حماس تسعى إلى توجيه رسالة بأنها تحافظ على قوتها، لكن رسائلها تصطدم بالواقع في غزة

تصريحات كتائب القسام، الذراع العسكري لحماس، بشأن الاعتراف بمقتل كبار قادة التنظيم، ومن بينهم المتحدث الرسمي الأسطوري باسمه ، هي ليست مجرد بيان نعي اعتيادي . توقيتها ومضمونها يشيران إلى محاولة حركة جريحة بثّ رسالة استمرارية – في لحظة تتصدع فيها أسس قوتها. الرسالة الأولى والواضحة التي تبرز من البيان هي محاولة خلق صورة بأن “الأعمال تسير على مايرام ”. في حماس يسعون إلى التوضيح أن اغتيال كبار القادة، حتى لو تعلق الأمر بأشخاص في صلب القيادة، لا يشلّ التنظيم . هذه الرسالة تنسجم مع تقارير، لم يتم نفيها ، عن اتصالات لاختيار رئيس جديد للمكتب السياسي بدل يحيى السنوار في الأسابيع القريبة، كجزء من جهد عرض استمرارية في الحكم .


الامر يتعلق برسالة داخلية موجّهة إلى نشطاء التنظيم وقاعدة دعمه ، لكنها أيضًا رسالة خارجية – الى الساحة الفلسطينية والإقليمية – مفادها أن حماس تواصل العمل، بذراعيها السياسي والعسكري . وبخلاف الماضي، تكاد تخلو البيانات من التهديدات. ومن التعهد بالانتقام “في أي مكان وفي أي زمان ” ، ولا عرض لإنجازات عسكرية أو لمستقبل عسكري واضح . بدل ذلك، تعود حماس إلى لغة أيديولوجية عامة: مقاومة، تحرير الأرض، إقامة دولة فلسطينية. غياب التهديدات الملموسة ليس عرضيًا ، بل يعكس قيدًا حقيقيًا في مجال القدرات .


في هذا السياق، توطد أهمية خاصة لتوقيت البيان، على خلفية لقاء الرئيس الأميركي دونالد ترامب مع رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو، والنقاشات الدولية حول مستقبل القطاع . ووفق مصادر في حماس من المستوى السياسي في التنظيم، فإن الأمر يتعلق بمحاولة تمرير رسالة أيضًا إلى الإدارة الأميركية، مفادها أن التصريحات بشأن نزع السلاح تُستخدم من قبل نتنياهو للمراوغة، في حين أن الأهمية الأكبر ينبغي أن تُمنح لدفع خطوات سياسية ، بما في ذلك انسحاب إسرائيلي من قطاع غزة .


إلى جانب ذلك ، فإن سردية حماس تصطدم بشكل مباشر مع الواقع الداخلي في غزة . فعليًا، فقدت حماس معظم القيادة المحلية، وجزءًا كبيرًا من قوتها العسكرية، وكذلك القدرة الصاروخية والقدرة على إنتاج الذخيرة . إلى جانب تكرار شعار “المقاومة وتحرير الأرض”، فقدت حماس السيطرة على ما لا يقل من نصف مساحة القطاعو، ولا يلوح أفق واضح لانسحاب إسرائيلي . التنظيم يواجه صعوبة في توفير استجابة إنسانية أساسية للسكان : الغذاء ، المأوى ، الصحة والتعليم .
وقد استوعبت حماس بالفعل أن الخلاص لن يأتي من قطر أو تركيا، وبالتأكيد ليس من السعودية، التي لن تسلم بالوضع الذي كان قائمًا في القطاع قبل الحرب . لكن في الوقت نفسه، تواجه هذه الدول صعوبة في فرض بديل أو ممارسة ضغط على الإدارة يؤدي إلى تغيير في القطاع . ربما أنها سلّمت بحقيقة أنه طالما بقي نتنياهو وحكومته في الحكم، فلا فرصة للتقدم ، وأن الضغط الأميركي مرجّح أن يبقى محدودًا . وقد ظهر دليل على ذلك في بداية اللقاء بين نتنياهو وترامب أمس، حين ردّد الرئيس رسائل نتنياهو بشأن نزع سلاح حماس كشرط للتقدم إلى المرحلة الثانية من وقف إطلاق النار.


يدركون في حماس أن الشارع الغزّي شهد تحولًا عميقًا، كما شرح باحث المجتمع الفلسطيني مصطفى إبراهيم في مقال نشره عشية اللقاء بين ترامب ونتنياهو . إذا كان “الصمود” في الماضي يُعدّ مصدرًا للشرعية، فإن الشرعية اليوم تُقاس بالقدرة على ضمان الحياة . من يحمي الناس من الجوع والبرد والأمراض ينجح، لا من يرفع شعارات المقاومة.


التنظيم الداخلي والنقاشات حول هوية الرئيس المقبل تبدو لكثيرين انفصالًا عن الواقع، وأحيانًا حتى استفزازًا. محاولة حماس استعادة حضور أمني عبر فتح مراكز شرطة تُفهم كمحاولة للبقاء في الحكم أكثر مما هي حماية للمجتمع. وفي غياب أفق سياسي أو اجتماعي، يتوقف الأمن عن كونه رمزًا للحماية ويصبح رمزًا للقوة.
يبدو أن حماس تقف أمام خيار : إما مواصلة “إدارة” الأزمة في القطاع انطلاقاً من منطق تنظيمي ضيق، أو إبداء استعداد لتحمّل مسؤولية كاملة عن الحكم وإخلاء الطريق لمسار وطني جديد لا يُدار على حساب حياة المدنيين

المصدر: هارتس

About The Author

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *