حوار مع سعيد زيداني حول مبادرة ” دولتان ..وطن واحد”

  • مبادرة “دولتان.. وطن واحد” هي الوسط الذهبي لحل مسألة الحدود والمستوطنات والقدس واللاجئين.
  • المبادرة تحاول أن تضعنا في منتصف الطريق إلى الدولة الواحدة، لكنها لا تلزمنا مسبقا بذلك الهدف.
  • في نهاية المطاف قد نقبل بدولة على جزء من أرض فلسطين التاريخية، ولكن حتى لو قبلنا بدولة على جزء، لن نتنازل عن الارتباط بكل فلسطين التاريخية.
  • مبادرة ” دولتان .. وطن واحد” تقدم فكرة موجهة، guiding idea.
  • الملتقيات الفلسطينية، ومن بينها ملتقى فلسطين تحاول أن تبني تصوراً بشأن الخلاص الوطني.

 

ماذا صنعت بالذهب؟ أو ماذا نصنع بالذهب” أفكار فلسطينية لطرق حل للصراع الفلسطيني ـ الإسرائيلي، هي أسئلة وقضايا شغلت بال البروفيسور سعيد زيداني بحثا في ” السؤال الكبير” الذي شغله ووجد أن الحل يكمن في شعار “دولتان وطن واحد” …

“دولتان..وطن واحد”  هي مبادرة عكف زيداني على الترويج لها مع رهط من الكتاب والمثقفين الفلسطينيين والإسرائيليين لكن البعض يرى أن المبادرة قد نجحت في أن تشغل حيزاً في النقاش، لكنها لم تكن أكثر من تمرين سياسي، وبحثا في إطار اللاممكن أو اللامعقول، نظرا لطبيعة المشروع الصهيوني، ولتعقيدات الصراع وتشعباته، وفقاً لتقديرات آخرين.

الدكتور سعيد زيداني أستاذ الفلسفة في جامعة القدس، دعنا نخوض تجربة الحوار وإياك في ملتقى فلسطين، لنبدأ من “السؤال الكبير”…وهو عنوان مقال لك تابعت فيه فكرتك لحل الصراع الفلسطيني – الإسرائيلي وفق صيغة “دولتان، وطن واحد”. هل يمكن أن توضح ما هي مرتكزات هذا الطرح؟ 

هذه رؤية ومبادرة جديدة، عمرها سنوات قليلة، وهي ترى أن حل الدولتين الكلاسيكي الذي ينادي به الطرف الفلسطيني، وكذلك حلول الدولتين البديلة لم تعد صالحة، ولم تعد قائمة. ومن جهة أخرى، فإن حل الدولة الواحدة هو حلم بعيد المنال.

هذه الرؤية، أو هذه المبادرة التي تسمى “دولتان.. وطن واحد” تقول إننا نحن الوسط الذهبي، نحن مبادرة “دولتان.. وطن واحد”، لكن مفهومنا للدولتين والعلاقة بينهما مختلفة. نحن نتحدث عن حل دولتين: دولة فلسطينية على حدود الـ 67، وأي تعديلات على الحدود تكون لصالح الدولة الفلسطينية، القدس تكون مدينة مشتركة موحدة ولكن هناك سيادة مشتركة فلسطينية ـ إسرائيلية على القدس كلها، شرقها وغربها. وللمستوطنين نقول لمن يريد أن يبقى في حدود الدولة الفلسطينية فسوف يكون مواطنا إسرائيليا مقيما إقامة دائمة في دولة فلسطين، وخاضع لقوانينها ومن دون أي امتيازات. كما أن هذه المبادرة تقدم حلاً لقضية اللاجئين حيث يستطيع اللاجئ العودة إلى الدولة الفلسطينية بحرية، وكذلك إلى داخل إسرائيل، لكن في هذه الحالة سيكون مواطنا فلسطينيا مقيم إقامة دائمة في دولة إسرائيل.

والفصل بين الدولتين يكون سياسيا وليس جغرافيا، أي بدون أسوار أو جدران، بحيث يستطيع الفلسطيني أن يعمل وأن يتحرك، وأن يقيم حيث يشاء في البلاد. يعني هنالك احترام لارتباط الفلسطيني وغير الفلسطيني بالبلاد كلها. هذه العناصر الأساسية لهذه المبادرة، التي تحمل في مضامينها اقتراحات حلول لمسائل شائكة كقضية اللاجئين، ومشكلة الاستيطان، ومسألة الحدود والدولة الفلسطينية وذلك اقتراح حل ل “القدس عاصمة للدولتين وموحدة” ولكن السيادة ستكون مشتركة عليها.

 

لكن هل تعتقد أن طرح ” دولتان، وطن واحد” هو بمثابة العتلة نحو إقامة الدولة الديمقراطية الواحدة على كامل التراب الوطني الفلسطيني؟ لماذا لم تذهب مباشرة مع المنادين بإقامة الدولة الديمقراطية الواحدة؟ أو إلى الكونفدرالية مثلا؟

الكونفدرالية شيء والدولة الواحدة شيء آخر. مبادرة “دولتان وطن واحد” هي قريبة من مفهوم الكونفدرالية بين دولتين مستقلتين، لكن هنالك أشكال مختلفة مقترحة للدولة الواحدة: الدولة الواحدة ثنائية القومية، الدولة الواحدة الديمقراطية الليبرالية. لكن المشكلة في هذه الفكرة أنه في اعتقادي هي حلم بعيد المنال، فالعائق الأساسي هو الصهيونية، فالصهيونية تريد بالحد الأدنى دولة يهودية، بمعنى أن اليهود أغلبية ساحقة فيها. أنا أرى أنه طالما الفكرة الصهيونية قائمة، وطالما أن الحل هو مع الصهيونيين وليس نتيجة هزيمتهم، علينا أن نتعاطى مع فكرة الدولة اليهودية بهذا الحد الأدنى، أي هناك دولة يهودية لأغلبية مواطنيها من اليهود لكن من دون السياسات والقوانين المميزة، فإذا احترمنا ذلك، فهذا يعني أن الدولة الديمقراطية الواحدة غير مقبولة لدى الغالبية الساحقة من اليهود الإسرائيليين وغير الإسرائيليين. “دولتان.. وطن واحد” تحاول أن تضعنا في منتصف الطريق إلى الدولة الواحدة، لكنها لا تلزمنا مسبقا بذلك الهدف.

في نهاية المطاف قد نقبل بدولة على جزء من أرض فلسطين التاريخية، ولكن حتى لو قبلنا بجزء بدولة على جزء، لكن نحن لن نقبل بالتنازل عن الارتباط بكل فلسطين التاريخية، والذي هو ارتباط تاريخي، نفسي، ديني إنساني. نحن نريد حلا سياسيا “بأنني هنا” لكن كل البلاد لي بمعنى عميق وغني.

ألا تعتقد أن كل الطروحات بشأن مستقبل الصراع الفلسطيني ـ الإسرائيلي لم تجد نصيب لها في حيز الممارسة العملية السياسية؟ سواء فكرة الانفصال القومي (إقامة دولتين فلسطينية وإسرائيلية) أو ثنائية القومية، أو الاندماج القومي (الدولة الديمقراطية الواحدة)؟ من أين تنبع قوتك في طرحك لمبدأ: دولتان.. في وطن واحد؟

“دولتان..وطن واحد” هي مبادرة أطرحها منذ سنوات، وهناك شركاء فيها فلسطينيين وإسرائيليين يهود بقيادة ميرون ربابوت، وفلسطينيين بقيادة عوني المشني، وهم يحاولون بلورتها وتسويقها.

نحن نعتقد أن مبادرة من هذا النوع قد تكون حلاً قابلا للتحقيق، لأنها تطرح حلا منصفا للطرفين. وأعتقد أنه فيما إذا كانت الظروف مواتية، وإذا كانت النوايا حسنة، فهذا الحل ينصف الطرفين وهو حل قابل للتحقيق، خلافاً لحل الدولة الواحدة، وعلى الرغم من كونه يستهويني كثيراً، لكنني أراه حلماً بعيد المنال، ونحن نعرف ماذا حدث لحلول الدولتين من هذا النوع أو ذاك، سواء من النوع الذي نادى به الطرف الفلسطيني أو العربي، أو الذي تتحدث عنه صفقة القرن، فنحن نعرف أن حلول الدولتين المطروحة لم توصلنا إلى أي نقطة متقدمة، وحل الدولة الواحدة، كما قلت، رغم الجاذبية له بالنسبة للديمقراطيين الليبراليين، هو حل بعيد المنال طالما أن الصهيونية تفكر بدولة يهودية، ولو كانت بالحد الأدنى، أي أن اليهود هم غالبية المواطنين. في نهاية المطاف قد نقبل بدولة على جزء من أرض فلسطين التاريخية، ولكن حتى لو قبلنا بدولة على جزء، لكن نحن لن نقبل بالتنازل عن الارتباط بكل فلسطين التاريخية، وهو ارتباط تاريخي، نفسي، ديني وإنساني.

 

لكن ألا ترى معي أن المشهد السياسي الآن قائم على خطة الضم الإسرائيلية، وصفقة القرن، ناهيك عن قانون يهودية الدولة، بصراحة ألا تعتقد أن طرحك السياسي (دولتان.. وطن واحد) هو ترف فكري ـ سياسي ومناقشة سياسية في إطار اللاممكن أو اللامعقول؟

أنا لا أقول أن هذه المبادرة قابلة للتطبيق في المستقبل القريب، نحن نعرف العوائق، ونعرف أن هذه الحكومة الإسرائيلية اليمينية غير ملتزمة بأفكار من هذا النوع، وما تريده هو أقصى قدر من الأرض الفلسطينية بأقل عدد ممكن من السكان، ونعرف سياساتها وقوانينها التمييزية حتى بحق الفلسطينيين الذين يعيشون في دولة إسرائيل باعتبارهم مواطني هذه الدولة. نحن نعرف أن مبادرة “دولتان..وطن واحد” هي غير قابلة للتحقيق في الظروف الراهنة، ولكننا نعتقد أنه علينا أن نطرح رؤية ومبادرة، ونعتقد أنه في الظروف المواتية هي مبادرة قابلة للتحقيق أولا، وهي منصفة ثانيا، وعلى هذا الأساس نستطيع أن نجد الشركاء، عبر الحوار معهم، سواء أكانوا هؤلاء الشركاء إسرائيليين أم فلسطينيين، أو حتى شركاء عرب أو دوليين. ولكن التحاور حول الدولة الواحدة لم يوصلنا إلى أي نقطة متقدمة، ونحن نعرف ماذا حصل لمبادرات وحلول الدولتين، أقصد الحلول السابقة، فلسطينية وعربية وأمريكية. نحن هنا نطرح رؤية جديدة، رؤية ومبادرة تنطوي على حل منصف وقابل للتحقيق، في الظروف المواتية متى تتهيأ هذه الظروف لا نعرف متى يحين موعدها. لكن علينا أن نعمل وأن نسوّق مبادرة من هذا النوع، لأن مبادرة من هذا القبيل تعتبر من فوائدها الأساسية أيضا أنها تقوم على احترام الروابط التاريخية والنفسية والدينية لكل الفلسطينيين، في كل فلسطين، وليس في جزء منها، وطبعا ندفع الثمن بالنسبة للطرف الآخر.

 دكتور سعيد لقد كنت من المنادين بطرح فكرة الحكم الذاتي، وذلك في إطار مواجهة مشروع الدمج والأسرلة، هل ما زالت تلك الفكرة “عذراء غضة” وفقا لتعبيرك؟ ولماذا؟ وما الذي يجمع هذه الفكرة مع فكرة: دولتان، وطن واحد أو مع فكرة تغليب دولة المواطنين، أي دولة لكل مواطنيها؟

أنا لا أرى تناقضاً بين دولة لكل مواطنيها، وبين حكم ذاتي بالشكل الذي يقترحه الفلسطينيون داخل إسرائيل. هؤلاء الفلسطينيون والذين يتجاوز عددهم المليون ونصف، وهم مواطني دولة إسرائيل، والذين تتم ممارسة سياسة التمييز ضدهم في جميع المجالات، وفي جميع دوائر التوزيع: الاجتماعية، والاقتصادية، والسياسية. هؤلاء لديهم هوية مميزة، لغة مميزة، دين مختلف، ولهم تركيز في مناطق جغرافية مختلفة، ومن أجل تحقيق المواطنة المتساوية في الحقوق داخل الدولة، أعتقد أنه هناك جانبان: الجانب الأول كيف نتعامل مع الحكم المركزي، وحسب الموديل الليبرالي أي المشاركة في الانتخابات وفي الحكم المركزي، وفي الأحزاب كما هي عليه الآن. أما الجانب الثاني، لكي نتفادى التمييز، ولكي ننظم أنفسنا أيضا من أجل تحقيق المساواة الحقيقة التي تعني أيضا الحفاظ على الهوية المميزة، فنحن بحاجة إلى شكل من أشكال الحكم الذاتي، هذا ما تطمح إليه الأقليات القومية المميزة بهويتها، ولغتها، ودينها. في جميع دول العالم، خاصة الديمقراطية، سواء في كندا أو استراليا أو نيوزيلاندا أو في غيرها من الدول. الأقلية القومية دائما تطمح إلى حكم ذاتي إلى جانب وليس بدلا، عن المواطنة المتساوية. الحقوق أساساً للحفاظ على هويتها ولتعزيز أسس هذه الهوية، ولتنظيم نشاطها أيضا، من أجل تحقيق المساواة على مستوى المواطنة الديمقراطية.

لو نظرنا إلى مبادرة “دولتان..وطن واحد” نحن نتحدث عن دولتين مستقلتين ولكن أي أقلية قومية في داخل أي من هاتين الدولتين يجب أيضا أن تتمتع بذلك الحكم الذاتي الذي يحافظ على هويتها، سواء حكم ذاتي ثقافي أو حكم ذاتي أكثر من ثقافي.

ما هي الآليات لجعل فكرة: دولتان، وطن واحد قابلة للتحقق في ظل قانون يهودية الدولة وخطة الضم، وصفقة القرن، وتأزم المشروع الوطني الفلسطيني، وإفلاس السلطة الفلسطينية؟

في ظني أن هذه المبادرة تقدم فكرة موجهة، guiding idea يعني إذا كان حل الدولة الواحدة غير وارد للأسباب التي ذكرت، وإذا كانت حلول الدولتين المطروحة سواء فلسطينيا أو أمريكياً أو إسرائيلياً غير مقبولة، فهنالك فراغ على مستوى الرؤية، وعلى مستوى المبادرة، والتي على أساسها يتم التحاور بين مختلف الأطراف، لهذا نطرح فكرة الدولتان..وطن واحد، باعتبارها، كما قلت، تحمل حلا منصفا  لقضايا الصراع الفلسطيني – الإسرائيلي، وتحمل حلاً قابلاً للتحقيق في الظروف المواتية. على هذا الأساس تتحاور مع الشركاء ومع الحلفاء ومع الأصدقاء. نحن لدينا ما نقدم، ولا يمكن الاستمرار في الحديث عن دولتين، كما يطرح الطرف الفلسطيني، وأنت تعرف مسبقاً أن هذا الطرح لم يعد قائماً، وأنت لا تستطيع أن تتحدث عن دولة واحدة ديمقراطية وأن هذا مشروع لعشرات السنين، أو إذا كان له أمل في الإقلاع. أنت تريد مبادرة والتي تقوم على أساسها بمخاطبة كل الأطراف المعنية، ليس بالضرورة أن يكون الحل على أساسها، لكن أنت تقدم مبادرة فيها حلول جدية للقضايا الأساسية، والتي تحمل لب الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي، وهي قضية القدس، والاستيطان، واللاجئين والحدود والدولة الفلسطينية. إذا المبادرة تقدم لكل طرف من الطرفين الرئيسيين ما يريد بالحد الأدنى.

نحن نعتقد أن هذه المبادرة هي طريق وسط، طريق ذهبي أو وسط ذهبي بين حلول الدولتين التي لم تعد قائمة، وحل الدولة الذي، كما قلت، بعيد المنال.

إذن هي أساسا للتحاور، لكن نحن نعرف أن ما يطرحه نتنياهو وترامب هو بعيد كل البعد عن ذلك، لكن أيضا ما يطرحه الطرف الفلسطيني لم يعد هنالك مستمعين كثيرين له، لأن ما فعلته إسرائيل في القدس، ناهيك عن الاستيطان في الضفة الغربية جعل من المبادرة العربية، أو حل الدولتين الكلاسيكي الذي ينادي فيه الطرف الفلسطيني غير قابل للتحقق، وكل العقبات أصبحت قائمة في وجه هذا الحل. فالمبادرة تطرح مقاربة من نوع آخر للمشاكل ذاتها، والتي تتعامل مع ما تم خلال هذه السنوات سواء في القدس أو فيما يتعلق بالاستيطان، فمثلا بالنسبة للاستيطان فإن المبادرة تقول: فليبقى من يريد البقاء من المستوطنين ولكن تحت السيادة الفلسطينية، كما أن المبادرة لا تطالب بهدم جميع المستوطنات، وإخلاء جميع المستوطنين، بل هي تقول شيء آخر، وأتوقع أن يختار عدد قليل من المستوطنين البقاء تحت السيادة الفلسطينية. وبالنسبة للقدس، فهي الآن مدينة موحدة، ومعترف فيها من قبل الإدارة الأمريكية وبعض الدول الكبرى، وبدلا من تقسيم القدس فيكون الحل بالمطالبة بالسيادة على كل القدس، وهذه أفكار قابلة للتحقيق لأنها لا تتطلب تغييرات جذرية، سواء في مجال الاستيطان: تفكيك المستوطنات أو طرد المستوطنين. إضافة إلى ذلك، أول ما فكرت به في هذه المبادرة مسألة اللاجئين الفلسطينيين. كيف يتم تيسير عودة اللاجئين الفلسطينيين حتى إلى داخل إسرائيل، دون أن نهدد إسرائيل كدولة غالبية سكانها من اليهود. فالفلسطينيون يستطيعون أن يعودوا وأن يسكنوا، وأن يقيموا أينما شاءوا لكن كمواطنين فلسطينيين مقيمين في دولة إسرائيل إقامة دائمة. نحن نفصل بين الإقامة وبين المواطنة، ونفكر بشكل مختلف. إن حل “الدولتين ..وطن واحد” مختلف لأنه يتعاطى مع المتغيرات التي حصلت في الواقع خلال عشرات السنيين السابقة.

 هل يمكن أن تحدد، وبخطوط عريضة وواضحة، ما هي استراتيجية العمل الوطني الفلسطيني المفترض أن تكون في المرحلة الراهنة؟ وهل الأدوات المتوفرة من بنى تنظيمية ومؤسساتية قادرة على المضي في تحقيق هذه الاستراتيجية؟

إذا عدنا إلى فكرة “دولتان..وطن واحد” أعتقد أن الطرف الفلسطيني سوف يكون منجذبا إلى هذا الطرح، لكن الصعوبة تكمن في الطرف الآخر، أعتقد أنه من الجدير أن يحمل الطرف الفلسطيني رؤية من هذا القبيل لأنها سوف تلقى تأييداً عالمياً وربما أيضا من أطراف من المجتمع الإسرائيلي.

أعتقد أنه على الطرف الفلسطيني أن يفعل ويعمل، ليس فقط أن يندب حظه العاثر. على الطرف الفلسطيني لكي يؤثر عليه أولا أن يحمل رؤية معدلة، وأعتقد أن رؤية دولتان وطن واحد قد تساعد في هذا الشأن، ولكن أيضا على الطرف الفلسطيني إعادة بناء البيت الفلسطيني، أي إعادة بناء منظمة التحرير الفلسطينية كإطار وحدوي، وبناؤها على أسس ديمقراطية وتشاركية وفصلها عن السلطة الفلسطينية، وينبغي عليها أن تأخذ دورها في قيادة وتصعيد النضال الميداني الشعبي ضد الاحتلال. هذا ما يجب أن يقوم به الطرف الفلسطيني في كل المجالات: المجال التنظيمي، المجال النضالي، وحمل الرؤية التي يستطيع أن يقدمها لشعبه وللطرف الآخر وللعالم. لكن للأسف الطرف الفلسطيني ما زال قاصرا في جميع هذه الأمور.

 سؤالي الأخير كيف ترى أنسب الطرق الناجعة لتفعيل الحوار داخل البيت الفلسطيني؟ وما هو دور المثقفين الفلسطينيين في إقامة شبكات تواصل وملتقيات فيما بينهم من أجل تعميق الحوار والبحث عن طرائق لتجاوز أزمة الواقع الفلسطيني بكل تعقيداتها وإشكالياتها؟

الحديث عن دور المثقف الفلسطيني وغير الفلسطيني يطول، وهذا موضوع مستقل، ولكن هذه الملتقيات الفلسطينية، ومن بينها “ملتقى فلسطين” هي في غاية الأهمية لأنها تحاول أن تبني تصورا بشأن الخلاص الوطني، رؤية سياسية، رؤية نضالية، تستطيع أن تأخذ من تجارب الفلسطينيين من مواقع مختلفة. هذه الملتقيات التي تجمع فلسطينيين من الشتات ومن مناطق الـ 48 و من الضفة وغزة  أعتبرها مهمة لأننا نحن نسمع عن بعضنا البعض، ونقرأ عن بعضنا، لكن أن نواجه بعضنا، كل بتجاربه، كل بقراءته للواقع فهذه أمور في غاية الأهمية إذا أردنا أن نبني رؤية سياسية جامعة تفي بأغراض الفلسطينيين في جميع مواقعهم وتأخذ في الاعتبار خصوصياتهم، لكن مع التأكيد أن الفلسطينيين هم شعب واحد، ويحملون رؤية واحدة لحل منصف لهم وللطرف الآخر، هذا ما يستوجب بناءه من خلال هذا التفاعل بين المثقفين الذين يحملون أفكار نضجت نتيجة هذا التفاعل بين فلسطينيين من مناطق مختلفة ومن تجارب مختلفة، ومن خلفيات مختلفة، ولكن توحدهم هواجس واحدة. هذه الأفكار يطرحونها للرأي العام الفلسطيني وغير الفلسطيني ويطرحونها أيضا للقيادات الفلسطينية. وأعتقد أن هذا هو مجال المثقف الفلسطيني الذي يستطيع أن يقدمه، وأن يساهم فيه.

Author: أجرى الحوار: عبده الأسدي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *