حول الانقسام الفلسطيني: هل من حلول؟


اشترك معنا في قناة تلغرام: اضغط للاشتراك حمل تطبيق الملتقى الفلسطيني على آندرويد: اضغط للتحميل

خلال منتدى فلسطين السنوي الذي عقد في الدوحة، خصصت جلسة مفتوحة لمناقشة الانقسام الفلسطيني، حيث سمح لكل من أراد أن يدلي بدلوه في هذا الشأن المهم والموجع، الذي طال أمده لأكثر من 15 سنة وتحول ليس إلى انقسام سياسي فحسب، بل جغرافي وثقافي واجتماعي. فقد ولد جيل تحت الانقسام يمثل أدبياته ومنصاته الدعائية، يكيل المديح لفصيله ويسرد مثالب خصمه ويحمّله وزر المعاناة الشعبية وتراجع القضية وانسداد أفق الحلول، وأعطى الذرائع للتطبيع العربي وللعدو للتنصل من التزاماته بسبب وجود حكومتين وسلطتين، «فمع من يتفاوض؟» كما كان يقول رأس الكيان الصهيوني نتنياهو. تعددت الآراء في الانقسام منذ البدايات في شهر يوليو 2007 وحتى اليوم، ونرى أن هناك ضرورة لمراجعة موضوعية في مسألة الانقسام وطرق رأب الصدع الكبير، إن كانت هناك إمكانية لرأبه، وإن لم يكن هناك مجال لتجاوز الانقسام فهل من سبيل لتخفيفه أو حصر آثاره الضارة.

الأسباب الكامنة للانقسام

لا يمكن النظر إلى الانقسام كأنه حدث مستقل منقطع عن الظروف التي مرت بها القضية الفلسطينية، بعد اتفاقيات أوسلو وإقامة السلطة الفلسطينية عام 1994 والمهام التي أنيطت بتلك السلطة، إذ تنص الاتفاقيات الموقعة بين الطرفين على ضبط الأمن في الأراضي الخاضعة للسلطة، ومنع التحريض ووقف «العنف والإرهاب» بالنص. أي أن من الأسباب التي أدت إلى التوصل للاتفاق هو الدور الجديد الذي أسند إلى منظمة التحرير الفلسطينية حسب الاتفاق، الذي بناء عليه سمح للمقاتلين الذين جمعوا من بلدان الشتات أن يعودوا بسلاحهم إلى الأراضي الفلسطينية المحتلة، على أمل أن يشكلوا في المستقبل قوات أمن وجيش وشرطة للدولة الفلسطينية المستقلة «إن قامت»، ولكن قبل ذلك عليهم أن يضبطوا الأمن ويمنعوا أي عمل مقاوم، حتى لو بالخطابة والإعلام والتحشيد، وهو ما ذكر حرفيا بمصطلح «منع التحريض». لقد استبشر الناس خيرا في انطلاق «سلام الشجعان»، وظنوا أن الدولة مقبلة لا محال، ومن الأفضل أن يتريث الناس لعام 1999 موعد قيام الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس الشريف «شاء من شاء وأبى من أبى». في هذه الفترة ظهرت على السطح ثلاثة تطورات خطيرة: ارتكاب إسرائيل لمجازر كبرى أهمها مجزرة رمضان في الحرم الإبراهيمي في 25 فبراير عام 1994، التي ذهب ضحيتها 29 فلسطينيا وجرح ما يزيد عن 120 آخرين. والظاهرة الثانية هي، تسارع وتيرة الاستيطان في كل أنحاء الضفة الغربية، خاصة القدس، والظاهرة الثالثة، تذمر واسع من تصرفات رموز السلطة وانتشار أخبار الفساد والاستحواذ على الأراضي والبيوت الفارهة والسيارات الفخمة. هذا من جهة، ومن جهة أخرى تضييق مجال الحريات والتغول الأمني واعتقال المعارضين، وانتشار أخبار انتهاكات حقوق الإنسان، واستخدام التعذيب أسلوبا في المعتقلات. وأود أن أذكّر بحادثتين كبيرتين هما، اعتقال أعضاء لجنة العشرين الذين وقعوا على وثيقة انتقاد أساليب السلطة واحتكار القرار. أما الحادثة الثانية في غزة، حيث هاجمت قوات الأمن مظاهرة لأنصار حركتي الجهاد وحماس بعد الصلاة في ما سمي «الجمعة السوداء» وأردوا 15 قتيلا و240 جريحا واعتقلوا نحو 300. بعد اغتيال أحد قادة حركة حماس المطاردين، المهندس يحيى عياش، في 6 مارس 1996، وردّ حماس بثلاث عمليات استهدفت التجمعات الإسرائيلية في الداخل، ومقتل ما يزيد عن 60 إسرائيليا، تراجعت الثقة الجماهيرية في عملية السلام من الجانبين. قام متطرف إسرائيلي باغتيال إسحاق رابين يوم 4 نوفمبر 1995 وانتخب بعدها بنيامين نتنياهو الذي عارض اتفاقيات أوسلو وصوّت ضدها وبدأ خطواته التصعيدية للتخلص من تبعات أوسلو. كل محاولات ترقيع العملية السياسية فشلت، خاصة بعد الانتفاضة الثانية واجتياح إسرائيل للمدن الفلسطينية عام 2002 وارتكاب العديد من المجازر أهمها مجزرة مخيم جنين (11 أبريل) التي أنهت تماما ثقة الجماهير الفلسطينية في العملية السلمية. من هنا جاءت نتائج الانتخابات التشريعية عام 2006 لصالح حركة حماس وعقابا لحركة فتح التي ورطت الشعب الفلسطيني في اتفاقيات أقرب إلى الاستسلام منها إلى السلام. فلا دولة قامت ولا استيطان توقف بل تضاعف، ولا ابيضت السجون، ولا توقفت آلة القتل والدمار والهدم، إضافة إلى بناء جدار عازل يزيد عن 400 ميل وضع الفلسطينيين في الضفة الغربية في سجن كبير.

طريق الخروج من الأزمة الفلسطينية من عنق الزجاجة هذه هو الانتخابات الحرة والشاملة والمتزامنة للمجلس التشريعي والمجلس الوطني والرئاسة

غزة والانسحاب اللئيم

قرر إرييل شارون، بناء على توصيات من المؤسسة الأمنية، الانسحاب من غزة عام 2005 لأنه باختصار غير قادر على ضبطه من الداخل، والأسهل تحويله إلى سجن كبير محاصر من البحر والأرض والجو. وهذا ما كان. وبعد فوز حماس في انتخابات 2006 وضعت القيادة الرسمية الضعيفة برئاسة محمود عباس، تحت الضغط الدولي للتخلص من حماس. فلا إسرائيل ولا الولايات المتحدة ولا الاتحاد الأوروبي ولا الأمم المتحدة اعترفت بنتائج الانتخابات. كما صدرت الأوامر الصارمة برفض تشكيل حكومة وحدة وطنية بزعامة إسماعيل هنية، تحت أي ظرف من الظروف. لقد طلبت كوندوليزا رايس، من محمد دحلان أن يخلق حالة من الفوضى في غزة لتبرير إسقاط حكومة حماس من قبل أجهزة «الدولة العميقة». وقد نشرت مجلة «فانيتي فير» تفاصيل خطة الإطاحة بحركة حماس تحت عنوان «قنبلة غزة» في عدد أبريل 2008 – حاول دحلان أن يشطب قوات حماس المسماة القوة التنفيذية، كما شطب قوات موسى عرفات الذي تم اغتياله في وضح النهار لتوحيد صفوف الأجهزة الأمنية في غزة، ثم ضم مجموعته التي كانت تقدر بـ2000 مقاتل، لكن سعيد صيام، رئيس القوة التنفيذية لدى حماس، استبق الحدث وشطب قوات السلطة والأمن الوقائي نهائيا من غزة. ومن هنا بدأ الحصار على غزة من جهة، وتفرد حماس بالسلطة في القطاع. سار كل منهما في طريق، سلطة تفاوض عبثا، ومقاومة تحتكر قرار المقاومة وبالطريقة التي تراها، خاصة القائمة على إطلاق المقذوفات، التي بالتأكيد توجع ولا تهزم وأعطت ذريعة للكيان بشن أربع حروب على القطاع سقط على إثرها آلاف الشهداء، ودمرت المنازل وخرب الاقتصاد وتعمق الحصار بأياد إضافية من السلطة وبعض الأنظمة العربية.

محاولات رأب الصدع

بعد أكثر من 15 سنة من الحصار المزدوج على غزة، الذي تعزز وأصبح أكثر إيلاما للشعب هناك بعد عام 2013 عند وصول عبد الفتاح السيسي للحكم في مصر، وبعد هذا الشرخ العميق بين أكبر فصيلين، وبعد أكثر من 25 محاولة لرأب الصدع كان آخرها إعلان الجزائر بتاريخ 13 أكتوبر 2022 وبرعاية الرئيس عبد المجيد تبون نفسه، هل هناك إمكانية لإغلاق ملف الانقسام بجد؟ لنقر أولا بأن حركة حماس والمقاومة الفلسطينية المتمركزة في غزة لن تقبل بأن تنضوي تحت السلطة الفلسطينية بوضعها الحالي، وتنسيقها الأمني مع الكيان الصهيوني. ستكون عملية انتحار أو موت بطيء، وسيتم اعتقال قادة المقاومة أو اغتيالهم أو زجهم في السجون. ولا أعتقد أن سلطة محمود عباس ومؤيديه من أجهزة الأمن تقبل أن تدخل مع حماس وفصائل المقاومة في تحالف تحت برنامج المقاومة، لأن ذلك يعني وقف تمويلها من الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة، وحجز أموال المقاصة ومنع العمال من دخول الكيان، واتهام السلطة بأنها تحالفت مع «الإرهابيين» وتخلت نهائيا عن عملية السلام «الوهمية». إذن ما العمل؟ هل هناك طريق ثالث يخرج الأزمة الفلسطينية من عنق الزجاجة هذه؟ والجواب نعم: الانتخابات الحرة والشاملة والمتزامنة للمجلس التشريعي والمجلس الوطني والرئاسة. والانتخابات يجب أن تشمل الأربعة عشر مليون فلسطيني في الداخل والخارج: مجلس تشريعي لإدارة السلطة فقط، ومجلس وطني ملتزم بوحدة الشعب والأرض والقضية، يفعّل من جديد منظمة التحرير الفلسطينية على أساس ميثاق 1968، ويمكن مراجعته من قبل أعضاء المجلس الجديد المنتخب، فالمجلس سيد نفسه، وأخيرا انتخاب رئيس للشعب الفلسطيني في كل مكان، يكون مدعوما بتفويض شعبي كبير وشرعية لا جدال فيها، ومستندا إلى «مجلس وطني» منتخب يستطيع أن يدير العملية النضالية سلما ومقاومة، مستندا إلى تأييد شعبه العارم. عند قيام هذه المؤسسات الشرعية الثلاث ينتهي ليس الانقسام فحسب، بل ظواهر الضياع والحيرة والتمزق واليأس والأعمال الفردية البطولية التي يعيشها الشعب الفلسطيني هذه الأيام.

عن القدس العربي

اشترك معنا في قناة تلغرام: اضغط للاشتراك

حمل تطبيق الملتقى الفلسطيني على آندرويد: اضغط للتحميل

Author: عبد الحميد صيام

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *