حول الجهود الأميركية لإعادة تأهيل نظام الأبرتهايد

تباكت أطراف كثيرة، دولية ومحلية، على تناثر حكومة اليمين الصهيوني الليبرالي بقيادة لبيد – بينيت – غانتس، وعكازتها القائمة الموحدة. وهذه الأطراف لم تخرج بعد من صدمتها وخيبتها الناجمة عن هزيمتها أمام معسكر نتنياهو.

وتعويضا عن ذلك تسعى تلك الأطراف بعد استلام نتنياهو كتاب التكليف بتشكيل حكومة إلى تأهيل هذه الحكومة، من دون حزب الصهيونية الدينية، بقيادة الفاشيين سموتريتش وبن غفير، أو عبر إبقائهما في الحكومة، ولكن مع توسيع الائتلاف لينضم إليه كل من حزبي بيني غانتس وغدعون ساعر، أي السعي إلى التخفيف من خطابها الفاشي، بحيث يستمر التوسع الاستعماري وما يرافقه من عنف وتوحش ضد الفلسطينيين، من دون التسبب بإحراج لحلفاء إسرائيل.

إنها إستراتيجية التضليل ذاتها التي بدأت تنهار في السنوات الماضية تحت ضربات المقاومة الفلسطينية الشعبية والوعي التحرري المتجدد.

الطرف الذي يضغط في هذا الاتجاه، أي تحجيم أو تلطيف الوجه المتطرف السافر في إطار عملية التأهيل لحكومة نتنياهو، أي الإدارة الأميركية، التي تتحمل المسـؤولية المباشرة عن استمرار الظلم الفادح في فلسطين. وبطبيعة الحال، يتشوق لتحقق ذلك، تيار الاندماج داخل الخط الأخضر، والذي يتصرف وكأنه سقط جريحا في معركة مقدسة دون أن يتمكن من الانتصار، أو سقط مغشيا عليه، دون أن يعي أنه فقد وعيه الأخلاقي قبل ذلك بكثير. وتتجلى خطورة ذلك الوعي المفقود في تحميل مسؤولية سقوط حكومته على الأحزاب العربية وليس المجتمع الصهيوني الاستيطاني، الذي لم يعد يكترث حتى بمن يُمَالِئُ ثوابت المشروع الصهيوني، بل يرى بمجمل الوجود الفلسطيني برمته فائضا عن حاجة هذا المشروع الكولونيالي.

الإدارة الأميركية بزعامة جو بايدن كانت قد حذرت نتنياهو قبل الانتخابات من مغبة التحالف مع الحزب الصهيوني الفاشي في حالة فوز الليكود بالأكثرية.

وتواصل هذه الإدارة الضغوط على نتنياهو لاستبعاد ممثلي هذا الحزب من تبوء مناصب رفيعة في الحكومة الجديدة. لا ينبع هذا الأمر من حقيقة الصراع الأميركي الداخلي، والتنافس الانتخابي بين الجمهوريين والديمقراطيين، أو بين ترامب وبايدن، بل من حرص النظام الأميركية على إسرائيل.

تسعى إدارة بايدن بعد سقوط حكومة لبيد وفشل المعسكر الذي قادها إلى تأهيل حكومة نتنياهو لتظهر بصورة مقبولة في العالم، أي إخفاء أو التخفيف من طبيعتها الإجرامية، كما فعلت الحكومة السابقة التي كانت مريحة لهذه الإدارة، والتي لا ينفك رئيسها، بايدن، يكرر أنه صهيوني وأنه لو لم تكن إسرائيل لعمل على خلقها.

نحن إذًا أمام حملة تضليل متواصلة ومتجددة للتغطية على العجز والتواطؤ مع قادة المشروع الصهيوني الاستيطاني ذي النزعة التوسعية. ولسان حالهم يقول لقادة كيان الأبرتهايد: لا بأس أن تواصلوا رفض نداءات السلام، وصوت العدالة، ومواصلة الممارسة الاستعمارية، مثل بناء الجدران وسرقة الأرض، وتمزيق الجغرافيا، وقتل المقاومين، وحصار الناس، وزج الآلاف في السجون، لكن من دون سموتريتش وبن غفير، ومن دون ضم رسمي لمزيد من الأرض… ونحن سنواصل دعمكم عبر الكذب على العالم بالتمسك بحل الدولتين شكليًا.

وما معناه، أن الحكومة الجديدة لا تكمن خطورتها في وجود بن غفير وسموتريتش، إذ أن الخلاف معهما داخل الائتلاف سيكون حول خطابهما الفاشي السافر، أكثر مما هو على القدرة على الممارسة. ما فعلته حكومات إسرائيل على مدار عمر المشروع الصهيوني، بما فيها حكومة لابيد – بينيت – غانتس، هو ما ينادي به هؤلاء الفاشيون الصغار. الفرق أن ذلك تم ويتم بغطاء رسمي وبإيقاع مضبوط من الدولة. أما الحكومة المقبلة فتواصل السياسات والمخططات ذاتها، وتنفيذ الرؤية الصهيونية بجعل كل فلسطين بلدا يهوديا صهيونيا، من البحر إلى النهر، ومواصلة السعي ليصبح كيان الأبرتهايد قائدا وسيدا لأنظمة العار العربية.

من المفترض أن يشكل الواقع الاستعماري السافر تحت قيادة صهيونية أكثر سفورا في عدائها، وتنكرها للوجود القومي الفلسطيني، وأكثر وضوحا في عنصريتها وتناقضها مع القيم الإنسانية، كالعدالة والمساواة، فرصة أمام الحركة الوطنية الفلسطينية وقواها المختلفة، لبذل المزيد من العمل والجهد والفكر نحو استعادة مشروعها التحرري الوطني والإنساني، في الداخل والخارج، وعلى مستوى العالم، لعزل هذا لمشروع العدواني وصولا إلى تحقيق العدالة، وتجديد وتحديث رؤيتها الواقعية والإنسانية لمستقبل فلسطين. هي فرصة لاستعادة الوعي، وإصلاح ما أفسده الانهزاميون.

عن عرب 48

Author: عوض عبد الفتاح

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *