حنظلــة سيظل طفلا فــي العاشــرة حتــى يعــود إلــى “الشجرة”

عندما تهيأت للكتابة عن ناجي العلي، غمرتني مشاعر الرهبة والشجن والحنين، فناجي بالنسبة لي يقيم هناك قريبا من القلب والروح، في تلك الزاوية الصغيرة المخصصة لكل ما هو مقدس، وعادة ما يكون المقدس هو أكثر الأشخاص والأشياء والأحداث وضوحا وبساطة وصدقا.

زيارة ناجي في هذه الأيام ومحاورته، أو الجلوس في حضرته – ولو بصمت- يأخذ معنى الكشف، فوجدتني أقف أمامه حائرا مرتبكا وصامتا، كنت أخشى أن يدير”حنظلة”ظهره لي، لكن الفتى الفلسطيني المشاكس إلى درجة المستحيل كان يضج بالحياة والرهافة والقدرة عل العتاب والمسامحة في آن.

قلت: إنها ذكرى استشهادك وأريد أن أكتب شيئا عنك!

سرح بنظره وروحه بعيدا، فساد الصمت إلاّ من حفيف أجنحة الفراشات وكأنها آتية من بعيد، من بين أشجار الصبار والتين المنسية حول دروب قرية الشجرة في أعالي الجليل.

غمرني بنظرة شاملة وقال: دعني أهوّن عليك، سأقدم نفسي كما أريد، وسيكون ذلك باللّونين الأبيض والأسود، فأنا أعرفكم أيها الكتاب أو مشاريع الكتّاب، إنكم تميلون إلى الألوان المبهرجة، إلى الدرجة التي لا يعود الإنسان معها قادرا على التمييز بين التخوم، بين الصورة والأصل. بين الواقع والخيال، وبعد ذلك سأترك لك المجال لتضيف ما تشاء.

بدأ ناجي العلي الحديث:

“اسمي ناجي العلي، ولدت حيث ولد المسيح، بين طبرية والناصرة، في قرية الشجرة بالجليل عام 1936،  أخرجوني من هناك بعد عشر سنوات، في 1948 إلى مخيم عين الحلوة في لبنان. أذكر هذه السنوات العشر أكثر مما أذكره من بقية عمري، أعرف العشب والحجر والظل والنور، لا تزال ثابتة في محجر العين كأنها حفرت حفرا، لم يخرجها كل ما رأيته بعد ذلك.

أرسم، لا أكتب أحجية، لا أحرق البخور، ولكنني أرسم، وإذا قيل أن ريشتي مبضع جراح، أكون حققت ما حلمت طويلا بتحقيقه… كما أنني لست مهرّجا، ولست شاعر قبيلة- أي قبيلة- إنني أطرد عن قلبي مهمة لا تلبث دائما أن تعود… ثقيلة… ولكنها تكفي لتمنحني مبررا لأن أحيا.

متهم بالإنحياز، وهي تهمة لا أنفيها… أنا لست محايدا، أنا منحاز لمن هم “تحت”… الذين يرزحون تحت نير الأكاذيب وأطنان التضليلات وصخور القهر والنهب وأحجار السجون والمعتقلات، أنا منحاز لمن ينامون في مصر بين قبور الموتى، ولمن يخرجون من حواري الخرطوم ليمزقوا بأيديهم سلاسلهم، ولمن يقضون لياليهم في لبنان شحذا للسلاح الذي سيستخرجون به شمس الصباح القادم من مخبئها، ولمن يقرأون كتاب الوطن في المخيمات.

كنت صبيا حين وصلنا زائغي الأعين، حفاة الأقدام، إلى “عين الحلوة”، كنت صبيا وسمعت الكبار يتحدثون.. الدول العربية… الإنجليز… المؤامرة.. كما سمعت في ليالي المخيم المظلمة شهقات بكاء مكتوم، ورأيت من دنت لحظته يموت وهو ينطلق إلى الأفق في اتجاه الوطن المسروق، ألتقط الحزن بعيون أهلي، وشعرت برغبة جارفة في أن أرسمه خطوطا عميقة على جدران المخيم.. حيثما وجدت مساحة شاغرة.. حفرا أو بالطباشير.

وظللت أرسم على جدران المخيم ما بقي عالقا بذاكرتي عن الوطن، وما كنت أراه محبوسا في العيون، ثم انتقلت رسوماتي إلى جدران سجون ثكنات الجيش اللبناني، حيث كنت أقضي في ضيافتها فترات دورية إجبارية.. ثم إلى الأوراق.

إلى أن جاء غسان كنفاني ذات يوم إلى المخيم وشاهد رسوما لي، فأخذها ونشرها في مجلة” الحرية” وجاء أصدقائي بعد ذلك حاملين نسخا من ” الحرية” وفيها رسوماتي.. شجعني هذا كثيرا.

… أريد أن أؤذن في آذان الناس وأقول لهم أين قضيتهم، وإلى أين وصلت؟ أريد أن أرسم للناس البسطاء الذين يفكّون الحرف والذين لا يقرأون ولا يكتبون.”

أنهى ناجي حديثه وصمت قليلا…ثم نظر في عيني مباشرة كما ينظر أي إنسان صادق مستقيم وشجاع، وقال مبتسما: الآن وبعد أن حددت أسس وحدود الإطار سأترك لك الفرصة لتكتب ما تريد، مع الاحتفاظ طبعا بحقي في التدخل عندما أجد ذلك ضروريا.

هو ناجي سليم حسين العلي. تذكروا هذا الإسم جيدا. إنه الفنان الفلسطيني الذي نجح وبامتياز في إشعال الذاكرة وصياغة الوعي الفلسطيني بجمالياته العميقة.

هو الفتى الفلسطيني ذو الشعر الأجعد والقامة الشامخة، الفتى الذي أدار ظهره للعالم بعد أن اكتشف أنه مغمور بالكذب والنفاق. العالم الذي وقف مكتوف الأيدي يتفرج على عصابات الموت وهي تقتلع طفلا فلسطينيا لم يتجاوز العاشرة من عمره وتلقي به على دروب البؤس والتشرد والضياع وتركه يغوص مع طفولته في أوحال المخيم شتاء، وفي غباره وقيظه صيفا. فاكتشفت عيون ذاك الطفل باكرا أن: هذا العالم ليس لنا!

من أعماق المأساة والنكبة نفض الطفل الغبار عن رموشه وامتشق طبشورته وراح يخربش عواطفه وأحلامه، فكانت عواطف وأحلام وذاكرة شعب بكامله، بل عواطف الإنسانية كلها.

لم يكن بحاجة لأي لون، فالمأساة كانت هائلة ومروّعة إلى الدرجة التي لم يكن يحتاج معها إلى أي لون. فقط الأسود والابيض.

كانت تلك أيام ولادة الوعي الذي لا يساوم على البديهات. فالمعادلة بسيطة وحارقة: أن تكون حرا أو لا تكون، أن تكون إنسانا أو لا تكون، أن تكون مع فلسطين أو لا تكون. لم يكن ناجي العلي يقبل بثلاثة أرباع الحلول، أو أنصافها أو أرباعها.

وكيف يمكن أن يقبل، وهو الفتى الذي فقد طفولته، أشجاره، أعشاش عصافيره، شجرة الصنوبر الخاصة به، شجرة اللوز،شجرة التين، وموطئ قدمه الأول، وأفقه الذي تفتحت عيناه عليه لأول مرّة. كيف يساوم، وهل بقي أصلا ما يساوم عليه سوى ذاته، كرامته، ذاكرته، واسمه؟ لهذا كان يصرّ:

” اسمي ناجي العلي من قرية الشجرة” لقد كان بإصراره ذاك يعيد بناء الأشياء والعلاقات وتأكيدها،

ولأنه انسحق إلى هذا المستوى فقد حدّد موقعه وموقفه منذ اللحظة الأولى:

“أنا لست حياديا، أنا مع الـ “تحت”، مع أولئك الفقراء البسطاء الذين يكونون دائما عند خط الواجب الأول، أولئك الذين يسكنون تحت سقف الفقر الواطي ولكنهم يقفون عند خط المعركة والكرامة العالي.

كان الخيار صارما وواضحا حتى النهاية، لهذا كانت ولادة حنظلة ولادة طبيعية في زمن الحروب القيصرية، يقول: “ولد حنظلة في العاشرة من عمره وسيظل دائما في العاشرة، ففي ذلك السن غادرت الوطن وحين يعود حنظلة سيكون بعد في العاشرة ثم سيأخذ في الكبر بعد ذلك. قوانين الطبيعة المعروفة لا تُطَبَّق عليه، إنه استثناء. ذلك لأن فقدان الوطن لا يتقدم عليه استثناء، وحين يعود إلى الوطن ستصبح الأمور طبيعية. قدمته للقراء وأسميته حنظلة كرمز للمرارة في البداية.. قدمته كطفل فلسطيني لكنه مع تطور وعيه أصبح له أفق كوني وإنساني. أما عن سبب إدارة ظهره للقراء، فتلك قصة تروى، في المراحل الأولى رسمته ملتقيا وجها لوجه مع الناس وكان يحمل الكلاشينكوف وكان أيضا دائم الحركة وفاعلا وله دور حقيقي.. يناقش باللغة العربية والإنجليزية بل أكثر من ذلك، فقد كان يلعب الكراتيه، يغنّي الزّجل ويصرخ ويؤذن ويهمس ويبشر بالثورة.

شخصية حنظلة كانت بمثابة أيقونة روحي من السقوط كلما شعرت بشئ من التكاسل، إنه كالبوصلة بالنسبة لي وهذه البوصلة تشير دائما إلى فلسطين”.

يا ناجي العلي، كم كنت نبيا. وكم كنت ضميرا. لهذا لم يكن أمر غير عادي، أن يبدأ قراء جريدة السفير بقراءتها كل صباح من الصفحة الأخيرة، حيث يكونون مع الموعد الصباحي لرسوماتك، ليعرفوا أين سيقفون في ذلك اليوم، وأين يجب أن يضعوا أقدامهم في تلك اللحظة.

كانوا يبدأون صباحاتهم برسوماتك. كانوا وكنّا نريد أن نعرف ما هو موقف فاطمة وعلي هذا اليوم. وما الذي يخبئه حنظلة من مبادرات في مواجهة أصحاب الكروش والأقفية السمينة.

تشامخ ناجي وراح يصعد الجلجلة حاملا آلامه وآماله وطموحاته.

غادر ثقافة القبيلة والطائفة، كان فلسطينيا عربيا إنسانا. كان حنظلة ينجح دائما في جمع كل الفقراء والمضطهدين والمقهورين حوله: مسلمين، مسيحيين، شيعة، سنة، دروز، عرب، أكراد، موارنة، أرثوذكس…

ألم يسأل أحدهم يوما حنظلة: أنت مسلم أم مسيحي، سني أم شيعي، روم أرثوذوكس أم روم كاثوليك…؟

فيجيبه: أنا عربي يا جحش!

ناجي، إنني أعتذر منك وأمامك..فقد غادرتنا وأنت تحلم. لقد غادرتنا على عجل.

في يوم الأربعاء 22 تموز1987 ، في شارع إيفر في لندن تقدم قاتل سفيه ومأجور وأطلق الرصاص على ناجي العلي من مسدس كاتم للصوت. قاوم حنظلة الموت حتى 29 آب 1987. وأخيرا قرّر الرحيل.

أي قاتل هذا الذي أطلق الرصاص على طفل فلسطيني يصر أن يبقى في العاشرة من عمره. طفل يعتقد ويؤمن أن حياته قد تجمدت وتوقفت عند تلك اللحظة البائسة التي تخطت فيها قدماه حدود فلسطين نحو بؤس المنافي وقهرها.

لكن تلك هي ضريبة الوضوح والشرف العالي أيها الصديق.

لم يحتمل ناجي أشباه الساسة،أشباه الثوار، أشباه الرجال، أشباه الأنظمة، وأشباه القادة وأشباه الزعماء. كانوا يرتجفون أمام الطفل المشاكس حنظلة بملابسه الممزقة والمرقعة. كانوا يخافونه وهو مجرد رسم على الورق.

هذا لأن ذلك الفتى الفلسطيني المتمرد، كان يذكرهم بعجزهم، تآمرهم، خياناتهم، وجبنهم، والأخطر أنه كان دائما يحرّض على النهوض والمقاومة. كانوا أحيانا يقطعون يده، ومع ذلك كانت في اليوم التالي تورق غصنا من ثورة. كانوا يكمّمون فمه، فكان يركل بقدميه، وعندما كانوا يهددونه كان يشير لهم بيده إشارة بذيئة أو يبول على نصائحهم بكل طفولة ماكرة.

لماذا يا حنظلة كل هذا العناد؟!

يجيب: وماذا سأخسر، ملابسي المرقعة، أقدامي العارية، لقد جعلوني أخسر كل شيء فلماذا أحترمهم!

لا أملك سوى لساني، يدي، قدمي، كوفيتي. لم يبق شيء. أضاعوا فلسطين وأضاعوني. ومع ذلك ما زالوا يكذبون.. يواصلون خياراتهم ومساوماتهم البائسة وواقعيتهم الهابطة ويريدونني أن أصمت! يساومون عليّ ويريدونني أن أبقى مكتوف اليدين. هذا مستحيل!

نعم، هكذا هو ناجي العلي. كان الناطق الرسمي باسم اللاجئين والفقراء الذين يفترشون تراب الوطن العربي من المحيط إلى الخليج.

لقد كان ناجي العلي يعرف خياراته جيدا، كما يعرف عميقا أثمانها منذ اللحظة الأولى، ولهذا يقول: “اللي بدو يكتب عن فلسطين، واللي بدو يرسم لفلسطين بدو يعرف حاله ميت، أنا مش ممكن أتخلى عن مبادئي ولو على قطع رقبتي”!.

لقد مضى ناجي على ذات الطريق الصعبة الواضحة التي سار عليها من قبل صديقه الذي التقط رسوماته لأول مرة غسان كنفاني.

لقد ولدا في ذات العام 1936، وفي 8 تموز 1972 تم اغتيال غسان كنفاني، وبعد خمسة عشر عاما تم اغتيال ناجي العلي.

يقول غسان: “هناك رجال ينبتون الآن في أرض المسؤولية كما ينبت الشجر في الأرض الطيبة، حريصون على إعادة المجد للكلمة”.

ولأنه كان وفيا لما يكتب كان يجب أن يصمت.

ولذات السبب كان يجب إسكات ناجي، كان يجب اغتيال حنظلة لأنه يرفض الصمت والسكوت.

الآن. يطلّ علينا ناجي من مكان ما. يمسح واقعنا ومأساتنا بنظرته الباهرة. فماذا يمكن أن يقول يا ترى؟!

أي حزن شاسع سينفجر في أعماقه. هل هذا ما تعلمناه! أن يستدير الفلسطينيون، أن يصطفوا وراء المتاريس المتقابلة. أن يطلقوا النار في الإتجاه الخاطئ.

على أي شئ يقتتل شعب اللجوء. آه يا شوارع مخيماتنا المغمورة بالصور. صور نسي بعضنا لماذا لا زالت تملأ جدران المدن والمخيمات.

ومع ذلك لا يزال ناجي يعيد تذكيرنا ببديهات الوطن، بديهة الوضوح. يمسك طباشيره أو قلمه ويعيد التأكيد على حدود فلسطين، إنه بصورة ما يضربنا بقلمه على أيدينا كالمعلم كلما حدنا عن الدرب. يرسل حنظلة المشاكس ليعيد توحيدنا، لقد اشتقنا إلى أقدامه العارية وملابسه الممزقة، ولكننا اشتقنا أكثر لصراحته الجارحة.

لم يكن ناجي العلي يحب اللون الرمادي، ومع ذلك كان يرتقي بمأساتنا وألمنا إلى حدّ الإنفجار بالضحك المرّ، حاولوا رشوته، الضحك عليه، تحويله إلى مثقف سلطة أو مثقف في صالات الفنادق الفاخرة، لكنه كان يكره البنايات المرتفعة، لأنه ابن الأرض وأزقة المخيم، كان وبقي وفيا للفتى الفلسطيني، ابن العاشرة، الذي لا زال يركض حافي القدمين في أزقة المخيم ويشاكس العالم!

ومع ذلك، ها هم أطفالك يا ناجي قد كبروا…وهم يعيدون كتابة الواقع والتاريخ. بذات الوضوح وذات الحدة التي تعلموها من أستاذهم العنيد حنظلة. هم ذاتهم يركضون بذات الكوفية وذات الراية، راية فلسطين، في غزة والضفة والقدس والجليل وفي مخيمات المنافي القريبة والبعيدة.

أما فاطمة الفلسطينية واسعة العينين، المرأة الجميلة التي تعلمنا الحب والحياة بكل بساطة، فهي تجلس الآن على ركام منزلها، يدها تحضن خدها القمحي وترسل نظرها نحو أفق بعيد، علّ طائر الوعد أو الرعد يأتي. تواصل انتظارها وعشقها، وخلف رموشها الطويلة تضئ خارطة فلسطين الوطن في بحر من عناد.

والآن اسمحوا لي أن أجمع أوراقي وانهض، يخيل إليّ أن ناجي العلي يجلس الآن فوق ضريح قبره الرخامي، القبر رقم 230191 في مقبرة “بروك وود” الإسلامية في لندن.  يغفو هناك  بعيدا ينتظر لحظة  القيامة، ليس لكي يصعد إلى السماء، بل لكي يعود إلى قرية “الشجرة” التي  اقتلعته منها  ومن طفولته بين أشجار التين واللوز والصّبار قوة وحشية وقذفت به على الدروب المتربة شمالا. فأصبح الوطن من يومها مخيما اسمه “عين الحلوة”.

 إنه الآن يراقبنا من هنا. فقط أتمنى أن لا يدير ظهره لنا، وأن لا يقوم حنظلة بحركة فاضحة في وجوهنا!

عن مبدعون فلسطينيون

Author: نصار إبراهيم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *