حكايات تكسر صمت القضبان

من لجوئنا، ومن قصص البطولة والصمود التي تشرّبناها من حارات المخيم ومن ملصقات الحائط في شوارعنا، ارتسمت فلسطين ذاكرة ورثناها عن آبائنا وأمهاتنا، وصاغت أبجديات وطن بات يسري في عروقنا حكايات وذكريات؛ صار الوطن حلماً دائماً بالحرية، وفضاء لا تحدّه أسوار وجدران، ولقساوة البعد والحنين إلى برتقال يافا وحارات القدس العتيقة، أضحى الوطن في مخيلتي بيوتاً مسيجة بالصبار والذكرى والغبار؛ صار الوطن جداراً يفصل التراب عن التراب؛ صار مقاومة لشعب يعيش بين حاجز وجدار، شعب فارقته نعمة النسيان فبقي الوطن يغطي مساحة الجغرافيا وامتداد الزمان. 

تعرفت إلى فلسطين التي في البال عندما حكّني وجع معتقليها، فكانت وجوههم هي وجه فلسطين الذي أحببت، وأصواتهم الدافئة هي الأصوات التي افتقدتُ، وكلماتهم وبأسهم هما البوصلة التي ضاعت.

أوجعني أن أتعرف إلى جغرافيا فلسطين وأقترب منها أكثر من خلال الجدران الباهتة لمركز المسكوبية، ومن حائط الإسمنت الأبكم الذي يسيّج عوفر والدامون؛ أوجعني أن أتعرف إلى عسقلان ونفحة من الشِّبْاك التي تقف حائلاً بين المعتقلين والسماء.

لم يبخل عليّ ضيوفي بوصف مدنهم وبلداتهم، فمررت على الخليل، وعرّجت على اللد، وانتهيت بالقدس. كانت حكاياهم تشبه حكايا مدنهم، سخية وراسخة وخجولة وقوية بلا ادّعاء.

التقيت سابقاً بمعتقلين سياسيين كثر قاوموا الاستبداد والديكتاتورية من أجل حياة حرة كريمة في أوطان حرة يسودها العدل والحق. كان الوجع كبيراً، وكان أشبه بالفاجعة حين عرفت كيف تلقى هؤلاء المعتقلون والمعتقلات ألواناً من التعذيب على أيدي إخوتهم من أبناء الوطن، فضربة السوط أكثر وجعاً وقساوة حين تنزل على الجسد العاري من يدَي مَن كان يوماً رفيق المدرسة، لكن الخذلان الأكبر هو حين جرى إخفاؤهم وراء السواد على وقع وشاية من أحد الأصدقاء أو الجيران!

لم تكن فلسطين غائبة عني يوماً، لكني عدت والتقيت وجعها وألمها وصمودها وحكاياتها من بوابة أسرى وأسيرات لم يكسر الجلاد ولا الاحتلال إصرارهم وصمودهم. كان الفرق شاسعاً بين الحالتين، بين فلسطين التي تاهت على دروب أوسلو، وأضاعت كوفية الفدائي وأغاني الثورة والعاشقين، وبين فلسطين المؤمنة بوحدة القضية والأرض والشعب: فلسطين التي على الرغم من خطابات العقلانية كلها، وتفهّم موازين القوى والواقعية السياسية، ما زالت تؤمن بأن العين تقاوم المخرز.

وما حكايات الصمود والتعب والمواجهة والصبر والنصر لمعتقلينا إلّا نموذج يُحتذى لفلسطين التي نحب.

***

أنا وحـدي دَولةٌ.. ما دامَ عِندي الأمَلُ

أحمد مطر

تتطلب استعادةُ ذاكرة الأسر والاعتقال النبشَ في الروح عميقاً لاستعادة وقع الخوف والألم في الذاكرة، وهو كوقع سقوط حجر في بئر القلب؛ فاستعادة هذه الذاكرة هي لحظة تصلّب الأنفاس في الحنجرة، واستعصاء الدمعة في العين؛ إنها لحظة الصمود في معركة عمادها إنسان مؤمن بحقه وحريته، وجنود مدججون بالباطل والقوة.

لمى خاطر.. الكلمة الأسيرة

أحصيتُ أنفاس الأسيرة لمى خاطر مع كل رسالة صوتية أرسلَتها: كان الصوت يشي بالتعب، وبذاكرة تستنهض الصمود في لحظة الألم، وتبحث عن أسباب النصر في لحظة الاعتقال.. لحظة المواجهة مع المحتل والسجان.

تُعَرِّف لمى عن نفسها قبل أن تدلف بنا إلى ذلك الشفق الصباحي الحزين فتقول:

أنا لمى خاطر من مواليد رام الله وأعيش في الخليل، متزوجة وأم لخمسة أبناء، كاتبة في الأدب والثقافة والسياسة، وناشطة ميدانية في مجالَي الدفاع عن الحريات وفي نصرة القضايا الوطنية، ويمكن القول إن هذين المجالين كانا من أبرز المحددات لنشاطي الميداني ونشاطي الإعلامي.

في مدينة الخليل نقاوم واقعاً صعباً يقسّم المدينة ويمّزقها إلى منطقتين: واحدة خاضعة لسيطرة السلطة، والأُخرى خاضعة لسيطرة الاحتلال الإسرائيلي الذي يتمدد كل يوم ويقضم مزيداً من البيوت والحارات ويهوّدها ويسمم حياة الفلسطينيين باعتداءات المستوطنين عليهم وبتعقيد حياتهم ووضع مزيد من الحواجز أمامهم.

في هذه المدينة المطوقة بالمستعمرات والحواجز المحاصرة بالجنود والمستوطنين يصبح الاعتقال حدثاً متوقعاً في أي لحظة ومن أي مكان، وهكذا تم اعتقالي في 24 تموز / يوليو 2018.

كان ذلك في الثانية فجراً حين حاصرت أعداد كبيرة من قوات الاحتلال المنزل.

أفقنا على طرقات عنيفة على الباب، وأصوات جنود يحاولون اقتحام المنزل؛ فتحنا الباب، وعرفت أن معهم قراراً باعتقالي!

كان منظر الجنود وطريقة المداهمة ليلاً مفاجئاً لي وللعائلة بأسرها!

تملّكتني دهشة لم أكن أتوقعها.. قرص قلبي خوف من المجهول وخوف من أثر الغياب.

أحالتني كلمات لمى عن أثر الغياب، إلى “أثر الفراشة” لمحمود درويش كأنها كانت تقول: أثر الغياب لا يُرى / أثر الغياب لا يزول..

لا تنتبهوا لخيالاتي لأن لمى ما زالت تنزّ الذكريات:

صادروا جوالي وجهاز اللابتوب خاصتي، وفتشتني بدقّة إحدى المجندات في جيش الاحتلال.

من الصعب استعادة تلك اللحظة، وأنا أحاول أن أستعيد تلك المتناقضات التي كانت تضجّ في صدري ويصعب عليّ شرحها.

كنت أودع زوجي وأطفالي كأني أخرج في مشوار قصير وأنا أعلم أني ذاهبة إلى المجهول الأسود.. كنت أعانقهم وأريد أن أحتفظ بروائحهم في داخلي، وكلما كنت أبتعد عنهم واحداً واحداً كنت أبتعد عن قطع من روحي.. كنت أدرك في أعماقي أن تبعات هذا الغياب لن تكون سهلة عليهم ولا عليّ.

ابني الأصغر يحيى كان طفلاً لم يتجاوز العامين، لم يكن يفهم ماذا يعني جيش الاحتلال، ولا يفهم ماذا يعني أن يكتظّ بيتنا بالجنود المدججين بالسلاح والخوف والصراخ، كان يقف بينهم حائراً وصغيراً جداً؛ وفي الوقت الذي كنت أجهز نفسي وأودع إخوته وأباه رأيته يركض بين أقدام الجنود مسرعاً إلى الباب، لم يكن يفهم ماذا يدور حوله، كان ينتظرني عند الباب كي يخرج معي “مشوار”!

هذه اللحظة مزقت روحي، مزقت ما تبقّى من قدرة على لجم الخوف والحزن. استوقفته، حضنته، شممته وأنا أعرف أنه صغير جداً لأتركه من دون أم.. كيف أشرح لهذا الصغير أني سأذهب إلى المجهول!

كانت ابنتي بيسان تراقب كل ما يحدث، فالتقطت صورة انتشرت فيما بعد لأم تحضن صغيرها وهما محاطان بجنود الاحتلال في بهيم الليل، كانت هذه الأم هي أنا، وذلك الصغير هو يحيى.

لحظة اعتقال لمى خاطر. المصدر: موقع “الرعد نيوز” 

كانت مشاعري مختلطة وموجعة، وسؤال واحد يدور في ذهني: متى سأعود إلى بيتي وأولادي؟!

مَن سيؤمن حاجاتهم، مَن سيتابع دروسهم، مَن سيملأ مكاني، وكيف وكيف؟؟!

لم أكن أرى أفقاً لعودتي.. كل خطوة أخطوها في اتجاه الباب كانت تبعدني عن أولادي وعائلتي أكثر.. كانت هذه الخطى تغذي السير نحو الفراغ.

كان عليّ أن أخفف عنهم وأشد من بأسهم.. استجمعت نفسي، وتجردت من مخاوفي كلها، أو على الأقل هكذا تظاهرت. تعاملت مع جيش الاحتلال بقوة لا بجزع لأني أعرف أهمية التماسك أمام جيش يعرف أنه بالنسبة إليّ عدو، ولا يمكن أن أسمح لنفسي بأن يشعر هؤلاء الجنود المدججون بالسلاح بضعفي أو استكانتي أو جزعي، فإيماني بقضيتي هو سلاحي.

لحظة اعتقال جنود الاحتلال لنا هي معركة بحد ذاتها، هي معركة إرادات.. معركة يستقوي فيها الاحتلال علينا. تماسكت، ولملمت شتات روحي؛ ودّعت أبنائي وحضنت صغيري وأنا محاطة بعشرات الجنود، وبدأ مشوار الاعتقال في تلك اللحظة.

دخلت الحفرة السوداء.. دخلت بئراً بلا قاع، ولم أعد أعرف إلى أين المصير؟

على الرغم من معرفتي النظرية بتجربة الاعتقال، فإن وقع هذه التجربة على الإنسان هو شيء آخر، فالمعايشة الذاتية لهذه التجربة تختلف عن جميع ما يُقرأ أو يُسمع!

حين أتذكر تلك اللحظة والمشاعر التي عشتها، أستغرب كيف استطعت أن أتماسك، وكيف تحملت غيابي وأكملت عاماً وأنا في الأسر! وربما أستطيع أن أقول إن الإيمان برسالة ما أو قضية يُوجِد دعائم التّماسك في تلك المحنة وهذه التجربة.

خلال عملي قبل الاعتقال كنت أعرف أن وقتاً سيأتي وسندفع فيه الثمن والضريبة لإيماننا بقضيتنا، فإن تجربة الاعتقال هي اختبار لمبادىء الإنسان. صحيح أن الخوف كان يتملكني من المجهول، لكن الإنسان سرعان ما يمتلك زمام أمره ويطرد هذه الهواجس ويحاول أن ينتصر على مشاعره الإنسانية البسيطة والفطرية، وهنا يصير الخوف مواجهة مع الاحتلال، بل انتصاراً عليه.

صعدت إلى مركبة ناقلة الجند، وأنا أعرف أن هذه المركبة ستأخذني إلى عالم آخر وزمن آخر.. إلى بداية النفق. كنت على يقين بأني أسير نحو تجربة صعبة، وبدأت الاستعداد لأدعم صمود نفسي وروحي في معركتي التي كانت تنتظرني.. معركتي مع السجان.

عاهدت نفسي على أن أصمد وأتحداه وأنا أسيرة في سواد سجونه وأقبيته.

الإيمان بالله جل وتعالى قوّى من عزيمتي، فكان العامل الروحي عاملاً مهماً وداعماً لي في تجربتي.

رحلتي إلى السجن استغرقت ما يقرب من 12 ساعة.

اعتُقلت في الثانية فجراً، وفي الثانية ظهراً كنت في غرفة التحقيق.

بعد أن صعدت إلى ناقلة الجند أخذوني إلى منطقة مجهولة، لكني قدّرت أنها في معسكر كريات أربع القريبة من مدينة الخليل.

أجلسوني في العراء، في منطقة مفتوحة، وكنت محاطة بعدد كبير من المجندين والمجندات.

في البداية لم يلتفت إليّ أحد، كأني غير موجودة!

كان هذا جزءاً من التعذيب والضغط النفسي الذي مورس عليّ.

كنت في هذه اللحظات أعيش مع نفسي، أترقب وأحاول أن أفهم ما يجري حولي. سمعت آذان الفجر، فقدّرتُ أني في مكان قريب من مدينة الخليل.

بقيت في مكاني حتى السادسة والنصف صباحاً إلى أن بلّغوني أنهم سيعرضوني على استخبارات الاحتلال في مركز عتصيون شمالي الخليل قرب بيت لحم.

تم نقلي إلى هناك وأُدخلت إلى غرفة صغيرة وضيقة جداً، حيث تركوني مقيدة في مواجهة الحائط لثلاث ساعات. كنت أسمع أصوات بعض الجنود خلفي، لكنهم لم يتوجهوا إليّ بالكلام، وكان هذا جزءاً من ممارسة الضغط النفسي عليّ. لم تتوقف الأفكار عن مداهمة عقلي، وإنما كانت تمر في ذهني صارخة واضحة باهتة هامسة.

بعد ثلاث ساعات جاءت مجندة أخذت مني بياناتي الشخصية، ثم أوثقوا القيود في معصمَيّ وقدمَيّ وساقوني إلى حافلة نقل المعتقلين.

حافلات نقل المعتقلين هي على أنواع، كلها سيئة، لكن هذه كانت الأسوأ على الإطلاق.

داخل الحافلة توجد زنزانات حديدية صغيرة، تتسع فقط لكرسي حديدي في داخلها، وهي معتمة وفيها ثقوب صغيرة تطل على الخارج؛ إنها أشبه بقبر حديدي يتحرك في الحافلة، ويسدّ منافذ الحياة.

أجلسوني على الكرسي الحديدي موثوقة اليدين والقدمين لمدة ساعتين. كان هدير الحافلة يعلو، ويعلو معه صوت موسيقى صاخبة يصمّ الآذان. خلال هاتين الساعتين لم أستطع التركيز على أي شيء، كان كل ما يمر في ذهني هو أفكار متناثرة يشلّها صخب الموسيقى، ويرميها هدير المحرك!

تحركت الحافلة بعد ساعتين، وكانت تتلوى مع التواء الشوارع والمنحدرات، الأمر الذي جعل رأسي يرتطم بالحديد؛ مع مرور الوقت استجمعت نفسي وبدأت أحاول أن أستكشف المكان. توقعت أنه ربما نتقدم في اتجاه سجن عوفر شمالاً، أو ربما نحو عسقلان جنوباً.

كان لزاماً على الحافلة أن تتحرك نحو رام الله إن كان مصيري سجن عوفر، وهي مسقط رأسي ومدينتي، وكنت سأتعرف إليها حتى من ثقوب لا تتيح أي رؤية، لكن كل ما كنت أراه في هذا الطريق كان مبهماً وجديداً.

إذاً أنا في الطريق إلى سجن عسقلان.

وصلت إلى مركز التحقيق في عسقلان قرابة الثانية ظهراً، وهناك بدأت رحلة طويلة من التحقيق والعذاب استمرت 35 يوماً.

لحظة وصولي إلى عسقلان تم أخذ بياناتي، وأُدخلت فوراً إلى غرفة التحقيق حيث بقيت حتى الثالثة فجراً.

كنت مقيدة على الكرسي “مشبوحة”، وبدأ المحقق باستجوابي قائلاً: نحن لم نعتقلك بسبب كتاباتك، وإنما بسبب الاتهامات الأُخرى المتعلقة بالنشاط التنظيمي، والعضوية في تنظيم محظور، وممارسة نشاطات ميدانية ومدنية وسياسية، إلخ.

رفضت التهم الموجهة إليّ، فعمد المحقق إلى تصعيد العذاب، وزاد في مدة التحقيق التي وصلت إلى 20 ساعة متواصلة، من السابعة والنصف صباحاً حتى الثانية والنصف فجراً؛ وفي إحدى المرات تم شبحي من السابعة صباحاً حتى الرابعة فجراً.

بعد التحقيق كنت أُساق إلى الزنزانة، وبالكاد كنت أستطيع النوم لساعتين قبل أن يتم إيقاظي لتناول وجبة إفطار رديئة، ثم يعيدوني إلى غرفة التحقيق. بقيت على هذا المنوال طوال فترة التحقيق.

كان واقع الزنزانة سيئاً جداً، فمساحتها لا تتجاوز متراً ونصف متر عرضاً ومترين طولاً، وجدرانها طويلة وخشنة وقذرة للغاية، ويوجد فيها فرشة رقيقة وبطانيتان، واحدة كنت أستخدمها كوسادة والأُخرى كنت أتغطى بها. كانت البطانية قذرة ككل شيء حولي وتفوح منها روائح كريهة؛ المرحاض موجود داخل الزنزانة، وفيه صنبور ماء يعمل بآلية تدوم 5 ثوانٍ فقط بعد الضغط عليها ثم تتوقف المياه، فأعود وأضغط مرة أُخرى، وهكذا.

كانت المياه باردة جداً، وكانت الزنزانة أشبه بثلاجة، فمع أني اعتُقلت في الصيف، إلّا إن درجة حرارة الزنزانة كانت تحت الصفر، وكان البرد ينخر عظامي، ولم يُفتح باب هذه الزنزانة إلّا لاستدعائي إلى التحقيق، أو لإدخال الطعام.

هذه الحالة من الإجهاد الجسدي والنفسي سببت لي أوجاعاً شديدة في الظهر والرقبة، وكان الحرمان من النوم من أقسى أنواع التعذيب التي مورست عليّ.

كان التعب يهدّني، ومع مرور الوقت كان الجسد يتهالك والروح تتداعى، ولعدة مرات كدت أفقد الوعي، إذ لم أكن أستطيع الوقوف ولا الكلام ولا الجلوس، فقد كنت ممنوعة من أن أرتاح أو أن أفك قيودي كي أنام.

كان المحقق يقايضني: إذا أردت أن ترتاحي ما عليك إلّا أن تشيري بيدك وسأنزلك من غرفة التحقيق، وأفك قيودك فوراً لتعودي إلى الزنزانة وتنامي، وسنحقق معك ساعات أقل، لكن بعدها عليك أن تعترفي.

جعل هذا العرض مراراً وتكراراً ظروف التحقيق أكثر صعوبة وقسوة، وفي كل مرة كان يتم ابتزازي بهذه الطريقة لكني كنت أرفض. كانت ظروف الزنزانة تزداد سوءاً، فالمرحاض كان يفيض، وتزداد برودة الزنزانة وقذارتها بحيث تغمر المياه العادمة أرض الزنزانة، حتى وصلوا إلى مرحلة قطعوا فيها الكهرباء وعشت في ظلام دامس جعل الحركة صعبة عليّ.

كان المحقق يهددني باعتقال أبنائي وزوجي، وكان يُحضر لي مشاهد تلفزيونية لابني الأصغر كي يرقّ قلبي وأنهار.

التحقيق في الليل كان شيئاً آخر؛ كان مليئاً بالصراخ والشتائم المؤذية والبذيئة والقذرة، وبالتهديد بأن أمضي 6 أشهر أو أكثر في التحقيق، وأنه لن يتم إخراجي إلّا في حال اعترافي.

كانوا يهددونني بكل عنصر من عناصر حياتي: أولادي وزوجي، ومستقبلي، وكل شيء؛ كانوا يهددونني بأنه حتى لو خرجت من السجن فإنهم سيخربون حياتي من خلال منعي من السفر، وهو الإجراء المتخذ ضدي منذ سنة 2012، لكن الجديد أنهم كانوا يهددونني بأني وأبنائي سنُمنع من السفر في حال احتاجوا إلى العلاج، أو إلى استكمال دراستهم.

مع طول مدة التحقيق وعدم رؤية أي شيء سوى وجوه السجانين والمحققين القبيحة تشكّل لديّ إحساس بأن هذه الفترة لن تنتهي، وأنني لن أتجاوز هذه العذابات؛ كانت الآلام لا تنتهي، وبدا كل شيء كأنه أبدي وحلقة مستمرة من وجع لا ينتهي.

الآن، حين أتذكر تلك العذابات، أشعر بأن هذه الآلام ما زالت طازجة في روحي. قد يتمكن أي أسير أو أسيرة من نسيان عذاب الجسد، لكن الآثار النفسية والأوجاع التي خلّفتها تلك التجربة لا تزال تدقّ الروح، وتحفر عميقاً، إلى درجة أن أي موقف صغير في الحياة العادية، يذكّرني بلحظة موجعة في زمان آخر في غرفة التحقيق أو الزنزانة؛ فيوم أرقٍ واحد أعيشه يذكّرني بعذابات الزنزانة وأنا متعبة وجسدي متهالك. كيف لي أن أنسى!

لا يمكن أن أنسى كيف جرى اقتيادي إلى المحكمة لاستئناف عملية التحقيق، وهذا بعد أسبوع من اعتقالي، إذ كان المحقق حريصاً على أن يتم أخذي إلى المحكمة وإرجاعي بسرعة، كي لا تصبح هذه المدة متنفساً لي. وصلت إلى سجن عوفر بعد رحلة مضنية في الحافلة، ويومها رأيت انعكاس صورتي على زجاج إحدى النوافذ في المحكمة، فتفاجأت من منظري، كأني لست أنا؛ كان وجهي منهكاً ومهدوداً من التعب، ومن بعيد رأيت أمي وزوجي في قاعة المحكمة، ومن بعيد أشارا إليّ: كيف حالك؟

مجرد أن رأيتهما شعرت بأن دموع العالم تقف في حلقي، أشرت بيدي إليهما أني بخير، ولو نطقت بحرف واحد كنت سأبكي. بلعت غصتي كي لا يرى السجان دمعتي، وأشحت بعيوني عنهما، واستمرت محكمتي دقائق قليلة جداً ثم تم إرجاعي إلى التحقيق. هذا المشهد من المستحيل أن أنساه، وكلما تذكرته أذكر وقعه في نفسي، فقد كان عليّ أن أبتلع وجعي وأقف في وجه السجان صامدة، صامتة.

من أكثر الأيام وجعاً وثقلاً على قلبي وروحي كان التحقيق معي في يوم عيد الأضحى في سنة 2018، فقد كان المحقق يصيح ويهددني باعتقال ابنتي الكبرى، بينما كان تفكيري كله يتركز على كيفية مرور هذا العيد عليهم، أين أنا وأين هم!

السجان هو خليط مركب، يريد ممارسة دوره كي يحصل على ترقية من جهاز الشاباك، ويريد أيضاً تحصيل إنجازات على المستوى الشخصي والنفسي؛ فأي اعتراف ينتزعه يُحسب له إنجازاً، إذ حين يجبر الضحية على الاعتراف فإن هذا معناه أن لديه خبرة في كيفية استخدام الضغط النفسي. وهذا الشخص المدرب على طول النفس والمناورة، يُخرج، في لحظة من اللحظات، أسوأ ما لديه سواء بالكلمات القذرة، أو الأساليب المهينة التي تُظهر الوجه الحقيقي للاحتلال، وهو وجه لا يمكن رؤيته إلّا من خلال السجن، وخصوصاً في أثناء التحقيق.

السجان أو المحقق يحاول أن يهدم الإنسان داخلياً من خلال المسّ بمقدساته وأعرافه وعاداته وتقاليده ولغته، فيبدأ بالإساءة إلى الإسلام ووصمه بأنه دين التطرف والإرهاب، ثم يستهزىء بالفلسطينيين، وفي المقابل يحاول إظهار التفوق الإسرائيلي.

ومن المفارقات الغريبة التي حدثت معي خلال فترة التحقيق تعرضي لإجهاد جسدي شديد كدت أفقد وعيي من شدته، فجرت إحالتي على الطبيب في أثناء التحقيق، والذي أعطاني حبة قال إنها مسكن، وبدلاً من أن يمنحوني لحظة كي أستعيد أنفاسي أعادوني إلى الشبح في غرفة التحقيق فوراً!

كان السجان يتلذذ بأن يراني أمامه مجهدة ومنهكة، وكان يراهن على انهيار جسدي كي تنهار روحي وأتهالك أمامه وأعترف بجميع التهم ويحطمني من الداخل، إلى درجة أن أحد المحققين قال لي سألفق لك تهمة عسكرية؛ التغلب على الضعف الجسدي لم يكن خياراً سهلاً، فالإنسان في النهاية يبقى إنساناً له قدرة على الاحتمال، وثمة لحظات يمكن أن يضعف فيها، ويتمنى ألّا يكون في هذا المكان، لكني كنت أواجه ضعفي بالعودة إلى الله، وكان ذلك يساعدني في تقوية نفسي وروحي وجسدي.

بعد 35 يوماً خرجت من التحقيق من دون أن أخضع للسجان، ومن دون أن أحقق إرادته، ومن دون أن أعترف بأي تهمة من التهم الموجهة إليّ.

كان يقول لي في أثناء التحقيق: أمامك خياران، إمّا الاعتراف وإمّا الاعتراف، أمّا أنا فكنت أهمس لنفسي ليس أمامي خيار سوى الصمود أو الصمود!

كنت دائماً في حرب مع جسدي في الدرجة الأولى، وحرب مع نزعات الضعف في داخلي؛ حرب مع المحقق، وحرب مع دولة الاحتلال؛ كنت أتطلع إلى اللحظة التي سأخرج فيها منتصرة أمام السجان وعنجهيته، ولهذا كان لا بد لي من أن أدرك فلسفة الزمن، فالزمن على الرغم من طوله وبطئه، فإنه غير متوقف في غرفة التحقيق، فكل ثانية تمضي، وكل دقيقة تمضي، هما أيام تضاف إلى رصيدي وتُخصم من رصيد السجان.

لحظة خروجي من التحقيق كانت أكثر اللحظات التي شعرت فيها بالنصر الكبير، إذ خرجت من دون أن أعترف بأي تهمة. وفرحة الخروج من التحقيق في تقديري لا تعادلها أي لحظة أُخرى، فعلى الرغم من معرفتي بأني ذاهبة إلى السجن، فإن شعوراً غامراً بالانتصار تملّكني.

في أواخر سنة 2018 أخذت إدارة مصلحة السجون قراراً بنقلنا إلى سجن الدامون حيث وُضعنا في قسم تم تجميعنا فيه، وحاولوا أن يوزعونا على الغرف بناء على معطيات لديهم. رفضنا هذه الآلية في التوزيع واعتصمنا في ساحة السجن، وبلّغنا إدرة السجن أننا في اعتصام مفتوح إلى أن يتراجعوا عن هذا القرار ويكون توزيعنا بناء على رغبتنا؛ أدخلوا علينا القوات، وهددونا بالعزل والضرب، لكنّا بقينا على موقفنا، واستمر هذا الاعتصام من العاشرة صباحاً حتى المساء إلى أن تمّت الاستجابة لمطالبنا.

لا يهدف الاحتلال من سجننا إلى إجبارنا على قضاء فترة عقوبة فقط، بل يسعى أيضاً لأن يجعل هذه الفترة فترة هزيمة نفسية ومعنوية للأسرى؛ فترة لخلخلة اليقينيات، وليتمكن من غسيل الدماغ؛ فترة يشعر فيها الأسرى بالأذى النفسي والجسدي بحيث يتوقفون عن المضي في الدرب الذي سلكوه. وإذا لم يحقق الأسير ما يبتغيه السجان، فإنه يكون بعد خروجه من السجن قد انتصر على السجان وعلى الاحتلال.

كان السجن فرصة لنا لتحصين أنفسنا ولنراكم خبراتنا المعرفية، فكل لحظة داخل الأسر كنا نستغلها لبناء أنفسنا وذواتنا معرفياً وثقافياً وفكرياً وعلمياً؛ كنا ننظم دورات ثقافية وعلمية وفكرية ودينية ونقوم بنشاطات متنوعة ترفيهية، الأمر الذي كان يساعدنا في التخفيف من صعوبة السجن. فالشعور بأننا ننجز ونتقدم أكثر في المعرفة كان يخفف من وقع السجن على ذواتنا روحياً ونفسياً.

الصعوبات التي تواجهها الأسيرات في سجون الاحتلال كثيرة ومتعددة ومتنوعة، وفي البداية نستطيع القول: حادثة الاعتقال بحد ذاتها هي حالة تصادم مع خصوصية الإنسان، وهي صدمة تمتد من لحظة الاعتقال حتى إطلاق السراح والحرية؛ ظروف التفتيش فيها كثير من الامتهان للإنسان، إذ يتم التفتيش في بعض الأحيان بشكل عارٍ تماماً، والأسيرات لسن استثناء في هذا الإجراء؛ ظروف النقل في البوسطة تتم في وضعيات قاسية وصعبة ولساعات طويلة، وهي جزء من عمليات تعذيب وانتهاك للإنسان؛ ظروف التحقيق لا تراعي خصوصية المرأة ولا حاجاتها الأساسية؛ حتى في الملبس كنا نعاني، فسلطات السجن لم تكن تسمح لنا بالاحتفاظ إلّا بعدد محدد من الملابس، وكل قطعة يجلبها الأهل يتم في مقابلها إخراج قطعة من الملابس القديمة، ومع دخول أسيرات جديدات إلى السجن كنا نعاني شحّاً في الملابس، فكل عنصر من عناصر الحياة هو مصدر للمعاناة والألم داخل المعتقل.

ومن المشكلات التي تعاني جرّاءها الأسيرات وجود كاميرات في ساحة السجن في وقت الفسحة أو “الفورة”، وهذه المشكلة تظهر آثارها بجلاء لدى الأسيرات المحكومات بـ 15 عاماً أو أكثر، إذ يمر على هؤلاء الأسيرات أوقات طويلة جداً من دون أن يتعرضن لأشعة الشمس بسبب هذه الكاميرات التي تخرق الخصوصية وتتلصص على حركاتنا وسكناتنا ونحن نقبع وراء الجدران.

سجن الدامون كان قديماً جداً وقد عانينا فيه كثيراً، عدا أنه، كمكان وكنمط حياة روتيني، يُثقل على الإنسان، فكل يوم هو تكرار لما سبقه من الأيام. بناء السجن قديم، وتمديداته الكهربائية متهالكة، إلى درجة أن كثيرات من الأسيرات تعرضن للصعق بالكهرباء، ولم تُصلح إدارة السجن هذه التمديدات إلّا بعد اتخاذنا خطوة نضالية في ساحة السجن.

كانت مفردات السجن كلها تحاول أن تقهر أنفسنا وأرواحنا.

في السجن كنا نعاني جرّاء الحرمان من التواصل مع الأهل إلّا من خلال الزيارات، وحتى الزيارات في بعض الأحيان كان يتم منعها كإجراء عقابي.

ظروف الزيارة بحد ذاتها هي عذاب للأسيرات وللأهل على حد سواء، إذ كنا نلتقي إمّا كل أسبوعين، وإمّا كل شهر، لـ 45 دقيقة، وكان يفصل بيننا حاجز زجاجي، فكنّا نتواصل مع الأهل من خلال الهاتف. ومع وجود هذه الحواجز كلها كانت الزيارة بلا طعم ولا لون، فهي تشعل الشوق ولا تطفئه.

الزيارة الأولى كانت بعد شهرين من اعتقالي، وعندما رأيت بناتي بكيت كثيراً. لم أكن أريد أن أبكي، لكني بكيت وبكت بناتي، وكثرة الشوق أربكتني وأنستني أسئلتي. رؤيتهم لأول مرة عززت شوقي وأشعلته، لكني في المرات اللاحقة شعرت بأن هذا الشعور هو شعور الزيارة، وأن ما بعد الزيارة، شوق لا ينتهي، ولهفة لا تنطفىء.

في الزيارة الخامسة آلمني الصغير يحيى، شعرت بأنه بدأ ينساني.

لم يتكلم قط في الزيارة، وما سمعت صوته، ربما كان مستغرباً من الهواء الثقيل المحيط بنا، فكل شيء حوله لم يكن مألوفاً.

الجانب الآخر المتعلق بالأبناء هو ابني الأكبر أسامة الذي زارني مرة واحدة فقط في فترة اعتقالي، ويومها كان رئيس طلبة جامعة بيرزيت؛ في الزيارة بكى أسامة وبكيت لبكائه، وتذكرت أن آخر مرة رأيته يبكي فيها لم يكن عمره قد تجاوز الخمسة أعوام، وذكّرني بكاؤه بإحساسي حين تلمست أمومتي لأول مرة بعد الولادة وأنا أسمع صوته وصراخه وبكاءه.

المحاكمة بدأت بعد انتهاء فترة التحقيق، وقد حضرتُ ما يقرب من عشر جلسات، لكن هذه المحاكمة وإجراءاتها شكلية، وهي تمارس نوعاً من الابتزاز في ظل عدم اعتراف الأسيرة، وتُلزم الأسرى بأن يقرّوا بلائحة الاتهام الموجهة إليهم، لكننا كنا نعلم أن أحكامنا جاهزة قبل النطق بالحكم. وبعد جلسات ورحلات مضنية ومتعبة إلى المحكمة حُكمت بأن أُمضي 13 شهراً فعلياً في السجن، ودفع 4000 شيكل غرامة.

الإشكالية في هذه المحاكمات كانت رحلة الحكم ورحلة المحكمة، فقد كنا نخرج في السادسة صباحاً ونرجع في بعض الأحيان في العاشرة ليلاً، وكنا نمضي يومنا على الطريق في رحلة البوسطة المضنية والمتعبة، وفي غرفة الانتظار؛ كانت غرفة الانتظار عذاباً في حد ذاتها، وكنا نسميها غرفة ثلاجة الموتى؛ يوم المحاكمة كنا نلبس أكثر من طبقة كي نتمكن من الجلوس في هذه الثلاجة، وكنا في بعض الأحيان ننتظر 6 ساعات حتى يحين موعد المحاكمة، ثم يتم اقتيادنا فنجلس في المحكمة لدقيقتين أو ثلاث دقائق، وإذا حالفنا الحظ نتمكن من مشاهدة أحد أفراد عائلتنا من بعيد، وبعدها يتم إرجاعنا إلى سيارة البوسطة في الطريق إلى السجن. كنا نمضي هذا الوقت كله مقيدي الأرجل والأيدي، وفي غرفة الانتظار كانوا يفكون قيد الأيدي فقط، وكنا نتجنّب الأكل أو الشرب في هذا اليوم كي لا نضطر إلى الدخول مقيدي الأقدام إلى حمام غرفة الانتظار القذر جداً.

طوال فترة اعتقالي لم يغادرني الحلم بالحرية، وقد بدأ هذا الحلم منذ اللحظة التي غادرت فيها منزلي، ووضعوا القيود في يدَيّ؛ في البداية كنت أشعر بأن الحرية بعيدة ولن تأتي، وخصوصاً في فترة التحقيق، لكن فيما بعد، كلما انقضى يوم وأنا داخل السجن كنت أشعر بأن الحرية باتت إليّ أقرب.

الأمور الصغيرة التي كانت تمر في حيواتنا بشكل طبيعي ولا نلتفت إليها تصبح داخل السجن حلماً كبيراً، فأنا شخص بطبيعتي لا أحب الضوضاء والفوضى، وأحب الجو الساكن الهادىء، لكن في السجن، كنت أشتاق إلى ضوضاء الشوارع والسيارات، وإلى أصوات العصافير، وإلى كل صوت يمد حبلاً مع الحياة.

حين كانوا يأخذوني إلى المحكمة في البوسطة، كنت أنظر من الثقوب الصغيرة فأرى سيارات وأناساً يمشون في الشوارع، وكنت أغبطهم، إذ مجرد أن يمشوا في شوارع بلا جدران، هي نعمة كبيرة، فالأحلام هي أحلام الحرية بجميع متعلقاتها، وببساطة قد تكون متعلقة بالصحو والنوم وقتما أرغب، وبأن آكل ما أريد وأشتهي. كنا بعد الفجر نصلي، ثم نستيقظ للعدد وكان هذا يتكرر يومياً، والعدّ كان يصير ثلاث أو أربع مرات يومياً. هذا النمط من الحياة داخل السجن، كان كئيباً ويُشعر أي شخص بالضيق لتكراره وتذكيره في كل لحظة من لحظات يومه بأنه أسير يعيش ضمن جدران مقيتة.

كنت أفكر في أبنائي، في حالهم، في ظروف حياتهم من دون وجودي، كيف يدرسون، كيف يأكلون، كنت أفكر في تفصيلات حياتهم كلها، وكنت أنسى نفسي وما أعيشه، وأفكر فيهم.

كنت مشتاقة إلى الحرية، مشتاقة إلى عائلتي، مشتاقة إلى حياة بلا جدران، إلى درجة أني في آخر شهر لي في الاعتقال، بدأت بعدّ الأيام وشطبها يوماً وراء يوم. كان لديّ شعور مفعم بالأمل والحلم والشوق والفرح الكبير، لكن قبل الإفراج عني بـ 25 يوماً عرفت بخبر اعتقال ابني أسامة، وكان خبراً صادماً أدمى قلبي مع أني كنت أتوقع ذلك كونه ناشطاً طلابياً، لكن كنت أتمنى أن تتأخر لحظة اعتقاله.

ما زاد في صعوبة هذا الاعتقال أنه أصيب في أثناء الاعتقال، إذ هاجمه أحد الكلاب البوليسية الذي نهش لحمه وتركه مصاباً، ودخل في التحقيق فوراً.

في الأيام الأخيرة لي في السجن، كنت غارقة في التفكير في ابني المعتقل، وأنا أعي ظروف التحقيق التي يعايشها، وكنت أتخيل وأعرف ما يعانيه، الأمر الذي زاد في إحساسي بالعجز والمرارة. كنت أخشى من أن يمر وقت طويل قبل أن أعود وأراه مرة أُخرى، وكنت أمضي هذه الفترة وأنا أكتب له كل يوم رسالة، وأحكي له أنت الآن في غرفة التحقيق، في الزنزانة، على الكرسي… كانت هذه التفصيلات تنسج مع الذاكرة حكاية ألم ولدي من جديد.

يوم إطلاق سراحي هي لحظة الحرية ولحظة ولادة جديدة.

في اللحظة التي نزلت فيها من سيارة البوسطة، وتركوني من دون قيود أو سجان يرافقني، أدركت كم أنا حرة!

لكن للأسف لم تكتمل فرحتي بسبب اعتقال ابني أسامة.

أهلي وعائلتي وأصدقائي كانوا ينتظرونني عند حاجز الجلمة في جنين، لكن سلطات الاحتلال أنزلتني عند حاجز سالم وهو بعيد عن حاجز الجلمة ما يقرب نصف ساعة بالسيارة.

نزلت عند حاجز سالم، ولم يكن هناك أحد في انتظاري! وهذه من الأمور التي حاول الاحتلال من خلالها التنغيص علينا وإفساد فرحة الحرية.

مشيت وحيدة من دون هاتف ولا أي قدرة على التواصل مع أي أحد، ثم رأيت سيارة، فطلبت من صاحبها أن يسمح لي باستخدم هاتفه الجوال. اتصلت بزوجي وأخبرته أني عند حاجز سالم، فتبرع السائق بأن يوصلني إليهم.

تكرر الأمر عندما تحرر ابني أسامة من السجن، فقد كنا نتحرك من حاجز إلى آخر، وبدّلنا الحواجز ثلاث مرات، حتى تم الإفراج عنه من سجن عوفر.

وعلى الرغم من هذه التنغيصات فإن لحظة الحرية هي لحظة ولادة ينسى فيها الأسير أوجاعه السابقة كلها، وجميع تفصيلاتها. كان الشوق إلى رؤية السماء والهواء كبيراً، أن أرى وجوه الناس وكلامهم يتناثر في الطرقات، السيارات والشوارع، الأشجار والطبيعة، فقد كنت مشتاقة إلى هذه الأمور كلها، وكنت بحاجة إلى أن أعيش هذه اللحظة بتفصيلاتها كافة.

رأيت أبنائي وزوجي ووالدي ووالدتي وإخوتي وأخواتي، وكان معهم عدد من الأصدقاء والمعارف، فالكل كان في انتظاري، وكانت لحظات جميلة ورائعة. اللقاء كان مليئاً بالشوق والدموع، دموع الفرح، لكنها كانت أيضاً دموع افتقاد ابني أسامة. كانت لحظات لا تُنسى، وكان بيننا كثير من الكلام الذي قطعته الدموع. لم يكن بيننا جمل، كان الشوق هو الكلام، والدموع هي المعنى.

كانت لحظة مواجهة الحرية تحتاج إلى وقت كي أستوعب أني أعيشها، وأنني عدت إلى أهلي وبيتي وعائلتي وأصدقائي، عدت إلى الحياة.

الحلم الذي كان يراودني في الأسر وما زال حتى الآن، هو تبييض [إفراغ] السجون. صعب الشعور بأني خرجت وتركت رفيقات شاركتهن كل شيء، شاركتهن الهمّ والحلم والفرح، وكنت قادرة على أن أرى عمقهن، إلى درجة أننا حتى الآن حين نجلس معاً نشعر بأننا في عالم خاص بنا نستطيع فيه أن نستحضر ذكرياتنا ومعانيها وأثرها في كل واحدة منا، فرفقة الأسر قيّمة، وكان عزيزاً على قلبي أن أخرج وأترك ورائي صديقاتي ورفيقاتي الأسيرات.

من الأسيرات اللواتي لن أنساهن نورهان عواد، محكومة 13 عاماً أمضت منها 5 أعوام. نورهان تشهد دخول وخروج كثير من الأسيرات، لمدد متعددة، وهي تستقبل وتودع أفواجاً من الأسيرات، وكانت كلما تحررت أسيرة تقول جملة مشهورة من أغنية جوليا بطرس، يرحلون ونبقى، فالأسيرات يدخلن ويخرجن وأنا أظل في الأسر!

التقيت في الأسر بكثير من الأسيرات القاصرات اللواتي اعتُقلن في عمر 15 – 16 عاماً وكبرن داخل السجن؛ هؤلاء تفتّح وعيهن على تفصيلات السجن ويومياته، فلم تعد ذاكرتهن تحكي سوى عن هذه التجربة وهذه التفصيلات. وهؤلاء الأسيرات مهما يكبرن في العمر فإنهن يبقين في نظرنا وفي نظر أنفسهن طفلات صغيرات، فتيات بحاجة إلى رعاية، ويعزّ علينا أننا خرجنا وتركناهن وما زال أمامهن أعوام طويلة في الأسر.

ثمة عبارة كنت أكتبها على دفاتر الأسيرات كذكرى، “أنا وحدي دولة ما دام عندي الأمل”، للشاعر أحمد مطر، فالتّمسك بالأمل أهم سلاح كنت أحتاج إليه ويحتاج إليه الأسرى كي يجابهوا عتمة السجن وقسوة الأيام الطويلة التي تبدو أنها لن تنتهي، لكنها في نهاية المطاف تنتهي.

في أمل

اختار مخلص أن يجيب على أسئلتي عبر رسائل مكتوبة قطعتها مشاغله والتزاماته الكثيرة، وخصوصاً متابعة صحة الوالدة أطال الله في عمرها، هذه الأم التي أمضت أعوام سجن مخلص المديدة رافعة صورته وقضية الأسرى في كل محفل ومناسبة ومكان. كانت ليلى برغال “أم محمد” أُمّاً لجميع الأسرى، يعرفونها ويعرفون صبرها، وكانت محطة لا بد لكثير منهم من المرور إليها حين يدلفون إلى عالم الحرية بعد أعوام اعتقال طويلة.

كان مخلص حريصاً على أن يوصل صوته ورسائله مع أنه استغرق عدة أيام حتى تمكّن من لمّ شتات الذكريات وإعادة صوغ الحكاية كاملة؛ وصلت أعوام سجنه إلى عمر بأسره أمضاه في سجون الاحتلال وزنزاناته ووصل إلى 28 عاماً، ومع ذلك ما زال الأمل زاده…

يعرّف عن نفسه بتواضع شديد، وأنا أحسّ برهبة تتملكني أمام عمر تعشّق بالتضحية، أمام شموخ بقي وراء القضبان محافظاً على نقاء جغرافيا وتاريخ غلّف جدار القلب اسمه فلسطين.

اسمي مخلص أحمد برغال، أعرّف عن نفسي بأني عربي فلسطيني من مدينة اللد، مؤمن بحقّ شعبي في أن يعيش في وطنه حراً كريماً صاحب سيادة، أسوة بشعوب الأرض كافة.

اللد مدينتي وبيتي المنكوب منذ سنة 1948 حتى يومنا هذا؛ هذه المدينة التي كانت آخر المدن التي سقطت في يد الاحتلال الصهيوني.

بعد النكبة لم يبقَ من أهالي اللد سوى 500 فرد، علاوة على 500 آخرين من موظفي مصلحة القطارات في حي المحطة.

أمضيت من عمري نحو 28 عاماً في السجون الإسرائيلية، ولم يفارقني للحظة واحدة الشعور بالتحدي الذي كان عنواني، وعليه بنيت جوانب حياتي كافة.

عشت وترعرعت في واقع مركب، في بيت يتواتر فيه الحديث عن حكايات النكبة، ويعظَّم العمل الفدائي ويشتعل بلهيب شعور ومدّ قومي عماده جمال عبد الناصر؛ أمّا خارج البيت فعشنا حالة اغتراب في مدينة محتلة ومغتصبة نعاني فيها جرّاء أجواء عدوانية، وشعور شديد بعدم الأمان، فضلاً عن نظام تعليمي يسعى لتشويه وعينا وإفراغنا من أي بعد وطني.

في سنة 1975 اعتُقل أخي الأكبر محمد، وحُكم عليه بالسجن أربعة أعوام، وجربت العائلة مرارة اعتقال أحد أبنائها، وقد تركت هذه التجربة أثراً كبيراً فيّ إذ انكشفت الممارسات الاحتلالية بشكلها الفاقع، معززة لديّ روح التمرد.

بعد تحرر أخي من الأسر انخرطنا في حركة “أبناء البلد” وشاركنا في تنظيم نشاطات وطنية، ومبادرات تطوعية لزرع روح التكافل بين أهلنا، وتنظيم التظاهرات في يوم الأرض وتوزيع المناشير لرفع مستوى الوعي الوطني، وحثّ المجتمع العربي على المطالبة بحقوقه الحياتية اليومية كرفع مستوى التعليم والمدارس وغيرها من الخدمات الضرورية.

نعم، كنا نؤمن بقدرتنا على التأثير والتغيير، وخصوصاً فيما يتعلق بالحفاظ على هويتنا الوطنية وتعميمها بين أبناء شعبنا في الداخل الفلسطيني.

في سنة 1982 اعتُقلت للمرة الأولى، فقد داهم عناصر قوات الاحتلال البيت في الثانية عشرة ليلاً بعد عودتي من تدريب للملاكمة مع صديق، موجّهين إليّ تهمة الانتماء إلى “تنظيم معادٍ”، وحُكم عليّ بالسجن 7 أعوام، نصفها فعليّ، ونصفها مع وقف التنفيذ.

أمضيت فترة حكمي وتحررت في سنة 1985، إلّا إن الاعتقال لم يغير من فكري ولا إيماني بقضيتي، فلم تفتر همتي ولا تغير منهجي في مقاومة الاحتلال.

في سنة 1987، وبعد مطاردة استمرت شهرين، اعتُقلت في مدينة القدس في الثالثة صباحاً نتيجة وشاية.

فور اعتقالي تعرضت للتعذيب والضرب، واضطروا إلى نقلي إلى المستشفى لوقف نزيف في رأسي، وكانت هذه اللحظات من أصعب اللحظات لأني أدركت أنهم فعلاً اعتقلوني.

كنت أدرك تماماً ما سأواجهه خلال التحقيق، فجهاز الاستخبارات كان عادة، يجهز ملفاً عن المناضل لتصميم “آلية” وبرنامج خاص للتحقيق لا تُستثنى فيه أي وسيلة لانتزاع الاعترافات، ومن ضمنها العنف الجسدي الشديد، والإرهاق ومنع النوم، والضغط النفسي في أثناء التحقيق، والضغط الاجتماعي من خلال اعتقال الأم أو الأب أو الزوجة أو أي فرد من أفراد الأسرة، كما يتم استخدام العملاء أو ما يُطلق عليهم اسم “العصافير”، وهذا الأسلوب على بساطته إلّا إنه مركّب وخطير.

ولا بد من الإشارة إلى أنه خلال فترة التحقيق فإن عدداً لا يستهان به من المناضلين سقطوا شهداء في إثر التعذيب الذي تعرضوا له.

حضر الموت بقسوته وفجاجته في فترة التحقيق وكان أمنية لا تتحقق، إذ لو كان الخيار أن يضع المحقق رصاصة في الرأس، لكان الأمر أسهل من أن يعرّضك لتعذيب تلامس فيه الموت أكثر من مرة ولا تموت.

حالة اللايقين والشك التي كان المحققون يضعوني فيها كنت أواجهها بالأمل، وأعزّي نفسي بأن هذا الألم كله سيمر كذكرى عابرة.

في أثناء التحقيق وُجهت إليّ تهمة الانتماء إلى الجبهة الشعبية، علاوة على تهمة إلقاء قنبلة يدوية على باص جنود إسرائيلي.

في المحكمة العسكرية في اللد جرت محاكمتي، وكانت هذه المحاكمة صورية، ولم تدم أكثر من جلستين، ولم أحضر الجلسة الثانية بسبب رفضي أنا ورفيقي محمد زايد الوقوف أمام القضاة، وعرفنا أنه حُكم علينا بالسجن المؤبد وفق قانون حالة الطوارىء الذي ورثته “دولة إسرائيل” من الاستعمار البريطاني.

طوال فترة وجودي في السجن كنت أحلم وأؤمن بحلمي بأن الأبواب الحديدية التي تفصل بيني وبين الحرية ستُفتح يوماً ما، مع أني أمضيت في العزل أكثر من 7 أعوام ونصف عام، فالعزل يُعتبر من أكثر العقوبات المنافية لطبيعة البشر، لأن الإنسان كائن اجتماعي، وعند عزله عن البشر فإنه يمكن أن يتشوه إلى درجة فقدان صفاته كإنسان، ويفقد اتزانه العقلي والنفسي، والذي قد يصل به إلى درجة الانتحار. ويتم العزل لعدة أسباب منها ما يتعلق بيوميات السجن، وبتقدير إدارة السجن أن هذا المناضل له دور في قيادة الأسرى وتحريضهم على مواجهة سياسات القمع التي ينتهجها السجان.

على مدار الأعوام السبعة واجهت هذا العزل باستحضار المخزون الذهني والنفسي في داخلي، فضلاً عن نسج أحلام مستقبلية تقوّي من الارتباط بالحياة، واتباع نمط حياة يومي له مردود إيجابي على النفس والروح، كالرياضة والتواصل الاجتماعي، بدءاً بالتواصل مع معزولين آخرين، وصولاً حتى إلى السجانين، ولو كان هذا التواصل محكوماً بالاحتكاك العدواني. وكانت الرسائل من الأهل والأصدقاء تساهم أيضاً في كسر هذه العزلة الطويلة.

جرّاء العلاقة الممتدة والطويلة بين السجان والأسير يدرك الأسير أن السجان مجرد أداة، فمَن يرسم السياسة المتّبعة ضد الأسرى هم السياسيون القائمون على الدولة، لكنْ في النهاية السجانون هم المنفذون لهذه السياسة، وهم مَن نتواجه معهم، وبالتالي الصفة السائدة لهذه العلاقة المديدة والطويلة هي عدوانية من الطرفين وحذرة.

مع مرور الزمن تمكّن الأسرى من فرض معادلة قريبة من الندّية مع السجان، وأدركنا مع التجربة أن الجانب الشخصي لدى السجان يؤدي دوراً ومن الممكن أن يؤثر في قراراته ومعاملته.

كنت أبني علاقتي مع العالم الخارجي من خلال الذكريات التي كنت أسترجعها بوتيرة عالية قياساً مع مَن هم خارج الأسر، وكانت الرسائل هي الجسر الذي نبنيه مع الحياة، فالكلمات كانت تصير أشجاراً ونوارس وأصدقاء وأحبة. وكانت زيارة الأهل لنا ترفع من معنوياتنا بشكل كبير، كما أن زيارة المحامين لنا كان لها دور طيب، علاوة على قراءة الصحف والكتب ومتابعة الأخبار والكتابة، والدراسة الجامعية الأكاديمية بالمراسلة، فهذه العناصر كلها كانت تصلنا بالهواء والسماء والحياة.

أمّا الآليات التي كنا نتّبعها كي نحافظ على ذواتنا فتنضوي تحت ثلاثة عناوين: الرياضة؛ الثقافة؛ العلاقات الاجتماعية. وكنا نحفظ أنفسنا باتباع نظام صارم يساعدنا على المضي قدماً في حياة لا تشبه شيئاً من الحياة.

كان لأمي حضور قوي لديّ، وكان تأثيرها بارزاً في رفع قضية الأسرى في المحافل العامة، إذ كانت تحمل صورنا في كل وقفة لأهالي الأسرى مطالبة بإطلاق سراحنا، أمّا والدي فتوفي بعد أربعة أعوام من اعتقالي، وكان خبر رحيله وأنا في الأسر علامة فارقة ومؤلمة.

كنا نخوض إضرابات عن الطعام بشكل جماعي واستطعنا تحقيق بعض الإنجازات، لكن اتفاق أوسلو كان له وقع سلبي على وحدة الحركة الأسيرة وتماسكها، وكانت حالنا في السجن انعكاساً لما يحدث في الخارج بين الفصائل الفلسطينية. فعلى المستوى السياسي انتقلت حالة الاختلاف بين الأسرى إلى حالة خلاف حادة أضعفت الحركة الأسيرة أمام إدارة السجون، أمّا على مستوى الانعكاسات المباشرة على الأسرى، فلم يتضمن هذا الاتفاق أي ذكر لقضيتهم، وهو ما أغضب الأسرى وأهاليهم والرأي العام الفلسطيني. وفي إثر ذلك تم التوصل إلى اتفاق لتحرير الأسرى بشكل متدرج، وهو اتفاق لا تمتلك وفقه السلطة الفلسطينية أي حق أو صلاحية بتحديد معاييره، لأنه كان انعكاساً لموازين القوى المختلة لمصلحة الطرف “الإسرائيلي”، الأمر الذي مكّنه من وضع معايير مكّنت إسرائيل من استثناء أسرى الداخل وأسرى “حماس” والجهاد الإسلامي وكل مَن اعتُقل في إثر إصابة، أو قتل “إسرائيلياً”.

الفترة الطويلة التي أمضيتها في الأسر من عمري هي عمر كامل، مثلما تقول أمي، فقد اعتُقلت وأنا في العشرينيات وخرجت وأنا في الخمسين من عمري، أي دخلت في مرحلة عمرية وخرجت في مرحلة عمرية أُخرى. ويمكن تقسيم هذا الأعوام إلى مراحل بما يتلاءم مع العمر من ناحية، وما يوازيها من التجربة وتراكمها من ناحية أُخرى.

حياة السجن الطويلة فيها كثير من الترقب والروتين والتوتر والأمل والحلم، فهي حياة اشتباك دائم بين واقع يخنق الروح في الزوايا الرطبة، وبين حلم يطير بنا إلى سماء الحرية. وفي الفترة الأخيرة من السجن، وبعد تراكم الأحلام والمشاريع والبرامج، كنت أشبّه حياتي والزمن الذي يمر بساعة الرمل التي تنساب من بين أصابع يدي.

تحررت من الأسر في تشرين الأول / أكتوبر 2011، ولم يكن لديّ خيارت في هذه اللحظة المشحونة بالشوق والانتظار، فالأهل والأصدقاء كانوا محتشدين أمام البيت في انتظاري، وأول ما وطأت قدماي الأرض غمروني بكثير من العناق والحب، وكان عليّ أن أشق طريقي نحو أمي لأرتمي بين يديها…

في منتصف الليل بعد أن غادر المهنئون، طلبت زيارة قبر أبي الذي كان فراقه الأبدي وأنا في السجن غصة تمسك بتلابيب الروح، وكان لي ذلك، فتوجهتُ ومَن معي إلى بحر يافا حيث كان الموج يضرب الشواطىء بثبات ليعلن استمرار الحياة على هذه الأرض…

عدت من رحلتي إلى يافا متأخراً جداً، وقد لامتني أمي على زيارة البحر المتأخرة، فطمأنتها، ودخلتْ لتنام، أمّا أنا فبقيت جالساً في حديقة الدار أحدّث أشجار الليمون والبرتقال والرمان والزيتون؛  كنت أشكي غيابي، وأبثّهم أشواقي.

اليوم، وبعد عشرة أعوام من الحرية، أقول إن الحرية التي حظيت بها كانت وما زالت منقوصة، فأنا أعيش حالة تقييد، وممنوع من حرية التعبير أو التصرف بما يعكس أفكاري ورغباتي، لأنه منذ اللحظة الأولى بعد التحرر تسلّمنا أمراً يقضي بعدم السماح لنا بالسفر خارج البلد، أو دخول مناطق الضفة الفلسطينية، ونحن نعيش دائماً تحت تهديد إعادتنا إلى السجن في حال جرت إدانتنا بما يسمى “التحريض”، أو خرجنا عن أي من المحظورات السابقة. وللأسف اعتُقل مجدداً 55 مناضلاً من الذين تحرروا معنا بحجة الإخلال بهذه التعليمات، ولذلك لا يزال شعور الأسير يلازمني في كل حركة وسكنة من سكناتي، وها أنا مقيد كما هي الأرض تحت قدمي محتلة.

لا شك في أن مواجهة الحياة الطبيعية، والقدرة على التعايش معها، كانتا من التحديات والمهمات الأصعب التي واجهتها بعد تحرري، ولهذا سعيت للانضواء في العمل الاجتماعي والسياسي والثقافي، وكان الاحتكاك مع المجتمع من هذه الأبواب، كما تزوجت وكونت أسرة وصار لديّ طفلان. هذه العوامل ساهمت بشكل كبير في انخراطي في الحياة، ولو كان هذا الانخراط بوتيرة أقل من غيري.

مضى نحو عشرة أعوام على تحرري وصار حلمي على المستوى الشخصي أن تتوفر الظروف لديّ وتسمح لي بالتفرغ للكتابة، أمّا على المستوى العام فأنا أحلم ومتفائل بأنه سيأتي اليوم الذي يعيش فيه شعبي حراً كريماً صاحب سيادة في وطنه.

انتهت الأسئلة والأجوبة، لكن الشعور بثقل الاحتلال ووطأته جعلني أختنق، وضيق النفس رافق حروفي وهي ترتسم على الورق.

“وجهك شاحب لكنه يوزّع ضوءاً”

هل يمكن اختزال 20 عاماً من الألم والصمود والانتظار في لقاء صحافي عن بعد مع أسير؟!

الجواب يختبىء في السؤال، إذ بالتأكيد لا يمكن اختصار التجربة بلقاء عن بعد، وخصوصاً أمام تجربة انتهت للتو وما زالت غصة القهر تعشش في جوانبها.

فرائحة السجن ربما لا تزال عالقة في الثياب، ومنظر السماء ربما ما زال يثير دهشة السجين، وحجم البحر ورائحته ربما يثيران إحساساً قد نسيه، وتراصّ بيوت القدس وحنوّها ربما يعيدان مشهدها في الذاكرة، مشهد طفل يقيس طوله مع ظلال بيوت القدس وأسوارها وأحيائها، مع ناسها وأصواتهم وحبهم وشوقهم إلى الانعتاق…

هكذا تسللت إلى ذاكرة مجد بربر لأسمع حكايته ممّا اختزنه في تلافيفها، حكاية مدينته، حكاية نضاله وصموده، حكاية حبه.

مجد بربر مرفوعاً على الأكتاف هو وزوجته فاطمة يوم تحرره من الأسر.

المصدر: “السفير العربي”

كانت البداية من مدينة القدس وهذا البوح والذاكرة..

منذ الطفولة عايشنا ممارسات الاحتلال وصلفه في فترة الانتفاضة الأولى في سنة 1987، واعتُقلت أول مرة في سنة 1989 ولم أكن قد تجاوزت الرابعة عشرة من عمري!

هذا السلوك العدواني ضدنا في القدس بلور اللبنات الأولى لوعيي بقضيتي وإداركي لهويتي العربية الفلسطينية، إدراكي أن القدس محتلة من طرف عدو غاصب يعمل ليل نهار من أجل قمع أهلها وتعذيبهم، وممارسة العدوان ضدهم.

في يوم توقيع اتفاق أوسلو في سنة 1993 اعتُقلت لأني كنت أوزع منشورات ضد هذا الاتفاق، وكنت شاباً صغيراً، وأذكر أنهم أخرجوني في ذلك اليوم إلى منطقة المصرارة في القدس، لأشاهد بأم عيني شباناً فلسطينيين يضعون أغصان الزيتون على سيارات “الجيب” الخاصة بالاحتلال الإسرائيلي!

كان هذا المشهد فاقعاً ومؤلماً جداً بالنسبة إليّ، وقد عشنا تبعاته على مدار 7 أعوام، أي منذ توقيع اتفاق أوسلو حتى نهايات سنة 2000.

فشل القمّة التي عُقدت في كامب ديفيد في سنة 2000 [بين الرئيسَين الأميركي بيل كلينتون والفلسطيني الراحل ياسر عرفات ورئيس الحكومة الإسرائيلية آنذاك إيهود باراك]، وتحرير الجنوب اللبناني على يد المقاومة اللبنانية، شكلا حدثاً فارقاً في حينه، فقد سمح هذان الحدثان للانتفاضة بأن تندلع، ذلك بأن طريق المقاومة هو طريق الانتصار، وطريق السلام المزعوم هو طريق مأزوم لا يمكن أن يوصل الشعب العربي الفلسطيني إلى أي مكان لينال حقوقه. لقد كان الصدام مع الاحتلال قادماً لا محالة، وهكذا اندلعت الانتفاضة.

قد يكون غريباً أن أقول إن كل عربي فلسطيني داخل فلسطين يتوقع، ومن دون مبرر، الاعتقال في كل لحظة من لحظات حياته، وحتى الاستشهاد، فهذا الاحتلال لا يحتاج إلى مبررات كي يقوم باعتقالنا أو قتلنا. وعلى هذا الأساس كنت أتوقع اعتقالي، وكنت دائماً متصالحاً مع هذه الفكرة وأقابلها بفكرة ثباتي وصمودي في أرضي وفي بلدي وفي بيتي، وهذا الصمود بالتأكيد له ثمن وأنا أقبل دفع هذا الثمن.

اعتُقلت في 30 آذار / مارس 2001، وهو ذكرى يوم الأرض الخالد، الذي كان بعد استشهاد كوكبة من شبابنا وشاباتنا في سنة 1976، وهي سنة مولدي، وقد شكّل هذا التاريخ بعداً رمزياً بالنسبة إليّ، فهو يذكّرني دائما بالتصاق الفلسطيني بأرضه وترابه.

في 29 آذار / مارس 2001، كنت أقوم بعملي كفنيّ صيانة كهربائية في فندق نوفوتيل في القدس، واتصل بموظف الاستقبال أحد النزلاء في الغرفة 101، يطلب المساعدة لإصلاح عطل فني كهربائي، فتوجهت إلى الغرفة المعنية وهي بمحاذاة بيت الدرج، وتقود إلى مرآب السيارات، وبعد المعاينة استطعت إصلاح العطل في تلك الغرفة التي كان يقيم فيها شاب وصبية، ثم خرجت.

في اليوم التالي، وهو يوم الأرض، استُدعيت مجدداً إلى الغرفة نفسها وللسبب نفسه، فحاولت أن أنقل “الزبائن” إلى غرفة أُخرى قد تكون أفضل، لكنهم رفضوا!

صعدت إلى هذه الغرفة، ولدى دخولي باغتني الشاب والفتاة بإشهار المسدس في وجهي، وبلحظات خرج العشرات من العناصر من تحت الأسرّة، ومن داخل الخزائن، بينما تدفّق آخرون من خارج الغرفة، وكلهم كانوا يلبسون لباساً مدنياً؛ أمسكوا بي وحذروني من معارضة الاعتقال لأنهم سيقومون بقتلي فوراً، إذا حاولت.

جرّوني في اتجاه بيت الدرج ومنه إلى المرآب، وهناك كان في انتظاري عدد كبير من سيارات الجيش والاستخبارات، علاوة على ناقلة قادوني نحوها.

قيدوا يديّ إلى الخلف ووضعوا كيساً في رأسي، ودفعوني إلى السيارة لأجلس بين ملثمَين اثنين.

قادوني إلى مكان لا أعرفه حتى يومنا هذا، وكان التحقيق معي تحقيقاً ميدانياً استمر منذ لحظة اعتقالي حتى ساعات الصباح الأولى.

منذ اعتقالي تعرضت للتعذيب الجسدي المباشر من طرف أربعة ملثمين كانوا يحققون معي بشكل قاسٍ ووحشي؛ نفيت الاتهامات كلها التي وجهوها إليّ، ورفضت التعامل معهم لأنهم كانوا يريدون إدانتي بقضايا يدّعونها.

في اليوم التالي، أنهوا التحقيق الأولي، وانطلقت السيارة بي لتنقلني إلى مركز تحقيق المسكوبية. كانت الساعة تشير إلى السابعة صباحاً، وعرفت ذلك من خلال برنامج عبري يُبثّ على الراديو، وفي مركز المسكوبية استمر التحقيق 76 يوماً.

منذ لحظة اعتقالي توقعت الأسوأ.

لم أعترف بأي شيء طوال فترة التحقيق، ونفيت جميع التهم التي وُجهت إليّ جملة وتفصيلاً، ولم أعش أي لحظة ضعف طوال هذه الفترة؛ استمر التحقيق معي بشكل متواصل ليلاً ونهاراً، وفي إحدى المرات جلست على كرسي التحقيق من يوم الأحد صباحاً حتى يوم الجمعة بعد الظهر، وكانت فترة قاسية جداً أُصبت في إثرها بآلام شديدة في الظهر، وتسلّخ جلدي وتقرّح من منطقة الحوض إلى منطقة الفخذين، جرّاء وضعية الجلوس فترة طويلة على الكرسي البلاستيكي، لكن إيماني المطلق بعدالة قضيتي، وبأني لست مجرماً، قوّى عزيمتي فظلت معنوياتي عالية على الرغم من الآلام التي عايشتها، وخرجت منتصراً عليهم بشكل كامل.

التحقيق الذي تعرضت له ينضوي تحت ما يسمى التحقيق العسكري، وهو تحقيق مُعدّ لمَن يعرّفهم الاحتلال بأنهم “قنابل موقوتة”، وهذا كان مبررهم لممارسة أساليب تعذيب غير مسبوقة معي، كان الهدف منها انتزاع الاعتراف تحت التعذيب، والتعامل مع هذه الاعترافات “الخطرة” وإنهاءها قبل وقوعها. هكذا كنت بالنسبة إلى الاحتلال، ولهذا حاول بجميع الوسائل أن يجبرني على الاعتراف عن أي شيء وبكل شيء، وأنا من جهتي رفضت الاعتراف بشيء لم أقم به أصلاً.

من وسائل التعذيب التي مورست ضدي، هو منعي من النوم، فكل جلسة تحقيق كانت تستمر على أقل تقدير 48 ساعة متواصلة، وبعد هذه الساعات الطويلة كانوا يأخذوني إلى الزنزانة لأنام سويعات قليلة جداً، ثم تعود جولات التعذيب والتحقيق من جديد.

في اليوم التاسع عشر أحضروا زوجتي فاطمة وكانت نَفاس، ورأيتها من خلال العين السحرية في غرفة التحقيق في مركز المسكوبية، وقد أوهموني بأنها موجودة في مركز التحقيق منذ أيام. حين رأيتها فقدت صوابي، وصرخت وشتمتهم بأقذع الشتائم، لكن بعد قليل عدت إلى رباطة الجأش، وقلت إن فاطمة صلبة ولن يستطيعوا هزيمتها، وقلت لهم فاطمة هي شريكة حياتي في الخارج، وأنتم فاشيون، فلتكن فاطمة شريكة سجني. ولم أتبيّن الحقيقة لأنهم منعوني من مقابلة محامٍ طوال 25 يوماً، وكلما هددوني بأنها موجودة في مركز التحقيق وبأنها ستدفع معي ثمن صمتي وعدم اعترافي، كنت أقول لهم سلّموا على فاطمة وقولوا لها أني أحبها!

فاطمة أشعرتني بالقوة والثبات، فقد كنت واثقاً بأن هذه الإنسانة التي اخترتها شريكة لحياتي، هي في الحقيقة بطلة ولا يمكن أن تكون جزءاً من خطة لإضعافي أبداً، بل إنها كانت دائماً مصدراً للقوة، وهي كذلك حتى اليوم.

منذ بدء التحقيق معي كنت مدركاً أنه لا يمكن أن أتوقع من الاحتلال سوى الأسوأ، وحتى وسائل التعذيب التي كانت حديثة في حينه، أي في سنة 2001، والتي لم أكن أعرفها، لم تفاجئني بالمعنى الكلي، وإنما فاجأتني بالمعنى التقني والفني. لكن بالمعنى الكلي أنا متصالح مع فكرة أنه لا يمكن توقُّع شيء من المحتلين إلّا الأسوأ، فهم مجرمون وهذه سماتهم، وهذا سلوكهم الطبيعي، ولهذا تلقيت هذا التعذيب من دون أن أُظهر لهم أني أتألم، فلم يسمعوا مني كلمة أخ، بل كنت أعاندهم بشدة بكل وضعية كانوا يقومون بها معي. ولم تشكل هذه الآلام الجسدية ندوباً أو جروحاً تبلسمت مع الزمن، لأنني منذ البداية كنت واعياً لما يحدث على الرغم من العذاب والألم، فأنا إنسان من لحم ودم وتألمت كثيراً، لكن على المستوى النفسي لم يستطيعوا أن يدكّوا حصون قوتي النفسية ولا معنوياتي.

في هذه الفترة أستطيع القول إن المحققين فشلوا فشلاً ذريعاً في انتزاع أي اعتراف مني مهما يصغر على مدار 76 يوماً، أمّا إدانتي فكانت من خلال اعترافات الغير لا أكثر. لقد فشلوا في أن يأخذوا من لساني كلمة واحدة.

في كل لحظة أكون لوحدي كنت أفكر في الأهل والأحبة الذين كانوا يكسرون عزلتي ويمنعون عني الضعف، فقد كانوا دائماً في خيالي يشدون من أزري ويؤكدون حقي في الانتصار في غرف التحقيق.

طوال فترة التحقيق، ومن بعدها طوال 20 عاماً في السجن، لم أبكِ قط إلّا على الشهداء.

في دولة الكيان ليس هناك محكمة ومحاكمة، بل هناك إجراءات متبعة لشرعنه ممارسات هذا الكيان ضد الشعب العربي الفلسطيني، وهذه المحاكم التي مَثُلنا أمامها كان غرضها كسر إرادتنا وجعلنا نندم على وجودنا في هذا المكان، ولهذا لم أتوقع منهم إلّا الأشد والأقسى، ولم أتوقع من نفسي إلّا الصلابة والثبات والصمود.

منذ أن وطأت قدماي السجن وأنا أفكر، كيف سأمضي أعوام السجن الطويلة!؟

وجدت الإجابة فيما أسميه مثلث الحياة داخل السجن، وهو مكون من ثلاث أضلع: الأولى ممارسة الرياضة؛ الثانية ممارسة القراءة والكتابة؛ الثالث توسيع العلاقات الاجتماعية الطيبة إلى أكبر قدر ممكن. وهذا المثلث كان يساعدني كي أحافظ على صحتي الجسدية من خلال الرياضة، وصحتي الذهنية من خلال القراءة والكتابة، وصحتي النفسية من خلال علاقاتي الاجتماعية الطيبة مع الآخرين. وقد بدأتُ هذه التقنية فور دخولي إلى السجن، بحيث أصبحت هذه الأقانيم الثلاثة الناظم لحياتي على مدى 20 عاماً، وكانت هي البوصلة في كل مكان أكون فيه، بغضّ النظر عن مدى صعوبته وعن الممارسات التي تمارَس فيه، من طرف إدارة السجون. وعلى هذا الأساس عملت على تطوير ذاتي مستفيداً من وجود الجامعة المفتوحة داخل السجون، فأكملت دراستي، وفعلاً حصلت على شهادة الماجستير داخل السجن في العلاقات الدولية.

عوامل الحرمان في السجن كثيرة ومتعددة، ويمكن أن تكون في أبسط المسائل وأكثرها بداهة، كالغياب والبعد عن الأحبة، أو الحرمان من أبسط القضايا التي يحتاج إليها الإنسان العادي، لكن ما كان يجعلنا نتجاوز هذا الشح والعوز إلى كل شيء يمتّ للحياة بصلة، هو الصمود والثبات في وجه هذه الحاجات، وشحذ الهمة من خلال ترسيخ القناعات وتصليبها، وصقل الذات بالقراءة وتوسيع الأفاق.

مجتمع الأسرى مجتمع غنيّ بالطاقات والنخب التي لا يمكن أن نصادفها بشكل عادي، أو في الحياة العادية، فقد التقيت بعدة أسرى وعايشت كثيرين منهم، وكان لديهم عدد كبير من التجارب والقصص الفريدة والنوعية التي تجعلنا نقف أمامها مشدوهين؛ التقيت بمناضلين أقحاح دفعوا أثماناً باهظة، ودفعوا حياتهم وأعمارهم فداء لقناعاتهم، وهذه المسائل كلها كانت تقوّينا داخل السجن وتكسر التفكير السلبي في داخلنا، بمعنى النفي والبعد عن الأهل والأحبة. ففي السجن وضمن هذه الأجواء، لا يبقى هناك متسع كبير للهمّ الشخصي أمام الهمّ العام والكبير.

الحب في السجن وخارج السجن هو أساس النضال والتضحية، وبالتالي لا يمكن أن نكون مناضلين إذا لم نكن رومانسيين.

وعلى هذا الأساس، الحب لفاطمة كان وما زال متقداً، فهي المرأة الحبيبة والرفيقة، وشريكة المشوار بجميع أفراحه وآلامه وحرمانه. لقد كنا دائماً نتراسل بشكل منتظم، وزياراتها لي كانت متواصلة ما دام الاحتلال يسمح بهذه الزيارات.

كانت ثقتي وحبي لفاطمة يتجاوزان أسوار السجن، فقد كنت على يقين بأنها خير أم لأبنائنا، وهذه الثقة بحبي لها وحبها لي كانت مصدراً للراحة لي طوال فترة سجني؛ فقد كنت على ثقة بأنها أحسنت تربية الأولاد، وكلما كنت أرى نجاحاتهم وثقتهم بأنفسهم وتقدمهم في هذه الحياة وثباتهم أبارك لنفسي ولهم بهذه الرفيقة والحبيبة والأم.

كنت دائم الحلم بزوجتي وأبنائي وأمي وأبي، كنت أقول لهم كلما طواني الليل في الأسر تصبحون على خير، وعند الفجر كنت أقول لهم صباح الخير.

معارك الأسرى داخل السجن كانت طويلة ومضنية، فمنذ سنة 1968 والأسرى يخوضون معارك الأمعاء الخاوية وهي أهم نضال خاضه الأسرى في السجون، وأنا خضت هذه التجربة النوعية في سنة 2004، فقد أضربنا عن الطعام 19 يوماً، ثم تلاحقت معارك الأمعاء الخاوية في سنة 2011 وبعدها خلال السنوات 2012 و2016 و2017. ووصلت هذه الإضرابات التي خضتها مع سائر الأسرى والمناضلين إلى مئة يوم إضراب مفتوح عن الطعام، وكان الماء هو الشيء الوحيد الذي كنا نتناوله، لكننا كنا أحياناً نرشّ عليه بضع ذرات من الملح؛ هذه النضالات، على الرغم من ألمها وآلام الجوع التي كانت تصيبنا، وعلى الرغم من مخاطرها الشديدة على الصحة الجسدية، كانت الخيار الوحيد أمام خطر هدر كرامتنا الإنسانية، وخطر هدر قضيتنا. وفي كل معركة خضناها كنا نُحدث الفرق، وكانت معاركنا بالمقياس المعنوي ناجحة، لأنها استطاعت أن تجعل السجان يعيد تقدير الموقف من جديد، فكان يتراجع عن أساليبه وصلفه وسياساته حتى لو بعد حين. وعلى الرغم من واقع الانقسام الفلسطيني المقيت، فإنه ظل هناك مساحة يستطيع الأسرى فيها أن يقوموا بمواجهة مباشرة مع إدارة السجون بعيداً عن حالات السلبية التي يعانيها مجتمعنا الفلسطيني في الخارج.

السجن كان وما زال امتداداً لحال الشعب العربي الفلسطيني بسلبياتها وإيجابياتها، فحال الانقسام التي تعصف بشعبنا منذ سنة 2007 تركت ظلالها الثقيلة على السجن وواقعه، وفرضت الانقسام بين أقسام الأسرى، بين أسرى “فتح” و”حماس”، أمّا الباقون فكانوا يعيشون موزعين بين تلك الأقسام؛ وثمة مسائل سلبية أُخرى مثل المناطقية والتعصب، فهذه الآفات الاجتماعية موجودة أيضاً داخل السجون، ولا يمكن الحديث عنها على اعتبار أن الأسرى تجاوزوها. إن انعكاسات هذه القضايا بأبعادها الاجتماعية والسياسية بارزة في السجون وواقعها، مع أنه يمكن القول إنها قد تخف أو تشتد من مكان إلى آخر، لكنها موجودة وقائمة مثلما هي موجودة وقائمة في المجتمع الفلسطيني.

لقد عشت في السجن لكني لم آلفه قط، فهو لم يستطع ترويضي، ولم يعش في داخلي، ولم تعشش قضبانه القبيحة في روحي، إذ على الرغم من قباحته، فإنه لم يقتل روحنا الجميلة، فمثلاً كان هناك متسع للأغنيات، وكنا نستمع صباحاً إلى فيروز ومساء إلى أم كلثوم، كما كنا ننشد ونغني كثيراً من الأغنيات بحسب الواقع الراهن والظرف الذي نعيشه، وأنا بشكل شخصي أعشق سميح شقير، وخصوصاً أغنية “لو يرموك بالعتمة”، فهذه الأغنية كانت تمثل حالنا، وكانت تمنحني القوة والثبات داخل السجن، وفي الوقت نفسه كانت تمنحني إحساساً جميلاً بالحرية التي كنا ننتظرها.

في 29 آذار / مارس 2021، جاءت الحرية التي كنت أنتظرها منذ 20 عاماً، لكن الاحتلال الذي يبرع في إفساد كل شيء، اختطفني أفراد استخباراته عند بوابة السجن، واقتادوني إلى مركز تحقيق المسكوبية حيث حاولوا فرض شروط مجحفة عليّ، تمثلت في فرض إقامة جبرية في البيت لخمسة أيام، ومنعي من دخول الضفة الغربية لعشرة أيام. وبعد أن رفضت هذه الشروط جملة وتفصيلاً، أذعن الاحتلال وتراجع عن شروطه وتم إطلاق سراحي واستقبلني أهلي ورفاقي وأحبائي بالأهازيج والزفة الفلسطينية.

كان حفل استقبالي أشبه بعرس جديد لي ولفاطمة.

لاحقاً، وبعد أن أدركت أني فعلاً خرجت من السجن، شعرت بأني تركت خلفي أحبة عشت معهم أعواماً طويلة، وغادرت رفاقاً منهم مَن يمضي أحكاماً عالية، ومنهم مَن يرزح تحت الحكم المؤبد، الأمر الذي يُشعرني بأن فرحتي غير مكتملة، فمرارة بقائهم خلف القضبان تؤلمني، لأن مكانهم الطبيعي هو بين أهلهم وفي مجتمعهم كي يساهموا في بناء هذا المجتمع وفي تحريره، فهؤلاء يجب أن يكونوا بيننا لا داخل سجون احتلالية تهدر أعواماً من أعمارهم هناك خلف الكتل الإسمنتية العالية.

حمّلني رفاقي وإخوتي في الأسر رسائلهم الثقيلة، والتي أحاول أن أكون سفيراً أميناً لهم في كل منبر، وسأظل أردد وأكرر الرسائل ذاتها، وهي من شقّين: الأول، كفى للانقسام المقيت، هذا الانقسام الذي نخر شعبنا وشتّت جهوده وشرذم أبناءه، فهو انقسام غير مبرر وغير معقول لأننا حركة تحرر وطني ولسنا دولة، وممنوع أن نبقى محصورين في دائرة السلطة ومَن يحكم ومَن لا يحكم، فنحن شعب يحتاج إلى وحدة، والوحدة هي شرط الانتصار، ولا يمكن أن نرى بعضنا عدواً للبعض الآخر، فالاحتلال جاثم على صدورنا، وضروري جداً أن نتوحد، هذه هي الرسالة الأولى.

الرسالة الثانية تتعلق بالأسرى أنفسهم، بمعنى أنهم يريدون من الجميع أن يروا فيهم أسرى سياسيين أصحاب قضية، لا مجرد حالة إنسانية تحتاج إلى شؤون اجتماعية لرعايتها، فهم لا يحتاجون إلى تعاطف الشفقة، وإنما إلى دعم وإسناد لنضالاتهم وتضحياتهم، وإلى تأكيدها وتكريسها في ذهن الأجيال لتبقى قضية الأسرى واحدة من قضايا الإجماع الوطني التي يُحظر علينا الاختلاف عليها، بمعنى أنها قيمة مجتمعية كبرى. ومن المهم جداً أن ننظر إلى مناضلينا نظرة احترام وتقدير، فنسند نضالاتهم ونؤكد تاريخهم، لأن هذا التاريخ جزء من تاريخ نضالات شعبنا العربي الفلسطيني، ومن دونها سنكون مجتمعاً جاحداً، ولا أعتقد بأي شكل من الأشكال أن مجتمعنا هو كذلك، ولهذا، مهم أن نحفظ لهم قيمتهم النضالية، وأن نعتبرهم حاملين لقضايا شعبنا وهمومه، فضلاً عن أنهم دفعوا أثماناً باهظة في هذا السبيل.

حين خرجت من السجن لم أكن الشاب العشريني ذاته الذي دخل إليه قبل 20 عاماً، لكني بعد هذه الأعوام الطويلة التي أمضيتها في السجن أستطيع القول إن قناعتي تعمقت، وإن السجن لم يُضعفني أو يهزمني أو يجعلني شبه إنسان، وإنما صقلني وزاد قناعاتي وعمّقها. وبالتالي لم يتغير عليّ شيء بالمفهوم الجسدي، أمّا بمفهوم الوعي فقد تكرّس وعيي وتعمّق، كما توسعت زاوية النظر ومداه، وهذا هو الاختلاف بين مجد الذي دخل في العشرين، ومجد الذي خرج في الأربعين.

لرفاقي الذين تركتهم في السجن أقول إن فجر الغد قادم لا محالة، وإن هذا الاحتلال إلى زوال مهما يطل به الزمان، فبالإرادة الواعية لا يبقى مستحيل.

“رفيقان نحن إلى أن ينام القمر”

لآلام الأسرى شقان، شق يتعلق بحكاية الأسير ومعركته مع نفسه ومع السجان، وآخر يتعلق بأهالي الأسرى، بصمودهم وثباتهم، بوجعهم ومعاناتهم مع انتظار يطول ولا ينتهي. هذان الشقّان خيط نُمسك بدايته، لكن طرفه الآخر هناك لا نعرف بأي ريح يتمايل، ولا بأي هواء يطير.

فاطمة بربر زوجة الحر مجد بربر، تحكي عن ذاكرة الألم، ذاكرة بدأت تؤرخ يومياتها منذ لحظة اعتقال مجد قبل 20 عاماً.

جاءني صوتها دافئاً، مليئاً بحب لا ينكسر ليحكي حكايتها، ليبوح بالحنين وألم الثواني عندما تمتد لتحتل مساحة الزمن:

كنت في بداية العشرين من عمري، لا يمكن أن أنسى ذلك اليوم…

على غير العادة خرج مجد من المنزل إلى عمله قبل ساعة من موعده المعتاد، وقد طلبت منه أن يبقى أكثر معي ومع زينة مولودتنا الجديدة، كان عمرها 15 يوماً، لكنه أصرّ على الخروج من المنزل. حزنت لخروجه المبكر، وعلى الرغم من إلحاحي على بقائه، فإنه أصر على الخروج باكراً بسبب مشاغله الكثيرة في هذا اليوم بحسب ما قال لي.

قبل أن يخرج التفت إليّ وقال: بدي أبوسك! قلت له: لأ، ما بدي تبوسني، اعتراضاً على خروجه المبكر…

خرج مجد وعاد ونظر إليّ بطريقة لا يمكن أن أفسرها ولم أستطع أن أفهمها لحظتها، كان يودعني بعينيه…

خرج مجد ولم يعد إلّا بعد 20 عاماً.

حين علمت باعتقال مجد كنت خائفة من أن يعتقلوني أنا أيضاً، وهو ما حدث بعد عدة أيام من اعتقاله، فقد أخذوني وحققوا معي لساعات طويلة، وكانت أعصابي منهارة، وكنت أنزف فأنا نَفاس.

أمضيت ساعات طويلة في غرفة التحقيق، وكنت خائفة من أن يعتقلوني أنا أيضاً وأترك طفلَيّ بلا أم ولا أب، فقد كنت خائفة على صغيرتي زينة التي تركتها في البيت ولم يكن عمرها يتجاوز الأيام، وعلى منتصر الذي لم يتجاوز عمره عاماً ونصف عام. في غرفة التحقيق، كان المحقق يناور ويسأل ويبتز ويصرخ، وكنت أجاوب وكان صدري يوجعني، وكنت أشعر مع كل وخزة في صدري بأني أسمع صوت زينة وهي تبكي، الأمر الذي زاد ألمي في غرفة التحقيق، فكل ضلع في جسمي كان يوجعني، وأنا لا أعلم إن كان سيتم إطلاق سراحي، أو سألحق بمجد ويصبح كلانا في السجن.

كان هدفهم من التحقيق معي أن أضيف أي معلومة تفيدهم بالتحقيق مع مجد، فقد كانوا يريدون مني أن يعرفوا تحركات مجد ونشاطاته.

في هذا التحقيق، أحضروا مجد ليراني من خلال المرآة العاكسة، وكنت أجلس منهكة في غرفة التحقيق، فصاروا يهددونه: “هَيْ مرتك موجودة عندنا، هَيْ مرتك والدة جديد وصارت هون بالتحقيق وإلها أيام، اعترف عشان تطلع مرتك من التحقيق!..”

هذه كانت من أصعب ساعات اعتقال أبو المنتصر…

بعد إدراكي لاعتقال مجد لم يكن عمر زينة قد تجاوز 15 يوماً، وكان عمر منتصر عاماً وسبعة أشهر، أمّا أنا فلم أكن تجاوزت الثالثة والعشرين من عمري، ومنذ تلك اللحظة قررت أن أظل واقفة على قدمي، وكان قراري حاسماً بأن أكرس حياتي لهما؛ في أصعب الأوضاع كنت أبتسم وأقف على قدمَيّ، ولم أكن مستعدة للوقوع أو الفشل، كما لم أكن أقبل بشعور الشفقة تجاهي، أو أن يشعر أحد بأني ضعيفة أو متعبة، مع أني من دم ولحم، وطبيعي جداً أن أتعب. كنت أقول لنفسي: لا يا فاطمة لازم تظلي واقفة، وأنا اخترت أن أكون واقفة، اخترت أن أقف مع زوجي، اخترت أن أصمد وصمدت.

كان عليّ أن أبدأ وأتدبر حياتي معهم من دون مجد، فقد كان العمر يمضي بي وبهم، من أعوام الطفولة المبكرة، إلى أعوام المراهقة والجامعة. في 20 عاماً كبرت وتعلمت وعلمت وصمدت وصبرت، وهذا لم يكن سهلاً ولا بسيطاً.

منتصر سيتخرج هذا العام من الجامعة مع شهادة محاماة، وزينة صارت سنة ثانية في كلية الاقتصاد. مر العمر بنا وأنا أحكي لهما عن أبيهما الغائب الحاضر في جميع تفصيلات يومنا وحياتنا، أحكي عن مجد الذي أذكره وأحبه، أحكي عن ذكرياتنا وحبنا، أحكي عن فلسطين وعن الثمن الذي تستحقه كي نعيش بكرامة، أحكي عن الثمن الذي دفعه مجد وكثير من رفاقه كي نعيش حياة أفضل. ومع أن حياتنا لم تصبح أفضل، إلّا إن هذا لا يعني سوى أننا دفعنا وما زلنا ندفع الأثمان كي نعيش حياة كريمة على أرض فلسطين، كل فلسطين.

كنت أعلّمهم مع ألف باء المدرسة أنهم فلسطينيون، كي يفتخروا بأبيهم ويشعروا بأن اعتقال أبيهم ما هو إلّا ثمن ندفعه جميعاً من أجل هذه الأرض. وعلى الرغم من صغر سنهم، فإنه كان لزاماً عليّ أن أعلمهم هذه الأبجديات كي يوازنوا هذا الغياب بقيمة التضحية من أجل حياتنا وكرامتنا وهذا الوطن.

كان كل يوم هو يوم صعب، نهاره تعب وليله أرق، وفي الليل كان الفراغ والوحدة في بيت كبير يهزاني، فقد كنت أبحث عن ظلال مجد في زوايا البيت كلها، وعن صوته وهمساته، وعن شوقي وشوقه. كنت أفتقد ثرثرة المساء معه، فأحكي معه وله عن يومي، عن حزني وفرحي، عن تعبي واجتهادي، وكنت أشعر بأن مجد يسمعني ويسمع أوجاع روحي…

صار القلق جزءاً من عاداتي، فلم أعد أعرف كيف أغفو أكثر من أربع ساعات ليلاً، فالقلق والتعب كان يطرقان ليلي ويقضّان مضجعي؛ لقد كنت وحيدة ومتعبة.

ربيت منتصر وزينة برموش العين وروح الروح، فكل قطرة دم مني كانت تنادي عليهم ليل نهار، وقلبي يركض وراءهم ويمشي معهم في كل خطوة من خطاهم.

ومع كل إشراقة شمس كنت أشحذ همّتي مجدداً، فأذهب إلى عملي ومدارس أطفالي، أتواجد مع أهالي الأسرى وزوجاتهم وأطفالهم، أشد من همتهم وأزرهم وأزري، وكنت أسعى لأن ألبّي الجميع، وألّا أخذل أحداً، فهذا العطاء كان يمدني بكثير من الإيجابية والقدرة على الاستمرار وتجاوز الصعاب، ذلك بأن تَشارك الهموم مع أهالي الأسرى كان جزءاً من الآليات التي كانت تساعدنا على الصمود.

كنت مصرة على أن نعود أنا ومجد ومنتصر وزينة معاً، وكنت حريصة على أن تكون صحتي وصحة الأولاد جيدة كي نعود ونلتقي، كي يكون لدينا الوقت الكافي لنعيش حياة أسرة مثل أي أسرة، ونعيش كعائلة مثل أي عائلة.

مسألة الخوف كانت تقضّ مضجعي لـ 20 عاماً، فقد كنت أخاف من أن يصيبهم مكروه وأنا نائمة؛ كبروا وأنا أركض مراراً إلى غرفتَيهما ليلاً، أتحسس أنفاسهما وأعود وأنا أدعو أن يعود مجد إلينا.

من أكثر اللحظات عنفاً التي عشتها خلال الـ 20 عاماً كانت حين نجح منتصر في الثانوية العامة وحصل على معدل 92%. حين علمت بالنتيجة فقدت السيطرة على أعصابي، كان فرحاً كبيراً، بدأت أصرخ فرحاً وأصرخ وجعاً وأصرخ حزناً، كنت أصرخ وأنادي مجد يا مجد، ابنك نجح وحصل على 92، يا مجد وينك لتفرح وتفرّح ابنك، يا مجد وينك؟

كنت أصرخ فرحاً في البداية، ثم صار صراخي هستيرياً وخرج عن سيطرتي، وصار الفرح بكاء وصراخاً ونحيباً، والشيء ذاته حدث معي عند نجاح زينة في الثانوية العامة، كان الأولاد يكبرون وأنا أكبر ومجد يكبر بعيداً عنا.

النضال الذي تخوضه أمهات الأسرى وزوجاتهم ليس محصوراً في متطلبات الحياة وصعوباتها فقط، بل إن هناك نضالاً يخضنه مع المجتمع. كان علينا أن نعرّف المجتمع المحيط بأن عليه أن يقف مع أم أسير، أو زوجة أسير، وأن ابني أو زوجي لم يُعتقل من أجلي أو من أجل عائلتي، فابني أسير من أجل كل فلسطين، من أجل أهل البلد كلهم، ومن أجل جميع الأبناء والعائلات، ولهذا ممنوع كسر أمهات الأسرى أو زوجاتهم، بل المفروض أن يُرفع من شأنهن لأنهن يعانين في جميع تفصيلات حياتهن، فهنّ يعانين جرّاء الزيارة، وقهر الاحتلال، والخوف الذي يلازم حياتهن على أن يكون الابن أو الزوج أو الأخ بخير، فهؤلاء الأسرى يعيشون ظروفاً قاهرة أيضاً لا يمكن التكهن بمآلاتها.

لقد كان المجتمع المحيط بي مباشرة، متفهماً ومسانداً لي طوال هذه المدة: فعائلة زوجي وقفت إلى جانبي، وكذلك أهلي وإخوتي وأخواتي الذين كانوا دائماً سنداً لي في هذه التجربة الصعبة. أمّا سائر المجتمع المحيط، فلم أسمح له بالتحكم بي، ولم أطلب حسنة أو شفقة، فأنا لست ضعيفة أو منكسرة، بل كنت أقوم بمهماتي كلها كما يجب، وكنت أساعد الجميع، وكنت أستطيع فرض إرادتي على المجتمع المحيط. لم أكن مهيضة الجناح كي يشفقوا عليّ، وهو ما رفع من معنوياتي وقوّى من شخصيتي وقدرتي على مواجهة المجتمع الخارجي وصعاب الحياة.

أكثر شيء أكرهه هو الانتظار، صحيح أنه علمني وصقل تجربتي، لكنه أوجعني.

الناس يقولون يا ليت السنين التي راحت ما راحت، أمّا أنا فكنت أقول يا ليت السنين تمر بسرعة، كي يعود مجد إليّ، وإلى الأولاد. تخيلي بعد أن أمضى مجد 15 عاماً في السجن، أن أتمنى أن يعود الزمن إلى الوراء!!

كنت أكره الانتظار وكنت أريد أن ينتهي هذا الألم بسرعة، فكل ساعة وكل دقيقة كانتا عمراً يسيح بين أصابعي لكنه يقرّبني من عودة مجد، مع أن هذه الأعوام كلها مرت من عمري ومن عمر مجد وعمر الأولاد؛ عشرون عاماً مرت تغير فيها العالم، مات ناس، وتزوج ناس، وكبر ناس…

تتنهد كأنها تتذكر هذا العمر الذي انقضى وهي تنتظر..

صعب أن أصف حالة الانتظار، أشعر بأن عمري شريط سينمائي يمر أمامي، شريط موجع فيه أعمارنا أنا ومجد وأولادي. كنت أحزن عليهم وهم صغار أن يكبروا من دون أن يكون أبوهم معهم، وهذا ضمن شروط الحياة العادية لدى البشر أمر غير طبيعي، بل إنه مؤلم وموجع أيضاً.

من أكثر اللحظات ألماً كانت حين جاء جيش الاحتلال إلى البيت لاعتقال منتصر. لم يخطر في بالي أن أرى منتصر بين أيديهم معتقلاً، لكنهم اعتقلوه قبل إطلاق سراح مجد بثلاثة أشهر، وأخذوه إلى المسكوبية!

تملّكني حزن لا أحب ولا أستطيع حتى تذكّره، لكن يمكنني القول إن جبل الجليد الذي كنت أحمله على كتفيّ انهدّ حين اعتقلوا منتصر، لم أنم ليلاً ولا نهاراً، ولم يعد في استطاعتي أن أفعل شيئاً سوى أن أبكي.

أذكر أن أحدهم أراد أن يخفف عني وقال في إشارة إليّ: أم الأسير، لا أعرف كيف صرخت في وجهه: لـ 20 عاماً وأنا زوجة أسير، لا أريد أن أكون أمّاً لأسير آخر.

كلمة أسير رافقتني ورافقت أولادي كتعريف مع أسمائنا وعناويننا وحياتنا.

بقي منتصر شهراً كاملاً في التحقيق، شهراً أنهك روحي، وذكّرني بألم كنت أحاول جاهدة أن أبتلعه أو أتناساه. لم أكن أستطيع أن أتنفس، فقد ضاق الهواء في صدري، وكنت أركض من محكمة إلى أُخرى فأسمعهم يكيلون له الاتهامات. خرج منتصر ولم يزِلّ لسانه ولا قلبه ولا إيمانه ولا صموده، وحاولوا أن يفعلوا ذلك من خلال مراكز التحقيق التي كانت تغص بـ “العصافير” أي العملاء، لكنهم لم ينالوا منه ولا من عزيمته.

خروجه بخير طمأن قلبي بأنه على الدرب القويم سواء على المستوى المعنوي أو النفسي والوطني.

بعد 20 عاماً خرج مجد من الأسر، فدقّ قلبي فرح كبير، وكنت نسيت كيف أفرح؛ نسيت هذا الفرح وهذه البهجة. خرج مجد وعاد الفرح إلى بيتنا وقلوبنا، لكن للأسف هناك بيوت كثيرة موصدة تنتظر فرحاً قادماً مع قدمَي أسير أو أسيرة تهالكتا وراء الشِّباك، ووراء قضبان السجون.

خروج مجد لم يُنهِ وجع الأسرى وأهاليهم ومعاناتهم، وأشعر مع كل أم معتقل أو زوجة أو أهالي ينتظرون..

قضية الأسرى ستبقى ماثلة أمام أعيننا حتى بعد أن تحرر مجد، فالقضية بالنسبة إليّ لم تنتهِ، ولن أتخلى عن دوري في شد أزر أهالي الأسرى، بل سأساعد قدر استطاعتي، وسأشارك في وقفات أهالي الأسرى والشهداء، فأنا عشت هذه الحالة 20 عاماً، وصار هذا الموضوع جزءاً من اهتماماتي وحياتي وشغفي، وأنا شعرت بهذا الوجع ولن أنساه.

قضية الأسرى لن تكون بعيدة عني، فنحن نعيشها مع أهلنا وإخوتنا وأقاربنا، فابن خالتي الأسير سائد سلامة اعتُقل مع مجد، وحين ودّعه زوجي كان ما زال عليه أن يمضي أربعة أعوام في الأسر؛ أخي علاء اعتُقل أيضاً مع مجد، وقبل 8 أعوام تحرر. خرج أخي وبقي زوجي، والآن خرج زوجي وترك ابن خالتي، فهذا الجرح وهذا الغياب هما جرح عميق صعب أن نشفى منه، وصعب أن ننتهي منه. وأهالي الأسرى، بغضّ النظر عن أهلنا القابعين في السجون، صاروا جزءاً من كياناتنا وعلاقاتنا، فقضية الأسرى هي قضية عادلة، والأسرى هم الأحياء الأموات القابعون داخل سجون الاحتلال الصهيوني. أتمنى من كل قلبي أن يتحرر جميع أسرانا وأسيراتنا من هذا القيد الثقيل علينا وعليهم، وأن نطوي هذا الملف المؤلم.

بعد تحرر مجد كنت أضحك وأقول خلص لازم أعطي مجد جميع المسؤوليات والمهمات!

في الحقيقة لا أعتقد أن هذا سيكون خياري، فأنا لم أعتد حياة الكسل، وإنما سأبقى على عهدي في متابعة قضية الأسرى، وسأكون عوناً لمجد وسيكون عوناً لي، ونتكىء كتفاً على كتف ونضع يداً بيد لنتابع كفاحنا ونضالنا في هذه الحياة.

 ***

هذا جزء من حكاية فلسطين ووجهها الأكثر إشراقاً، أمّا الحكاية كاملة فأيدي شبان وشابات فلسطين ما زالت تكتب سطورها، ولا تزال ملامحها ترتسم على أصوات وشعارات الشباب والشابات العرب الذين قالوا لا للمستبدين والطغاة، ويعرفون أن وقع خطاهم على أرض حرة كريمة من دون سجان ولا احتلال سيرسم الغد الأجمل.

عن مجلة الدراسات الفلسطينية العدد 128

Author: سعاد قطناني

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *