حنة أرندت “اللاسامية” التي تنبأت بالخراب الكامن في فكرة الصهيونية

“ألا يستحق كل ما حدث في حياة حنة آرندت وحتى الآن أن يُطرح ويُناقش ضمن رؤيتها الفلسفية التي تنبأت فيها قبل سبعين عاماً بكل هذا الدم والخراب والتشريد في فلسطين؟”. هكذا سألت نفسي الأسبوع الفائت عندما خرجت خائب الأمل من معرض الفيلسوفة الألمانية في المحتف التاريخي في برلين.

في أحد مقابلاتها عام 1964 ذكرت آرندت بوضوح موقفها من أيدولوجيا الانتماءات العرقية والدينية، عندما قالت أنها امرأة عقلانية، لا تستطيع أن تنحاز لشعب أو لقضية على حساب قضية أخرى. قالت -حرفيًا- أنها لا تنحاز لأي شعب حتى “لليهودي”؛ وقالت -حرفيًا- أنها تنحاز للأصدقاء فقط.

لا شك لدي أن وجود الهوية اليهودية في سيرة آرندت هو جزء لا يمكن تجاهله في حياتها. وحتى قصة حبها مع هايدغر، ما هي إلا صورة تعكس جنون هذا العصر المستمر بتطرّفه. فمن ناحية، حنة الشابة اليهودية، ومن ناحية أخرى هايدغر، الذي لم يستطع أو لم “يرغب” آنذاك بدحض التكهنات حول تأييده للنازيين. ومع ذلك يلتقيان ويحبان بعضهما البعض، فيما سترى هنا هايدغر مرة أخرى بعد الحرب، منتقدةً إياه مرارًا وتكرارًا لموقفه من “القضية السياسية” بعد عام 1933.
ولا شكّ لدي أن الفصل بين شخصية الفيلسوف وعمله هو شيءٌ وهمي في حنة آرندت. فذلك تمامًا هو ما جعل رؤيتها سبّاقةً وثائرةً على قيود آيدولوجيا الانتماء المجتمعي والسياسي والديني. كما وأن من تجربة آرندت هذه، من عهد الإرهاب والحرية والهروب من الهولوكوست إلى الصهيونية، ومن تجربة الوصول إلى عالم أجنبي، ومن تجربة إدراك مدى سرعة تحول موقف المثقفين منها -حتى الأصدقاء- إلى نظرة معادية، هو أحد أهم عوامل اندفاعها الشجاع إلى المقالات السياسية والمحاضرات الفلسفية. وهي من قالت: “لا أعتقد أن هناك أي فكرة ممكنة من دون خبرة شخصية”.

لكن رغم ما ذكرت، كان من الأجدر بعد مرور 45 عامًا على رحيل آرندت، ألا توضع فلسفتها -التي تبوّأت بمستقبل الصهيونية الدموي- مع هويتها الدينية في بوتقة واحدة ضيقة. لأن في ذلك تجاهلًا لموقفها الواضح من العلاقة بين الصهيونية والوجود اليهودي في الشتات، وتجاهلًا لتأملاتها الفلسفية في الهولوكوست.
وكأن اتهامها بمعادة السامية في حياتها لم يكن كافيًا، ليتم رهن فلسفتها بشرط “الهوية اليهودية” بعد موتها، وهي من انتقدت كتاب “الدولة اليهودية” لثيودور هرتزل، رافضةً مبدأ “مجتمع السيادة القومية”، ورافضةً تقوقعه حول شعار “معاداة السامية” الذي استُخدم من قبل الصهيونية والأوروبيين كوقود أُشعِلت به النار حول الفلسطينيين.

اتُّهِمَت آرندت بمعاداة السامية لأنها قدّمت النازيين كبشر، وليس كـ “وحوش”. وفي هذه “الجملة الشائكة” أدركتْ أن الإنسان يحمل في ذاته خطر التكرار، مهما حاول خلقنة ذاته، وأنه من السهل عليه الاختباء وراء فكرة الوحوش، لينفخ في مأساته كلما كادت أن تخبو نارها، ويُعيد النفخ فيها، ليصنع منها مأساة شعبٍ آخر، ويُعيد ويصنع ما صُنع به، في انتقامٍ دمويٍّ لا يتوقّف عن الدوران في حلقته المُفرغة.

لم تتوقف هذه الحلقة المفرغة في دمويّتها، لكن ربما لم يعد الشّر، شرًا تافهًا كذاك الذي أنجبته النازية. بل صار جزءً من هذا العصر، مثلما لم تتحوّل آرندت إلى شيءٍ من الماضي، وظلّت بصوتها أكثر حضورًا من أي كاتب آخر في القرن العشرين.

لو تمعّن مؤسّسو المعرض في بعض الجمل التي قالتها آردنت حينما كانت تدافع عن موقفها من محاكمة آيخمان عام 1961 في القدس، لو تمعّنوا في أجزاء ذلك اللقاء، المعروضة في المتحف،  لما جعلوا من المعرض “مزارًا” تملؤه بعض الملاحظات اليومية والصور الشخصية والأقوال المُسطحة التي يجدها الناس في وكيبيديا بكبسة زر.

لكن..أين معرض حنة آرندت من حنة آرندت ذاتها؟ من تفاهة الشر في الأمس.. واليوم؟ من أسس التوتاليتارية؟ من فلسفة العنف؟ ومِمّا يدفعنا للخروج من الاستنتاجات السياسية المستدامة؟ ومِمّا يحملنا لإدراك مفهوم الحريات والحقوق الإنسانية، التي لا يُمكن لنا حمايتها فينا وفي كل من حولنا، ما لم نسمح لأنفسنا للتّفكر بعمق السؤال الفلسفيّ فيها وفي ضدّها؟!

Author: عبد الرحمن القلق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *