حوّارة بين “الموت للعرب” و”الموت للمخرّبين” والضمّ الزاحف


اشترك معنا في قناة تلغرام: اضغط للاشتراك حمل تطبيق الملتقى الفلسطيني على آندرويد: اضغط للتحميل

تحاجج هذه المقالة بأنّ المقاربة لحلّ الصراع على فلسطين لم تعد تدور حول إنهاء الاحتلال وإقامة الدولة الفلسطينيّة المستقلّة على حدود عام 1967، وإنّما حلّ محلّها مقاربتان؛ ترمي الأولى (الإسرائيليّة) إلى إبادة واستئصال الشعب الفلسطينيّ عبر توسيع مفهوم “الموت للمخرّبين” ليشمل الفلسطينيّين كلّهم، بما يجعله نفس شعار “الموت للعرب” السابق مع بعض التغليف. وجاء “بوغروم” بلدة حوّارة بروفة تطبيقيّة أولى لهذا الطرح، فيما تسعى المقاربة الثانية العربيّة – الدوليّة لتأجيل الضمّ الرسميّ والإبادة والاستئصال مقابل التهدئة وتنظيم وتنفيذ مشاريع اقتصاديّة مشتركة في المنطقة “ج” وقطاع غزّة، في ظلّ استمرار الاحتلال والاستيطان الاستعماريّ الزاحف، وذلك وفقًا لما جاء في “صفقة القرن” واتّفاقيّات أبراهام اللتين حلّتا محلّ مفهوم الأرض مقابل السلام السابق.

مقدّمة

مثّل يوم 26 شباط/ فبراير الماضي يومًا مفصّليًّا يعبّر عمّا هو أعمق ممّا يكشفه التحليل السياسيّ اليوميّ. شهد ذلك اليوم عقد مؤتمر العقبة بمشاركة أميركيّة ومصريّة وأردنيّة وفلسطينيّة وإسرائيليّة، وهدف إلى تحقيق التهدئة وخفض التصعيد. وترافق المؤتمر وهو منعقد مع عمليّة فلسطينيّة أسفرت عن مقتل مستوطنين اثنين في حوارة قرب مدينة نابلس. وفي ساعات الليل اقتحم نحو 400 مستوطن البلدة، وأصابوا مئة شخص، وأحرقوا 35 منزلًا بشكل كامل، و40 منزلًا بشكل جزئيّ. كما أحرقوا أكثر من مائة سيّارة في حيّ كامل من أحياء بلدة حوّارة، وجرحوا العشرات من الفلسطينيّين الآمنين في بيوتهم. لقد اقترنت محاولات التهدئة وعمليّات التصعيد، وتحايثت في الوقت ذاته مع بعضها البعض. فما هي أسباب هذا التطوّر؟ ونحو أيّة اتّجاهات تجري مفاعيله؟

الاتّجاهات الجديدة

بداية يعبر عنف المستوطنين المستعمرين المتصاعد كما برز في “بوغروم” حوّارة عن الانزياح من تيّار الأبارتهايد لصالح تيّار الإبادة والاستئصال داخل التيّار الصهيونيّ الدينيّ كما يسمّي نفسه؛ وهو الانزياح الذي عبّرت عنه نتائج الانتخابات الأخيرة التي جرت في إسرائيل في الأوّل من تشرين الثاني/ نوفمبر الماضي، إذ هزم الاتّجاه الصهيونيّ الدينيّ الذي يدعو إلى تجنيس فلسطينيّي المنطقة “ج” بالجنسيّة الإسرائيليّة، وهو ما كان يعبّر عنه حزب “يمينًا” برئاسة نفتالي بينيت ورفيقته أييلت شاكيد، لصالح الاتّجاه الآخر داخل الصهيونيّة الدينيّة الذي يدعو لإبادة الفلسطينيّين وطردهم.

الاتّجاه الذي هزم يقبل كما بيّنت في دراسة سابقة بإبقاء جزء من الفلسطينيّين في بلادهم وممارسة الأبارتهايد عليهم، أي التمييز السياسيّ والاستغلال الاقتصاديّ والتهميش الاجتماعيّ ضدّهم. أمّا الاتّجاه الذي فاز بالانتخابات، فقد سمّيته بالاتّجاه الإباديّ الاستئصاليّ (أي اقتلاع وترحيل من لا تتمّ إبادتهم)، وقد عبّر سموتريتش عن هذه التوجّهات خير تعبير من خلال خطّة الحسم التي طرحها منذ عام 2017، والتي تقضي بتخيير الفلسطينيّين بين الطاعة الكاملة للأسياد، وبين المقاومة والقتل نتيجة لذلك، أو الرحيل عن البلاد كخيار ثالث. جاء طرح سموتريتش لهذه الخطّة استمرارًا لما سمّي بـ”مشروع تحقيق الانتصار التامّ على الفلسطينيّين”، والذي طرحه دانيال بايبس منذ عام 2011 عبر “منتدى الشرق الأوسط” الذي يرأسه، وأسّس لهذه الفكرة ملتقيان ضاغطان في كلّ من الكونغرس الأميركيّ والكنيست من أجل إقرارها رسميًّا. وكان سموتريتش عضوًا في الملتقى الذي نشأ داخل الكنيست لهذا الغرض.

وجاءت “صفقة القرن” عام 2020 لتتبنّى أطروحات هذين الملتقيين عبر نصّها على فرض السيادة الإسرائيليّة على كلّ فلسطين، وأنّ إنشاء أيّ كيان فلسطينيّ ممكن فقط في كنف تلك السيادة وتحت السيطرة الإسرائيليّة الكاملة على الجانب المتعلّق بحفظ الأمن والنظام. وقد جرى تضمين “صفقة القرن” هذه في اتّفاقات أبراهام بين إسرائيل والإمارات العربيّة المتّحدة والبحرين.

يمثّل هذا الاتّجاه الإباديّ الاستئصاليّ القوّة الرئيسة في الحكومة التي تشكّلت بعد الانتخابات الأخيرة بقيادة الليكود، الحزب البراغماتيّ المنفتح على كلا اتّجاهي الأبارتهايد والإبادة والاستئصال، لا بل ويمكن القول إنّ تيّار نتنياهو السائد في الليكود ينحو نحو الإبادة والاستئصال أكثر من الأبارتهايد، وذلك بعد أن نجح في التنحية الكاملة لمن أطلق عليهم “أمراء الليكود” السابقين الذين كانوا يطرحون تجنيس فلسطينيّي الضفّة وممارسة الأبارتهايد تجاههم، وهو ما صرّح به، وكتب عنه أقطاب منهم مثل وزير الأمن السابق موشيه أرنس، ورئيس الدولة السابق رؤوفين ريفلين.

الفرق الوحيد الباقي أنّ ليكود نتنياهو يريد تحقيق الطرد بأساليب الحيلة وتوفير مراعاة جزئيّة، وإن لم تكن كاملة للعلاقات مع دول التطبيع العربيّة ومع دول العالم، مع محاولة استدراج موافقات دوليّة وعربيّة لخطط الضمّ كما جرى من خلال “صفقة القرن”، وتضمينها لاحقًا في اتّفاقيّات أبراهام. وفي المقابل يرى اتّجاه الصهيونيّة الدينيّة أنّ على إسرائيل أن تفعل ما تريد، ولن يملك العرب والعالم الحول والإرادة لتغيير ما ستقوم به إسرائيل، وسيكتفون ببيانات الإدانة وحسب.

رغم ما تقدّم، فقد غيّرت الصهيونيّة الدينيّة شكليًّا من خطابها في أثناء الحملة الانتخابيّة الأخيرة، فرأينا بن غفير يغيّر شعاره من “الموت للعرب” إلى “الموت للمخرّبين”، وإذا تعزّز هذا التغيير في خطاب بن غفير، فإنّه سيعني انتقاله من خطاب الإبادة والاستئصال إلى خطاب إبقاء غير “المخرّبين” في فلسطين مع ممارسة الأبارتهايد تجاههم. فهل هذا هو ما حدث فعلًا؟

يشير “البوغروم” (كلمة مستوحاة من مذابح القياصرة الروس ضدّ اليهود في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين) الذي نفّذه المستوطنون المستعمرون في بلدة حوّارة برعاية من لواء “كفير” الذي هو لواء المستوطنين في الجيش الإسرائيليّ، وما تلاه من تصريح لدافيد بن تسيّون، نائب رئيس مجلس مستوطنات شماليّ الضفّة الغربيّة، بضرورة محو بلدة حوارة عن الوجود، وتأييد وزير الماليّة سموتريتش لهذا التصريح، إلى أنّ تغيير الشعار من ” الموت للعرب” إلى “الموت للمخرّبين” هو لعبة علاقات عامّة وحسب، تحمل في طيّاتها توسيع مفهوم “المخرّبين” ليشمل العرب كلّهم، وهو ما جرى من ناحية عمليّة رغم تغيير الشعار الشكليّ؛ فقد تراجع سموتريتش عن دعمه لمحو حوّارة، ولكن من ناحية عمليّة قام الجيش بعد “البوغروم” بمعاقبة أهالي حوّارة بإغلاق محلّاتهم التجاريّة لعدّة أيّام، فيما قام المستوطنون بمهاجمة البلدة مرّات ومرّات بعد 26 شباط/ فبراير الماضي، كان آخرها بمشاركة مباشرة من وحدات لواء “كفير” في الجيش الإسرائيليّ يوم 6 آذار/ مارس الجاري، حيث أصيب 31 شخصًا من سكّان البلدة بجروح، فيما تمّ تصوير الجنود والمستوطنين، وهم يرقصون معًا احتفالًا بما تحقّق من أذى ضدّ الفلسطينيّين. زد على ذلك أنّ الشرطة الإسرائيليّة قد تجنّبت اعتقال المستوطنين الذين قاموا بتنفيذ “بوغروم” حوّارة، وحين قامت باعتقال ثمانية منهم فقط تحت الضغط لاحقًا، فقد جرى إطلاق ستّة من الثمانية؛ نظرًا لعدم توفّر الأدلّة، وبعد ذلك قام بن غفير بالاتّصال مع نتنياهو ليعبّر له عن غضبه واحتجاجه لاعتقال المستوطنين المذكورين.

تحيل هذه التفاصيل إلى عقليّة ترى بأنّ التصعيد ضدّ الفلسطينيّين ضروريّ جدًّا من أجل استدراج الفلسطينيّين إلى ردود أفعال تجعلهم يوصمون أكثر بـ”الإرهاب”، ما يوفّر في هذه الحالة الفرصة والمبرّر كما يرى أصحاب هذه العقليّة لمحو قرى فلسطينيّة بكاملها، ولطرد الفلسطينيّين داخل وخارج بلادهم؛ وأغلب الظنّ أنّ الخطط لذلك قد باتت جاهزة، ممّا يذكّرنا بخطّة “داليت” التي جرى تنفيذها عام 1948، وترتّب عنها طرد الفلسطينيّين من بلادهم في ذاك العام.

لعلّ “بوغروم” حوّارة يمثّل أحد المؤشّرات على وجود خطط محو وترحيل جاهزة، ولم تكن حوّارة سوى البروفة لذلك. أمّا المؤشّر الثاني، فيتمثّل في تصريح لسموتريتش غاب عن منصّات التحليل الإعلاميّ، حيث قال تعقيبًا على قمّة العقبة ما مفاده بأنّ التفكير النمطيّ السائد للبحث عن تهدئة لا يزال يتمّ في إطار منهجيّة أوسلو، التي ترى أنّ السلام يتمّ من خلال التهدئة. وقد أكمل بن غفير هذا التصريح بتصريحات أخرى، أفاد بها بأنّ أساليب أوسلو لم تفلح في جلب الهدوء النهائيّ، لذا لا بدّ برأيه من استخدام أساليب أخرى أكثر جذريّة لجلب هذا الهدوء النهائيّ الذي يحقّق الأمن التامّ للإسرائيليّين. لائحة بن غفير لجلب الهدوء النهائيّ بعد سحق الفلسطينيّين وتحقيق الانتصار الكامل عليهم باتت معروفة، وتشمل الاقتحامات للأقصى، وتكثيف هدم البيوت، وفرض عقوبة الإعدام، وسحب حقّ الإقامة والجنسيّة، وتكثيف الاستيطان، وإنشاء وحدات حرس وطنيّ، والسماح للمستوطنين بحرق وتدمير القرى الفلسطينيّة، وتشديد القيود على الأسرى. ويكمل سموتريتش ذلك بإطلاق أيادي المستوطنين في الاعتداء على القرى الفلسطينيّة وتعزيز نفوذه داخل لواء “كفير”، لواء المستوطنين في الجيش، والتمهيد لخلق معازل في كلّ محافظة فلسطينيّة تكون منفصلة عن بعضها البعض بعد تفكيك السلطة الوطنيّة الفلسطينيّة التي يعمل جاهدًا لتحقيق انهيارها.

يحاول العرب والعالم احتواء هذا التيّار اليمينيّ المتطرّف من خلال الاقتراب منه من أجل تقليص غلوائه. وبهذا الاتّجاه ذهبت أدراج الرياح مقاربة الأرض مقابل السلام السابقة، وجرى الانتقال منذ اتّفاقيّات أبراهام إلى مقاربة التهدئة تمهيدًا لخلق استثمار إسرائيليّ – عربيّ خليجيّ – دوليّ في المنطقة “ج”، طرحت أفكاره في عامي 2020 – 2021 مرفقة في حينه بأفكار لمشاريع لتطوير الحواجز وجعل المرور عبرها أكثر سلاسة، مع إبقاء قطاع غزّة تحت المتابعة القطريّة.

وخلال شهري شباط/ فبراير الماضي وآذار/ مارس الجاري، طرح الاتّحاد الأوروبّيّ أفكارًا بهذا الشأن، أي أنّ أوروبا قد قرّرت أخيرًا الالتحاق بمنطق اتّفاقات أبراهام التي لا تطرح فكرة الأرض مقابل السلام، بل تستبدلها بمقاربة تجميد الضمّ مقابل تنفيذ مشاريع مشتركة في المنطقة “ج”. وقد استند التقرير الأوروبّيّ بهذا الخصوص إلى ورقة سياسات أعدّها معهد “ميتفيم” الإسرائيليّ، ونشرت في شهر شباط/ فبراير الماضي تحت عنوان برّاق هو “المنطقة ج: من مركز للنزاع الفلسطينيّ الإسرائيليّ إلى فضاء للسلام الزاحف”. يهدف بعض العرب والعالم من هذه المبادرات إلى احتواء المنطق الاستئصاليّ عبر التكيّف معه بقبول السيادة الإسرائيليّة الكاملة والعمل في إطارها.

الليكود من جهته، فإنّه يقبل التعاطي مع هذه المشاريع العربيّة والدوليّة، ويقبل بتوظيف الأموال الخليجيّة في المنطقة “ج”، لا بل وفي القدس الشرقيّة أيضًا، كما يقبل بتسليم مصر والأردنّ العمل على ملفّ التهدئة مع السلطة الفلسطينيّة وحكومة حماس في غزّة، وفي هذا الإطار يقبل تأجيل إعلان الضمّ الرسميّ؛ ولكنّه في المقابل يستمرّ في إجراء الضمّ الفعليّ، إذ قام قبل مؤتمر العقبة بإقرار إنشاء نحو 10 آلاف وحدة سكنيّة جديدة في المستعمرات، وقرّر “شرعنة” 9 بؤر استيطانيّة استعماريّة، وهو ما غضّ العرب والعالم النظر عنه. أي أنّ ما يجري في الواقع ليس إلّا لعبة يخدع العرب والعالم بها أنفسهم بكسب وقت مستقطع إضافيّ قبل إعلان الضمّ الرسميّ، فيما يستمرّ الضمّ الزاحف على قدم وساق، ما يجعل إعلان الضمّ الرسميّ هو مسألة وقت فحسب.

السؤال الجوهريّ أمام تعزّز منطق تحقيق السلام في ظلّ بقاء الاحتلال على حساب الأرض مقابل السلام، يتعلّق بما يمكن للشعب الفلسطينيّ فعله، وهو محدود على المستوى الرسميّ، سواء في رام اللّه أو غزّة؛ ومقاوم، ولكن غير منظّم على المستوى الشعبيّ في الضفّة. رغم ذلك، يمكن القول بدرجة عالية من اليقين بأنّ هندسة السلام في ظلّ استمرار الاحتلال بالطريقة المطروحة هو مشروع وهميّ يستحيل نجاحه، فالسلام لا يتأتّى إلّا بتحقيق الحقوق، وليس ببناء هياكل وصورة سلام من دون تحقيق جوهره.

عن عرب48

اشترك معنا في قناة تلغرام: اضغط للاشتراك

حمل تطبيق الملتقى الفلسطيني على آندرويد: اضغط للتحميل

Author: وليد سالم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *