حسن الكاشف لتحرير فلسطين

دعاني أبو علي إلى غزة، واستضافني؛ إذ نظم حفلا ناجحا لتوقيع كتابي ياسر عرفات وجنون الجغرافيا… سألتني مراسلة محطة تلفزيونية محلية.. “بدعوة ممن أنت هنا، ومن هي الجهة التي نظمت حفل توقيع الكتاب؟

أجبت.. أنا هنا بدعوة من حسن الكاشف لتحرير فلسطين.

كان أبو علي أحد أصدقائي الأقربين، كان حاضرا دائما في حياتي وهو من النوع الذي لا يخطر ببالك حين تتعرف عليه أن تتساءل إلى أي فصيل ينتمي، أو أن تتأثر صلتك به بفعل الاتجاه الفكري الذي يعتنق، ذلك لأن فلسطينيته كانت أعمق جذورا في روحه وفكره وسلوكه، أما الوعاء الذي أحب أن يتموضع فيه فكان ثانويا.

تشدك إليه خفة ظله وموهبته المميزة في استخلاص الضحكة، حتى أن محمود درويش الذي كان صديقا مشتركا لنا ألّف طرفة عن أبو علي “كان خطأً أن يكون اسمك حسن الكاشف، لأن الأجدر أن يكون حسن الضاحك”.

كان ناجحا في كل موقع شاءت أقداره أن يوجد فيه، لقد كان أقوى أعلامي غطى الحرب العراقية الإيرانية من أخطر مواقعها القتالية، لم يكن مجرد مراسل ينقل الخبر، بل كان مرجعا معلوماتيا وتحليليا لواحدة من أقوى الحروب في المنطقة وأطولها، وأكثرها تعقيدا وتأثيرا في المصائر.

وكان عمدة قوي الحضور في مؤسساتنا الوطنية، فهو أمين سر الاتحاد العام للكتاب والصحفيين الذي كان من أقوى الإطارات الوطنية الوحدوية إن لم يكن نقابيا الأقوى على الإطلاق، وكان عضوا في المجلس الوطني لدورات عديدة ومديرا عاما لوزارة الإعلام.

كان صديقا شخصيا وسياسيا ووطنيا للرئيس الراحل ياسر عرفات، وحين حوصر أبو عمار في طرابلس، حضر أبو علي إلى قبرص ليلتحق بالقائد المحاصر في مخيم البداوي، وحين وفر له أبو صلاح اتصالا هاتفيا مع أبو عمار أبلغه بأنه ينتظر تأمين وسيلة للوصول إليه وحال توفرها قال سأكون إلى جانبك.

لم يكن الكاشف يعرف أن أبو عمار حين تلقى اتصاله كان في منتصف المفاوضات الهادفة إلى خروجه من الحصار، لذا أفصح لي عن استغرابه لأن أبو عمار قال له… أريدك أن تبقى حيث أنت أحتاجك في الإعلام يا حسن.

كان من أوائل العائدين إلى أرض الوطن، ترك كل ما لديه وراء ظهره ليعود إلى محبوبته فلسطين، وكأنه سيبدأ من الصفر مع أنه دائم البدايات المزهرة والمتألقة والمبهرة، كان لسانه جذابا حين يتحدث، وقلمه قويا مؤثرا حين يكتب، ووعيه عميقا وذكيا في كل نقاشاته ومحاججاته مع من يختلفون معه أو يتفقون معه، أما حسن الاجتماعي فكان منتشرا في كل مكان كريما سخي العطاء، لم يسجل على نفسه أنه تكسب من لسانه أو قلمه أو موقعه، مع أنه كان الأقرب لزعيمين قطبين يمتلكان قدرات هائلة في المنح والمنع، صدام حسين الذي كان يحترم دور الكاشف الأكثر تميزا في تغطية حربه مع إيران، وياسر عرفات الذي كان يدرك بحسه النافذ أن حسن الكاشف فلسطينيا في أول الأمر وآخره.

كل الكلمات لا تفي أبو علي صديقي وأخي بعض حقه المعنوي علي، رحمك الله يا حسن واصبري يا أختي الغالية أم علي ولأحبائي جميع أسرة الفقيد مشاطرتي العميقة لحزنهم عليه.

لم أغالي حين عنونت مقالتي هذه عنه… حسن الكاشف لتحرير فلسطين، فقد كان أكثر من فرد وقائد وفصيل.

Author: نبيل عمرو

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *