبكي معا ونتذكر معا.. تخيلت كل شيء باستثناء …..!!؟؟

لقد قرب اللقاء وبات على بعد فراسخ قليلة فقط .نديم ابن خالتي، يدوس بسرعة جنونية على البنزين. نظر إليّ من مرآة السيارة ،بمايشبه الشفقة، وقال لي: لا أفضل لك هذا اللقاء.فربما.آلمك…. لا أدري لماذا أحجم نديم وحنة عن قول الحقيقة لي، إلا أنه وفي كل الأحوال فهذا لم يكن ليغير من موقفي شيئا . ها هو، كما تخيلته تماما. خالي…! صحت وأنا اقترب منه بلهفة.، في حين كانت حنة توجه له الكلام بصوت عال : إنها بنت الغالية أختك…….اقتربت كي احتضنه. فوجئت به يدفعني بقوة إلى الخلف ثم : “مين أنت روحي يالله ..انقلعي على بيتكم”. لا أصدق..أحسست وكأن طفولتي كلها تموت فجأة أمامي . لم انتبه بداية إلى ذلك الدم الذي بدأ يسيل من يدي . نبهتني حنة عندما احتضنتني وهي تحاول أن تحبس دموعها . لقدجرحني بأظافره.. قلت لها. “. وقبل أن أهم بالسؤال قاطعتني : لم نشأ أن نعلمك أن ذاكرته قد تدهورت. لقد ظننا أن رؤيته لابنة أخته الغائبة ستشحذ ذاكرته. ولكن…”.

لم أكن قادرة على البكاء ولا حتى استطعت التفوه بأية كلمة. أحسست بوحشة المكان. هل قلت بوحشة الوطن؟ أجل، أحسست بكل ماحولي يصغر إلى حد التلاشي. السماء والصخر والشجر والبيوت. تراءى لي وجه أمي دامعا. نهضت بصعوبة ولم استطع سماع أي من كلمات حنة ونديم المواسية. كنت أرى الأسى في الوجوه وشفاها تتحرك فقط. تحررت من يدي حنه التي كانت لا تزال تحتضنني ونهضت من مكاني. لحقت بي.وضعت يدي على شفتيها وأنا أردد بابتسامة ساخرة. :

لا عليك يا عزيزتي. كل ما في الأمر أننا نأتي دائما متأخرين.. متأخرين إلى الحد الذي يفقد البلاد ذاكرتها.

Author: نادية عيلبوني

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *