حركة فتح أين كانت؟ وأين صارت؟ ولماذا؟ مراجعة نقدية تحليلية للمسيرة الفتحاوية

تبدو حركة “فتح” التي أسّست الحركة الوطنية الفلسطينية المعاصرة، وأطلقت الكفاح المسلح (في الأول من يناير/كانون الثاني 1965)، وقادت مسيرة النضال الفلسطيني، طوال العقود الخمس الماضية، في مواجهة أزمة كبيرة في البنية والسياسة والقيادة.

ربما يمكن اعتبار ذلك أمراً عادياً، فالحركات السياسية، أيضاً، تشيخ وتترهّل وتستنزف، فوق ذلك فهي تستهلك وتتعب وتصبح متقادمة، بأفكارها وصيغها التنظيمية وأشكال عملها.

بيد أن تحديد وضع حركة “فتح” يبدو أكثر تعقيداً، وصعوبة، بالنظر إلى أن هذه الحركة تكاد تكون هي ذاتها، من حيث الطبقة القيادية المسيطرة فيها، او لجهة محافظتها على إطاراتها، وتقاليد عملها، وشعاراتها العامة، بالرغم من كل المتغيرات التي حصلت على صعيد خياراتها السياسية، وتحولها من حركة تحرر وطني إلى سلطة، ومن حركة تعمل في الخارج إلى حركة بات مركز ثقلها في الداخل، وإدارتها لأحوال جزء من شعبها، ناهيك عن التغيرات الحاصلة في المجتمعات الفلسطينية في الداخل والخارج.

على ذلك فإن مشكلة هذه الحركة أنها لم تهضم تماماً التطورات والتغيرات السياسية والمجتمعية الحاصلة في السياسة والمجتمع الفلسطينيين، أو لم تتكيّف معها، وأنها لم تشتغل على تطوير اوضاعها، او تجديد شبابها، وهذا يشمل حقل الأفكار والسياسات والعلاقات الداخلية وأشكال العمل.

بديهي أننا عندما نتحدث عن حركة “فتح”، على هذا النحو، لا نقصد التقليل من قيمتها التاريخية والنضالية، ولا من الروح الكفاحية للمنضوين في إطارها، منذ انطلاقها في منتصف الستينيات، وإنما القصد هو تعيين المحصلة التاريخية لدور هذه الحركة، بالشكل الذي أديرت فيه من قبل قيادتها، او الطبقة السياسية المتحكمة فيها، لأن كثيراً من الأمور توقّفت على القرارات التي اتخذتها، والخيارات التي انتهجتها، والطريقة التي أدارت بها أوضاعها الداخلية، وصراعها ضد عدوها.

منذ الخروج من لبنان (1982)، وانتهاء العمل المسلح في الخارج، ولاسيما بعد التحوّل الى سلطة، في إقليم متعيّن في الضفة وغزة، في أكثر من عقدين، باتت هذه الحركة تبدو أقرب إلى جماعة غير واضحة المعالم من الناحية التنظيمية، وغير واضحة الهوية من الناحية السياسية، إذ لم تعد ذاتها الحركة التي ألهمت الروح الكفاحية عند الفلسطينيين، ووحدتهم، وصاغت هويتهم الوطنية. فوق ذلك فقد باتت هذه الحركة، التي كانت دائمة المبادرة، والتي طالما استمرأت التحايل على التناقضات العربية والإقليمية والدولية، رهينة خيارات أحادية، ولم تعد قادرة على تجديد شبابها وحيويتها ورؤاها، بل إن مكانتها القيادية والتمثيلية، في المجتمع الفلسطيني، آلت إلى انحسار، وهو ما ظهر واضحاً في الانتخابات التشريعية (2006)، في الضفة والقطاع، التي أفضت إلى فوز “حماس”، وصعودها إلى سدّة القيادة والسلطة، وبالتالي انقسام النظام السياسي الفلسطيني.

معلوم أن هذه الحركة كانت استطاعت، طوال خمسة عقود تقريباً، التحكّم بصياغة التاريخ المعاصر للشعب الفلسطيني، وطبعه بطابعها، فهي التي استنهضت هويته وعزّزت وحدته وشكّلت حركته السياسية وقادت كفاحه ضد إسرائيل، على الرغم من كل ما اعترضها من تحديات ومشكلات وضغوطات في الواقعين العربي والدولي، وعلى رغم تعقيدات الصراع ضد إسرائيل.

وما يسجّل لهذه الحركة أنها أكثر حركة فلسطينية خسرت من مؤسسيها وقيادييها، بواسطة عمليات اغتيال، فإلى ياسر عرفات الذي قضى (2004)، بعد حصار دام قرابة ثلاثة أعوام، فقد فقدت هذه الحركة كل من عبد الفتاح عيسى حمود (1969) وأبو علي إياد (1971) وأبو يوسف النجار وكمال عدوان (1972)، وماجد أبو شرار (1981) وسعد صايل (1984) وخليل الوزير أبو جهاد (1988) وصلاح خلف وهايل عبد الحميد (1991)، في حين قضى كل من أبو صبري وخالد الحسن نتيجة المرض، الأول في مطلع السبعينيات والثاني في أواسط التسعينيات.

 عوامل صعود “فتح”

من تفحّص التجربة الوطنية، في العقود الماضية، يمكن ملاحظة أن “فتح” تمكّنت من تعزيز مكانتها في قيادة للشعب الفلسطيني وحركته الوطنية، بالرغم من الظروف الفلسطينية والعربية والدولية، الصعبة والمعقّدة، بسبب تمتّعها بسمات خاصّة، ميّزتها عن غيرها من الكيانات السياسية الناشئة، وقتها، والتي يمكن إجمالها في النواحي الآتية:

أولاً، منذ انطلاقها (1965) أسّست “فتح” نفسها باعتبارها حركة وطنية (1)، تتوخّى استنهاض شعبها وتنظيمه في كيان سياسي، وقيادة كفاحه من اجل تحرير فلسطين (وضمنه العودة)، متمثّلة في كل ذلك الواقع السياسي والاجتماعي والثقافي للفلسطينيين، الذين يعيشون في ظروف مرحلة تحرّر وطني، واعتبارات التميّز عن الأحزاب الطبقية، كما عن الأحزاب العقائدية أو الأيدلوجية، في سعيها لأن تكون بمثابة حركة الشعب الفلسطيني.

وتبعاً لذلك فقد عكست “فتح”، في بناها الواسعة والمرنة، ومنطلقاتها السياسية العامة، واقع التنوع والتعددية في المجتمع الفلسطيني، إذ نأت بنفسها عن اعتناق أيديلوجية فكرية محددة، أو نظرية سياسية معينة، وبدت وكأنها بمثابة تجمع لجميع التيارات أو الألوان الفكرية والسياسية في المجتمع الفلسطيني، وهذا هو معنى “فتح”، وعلامة تميّزها عن باقي الفصائل. ولعلّ هذا الوضع بالذات هو الذي جعل هذه الحركة أكثر قدرة على استقطاب الفلسطينيين في كافة أماكن تواجدهم، وعلى اختلاف منابتهم الاجتماعية وتلاوينهم الفكرية، في بيئة سياسية كانت حكراً على الحركات السياسية: القومية واليسارية والإسلامية، التي كانت ناشطة آنذاك في المنطقة.

في المحصلة فإن هذه الحركة، التي وصمت من البعض بـ”اليمينية” من الناحية السياسية، وبأنها أقرب للبرجوازية في التعبير الطبقي، ضمّت في قواعدها الفئات الأكثر فقراً وكدحاً في المجتمعات والمخيمات الفلسطينية (من اللاجئين ومن العمال والفلاحين والحرفيين)، ربما أكثر من أي تنظيم “عمالي”، كما أنها ضمّت “يساريين” ربما بما لا يقل عن أي تنظيم يساري، إن لم يكن أكثر (2)، فضلاً عن أنها ضمّت شرائح واسعة من الطبقة الوسطى، مع التأكيد أن قطاعات من البرجوازية الفلسطينية (والعائلات التقليدية) محضتها دعمها؛ ما جعلها، بوضعها هذا بمثابة حركة الشعب الفلسطيني بامتياز. وبطبيعتها تلك فإن “فتح” بدت باعتبارها الحركة الأكثر شبها بشعبها، إذ شكلت حينها استجابة حية لحاجة الفلسطينيين إلى حركة وطنية توحّدهم، وتعبّر عنهم، وتقود كفاحهم، في مواجهة المشروع الاستعمار الاستيطاني الاحلالي الصهيوني المتمثل بإسرائيل.

وما ينبغي الانتباه إليه هنا أن طريق “فتح”، أي طريق الوطنية الفلسطينية، لم يكن سهلاً أو مفتوحاً، إذ إن المنطقة العربية كانت وقتها خاضعة في الأغلب لتيار القومية العربية، بزعامة الرئيس الراحل جمال عبد الناصر، وضمنه “البعث” وحركة “القوميين العرب”. كما كانت تعجّ بالتيارات الأيديولوجية اليسارية والشيوعية المدعومة من الاتحاد السوفياتي (السابق)، وأيضا كان ثمة الحركات الإسلامية ذات النفوذ الواسع، ومع ذلك فإن هذه الحركة الوليدة، التي سبحت عكس التيارات السائدة، استطاعت أن تفرض وجودها. ومعلوم أن هذه الحركة كانت استوعبت، آنذاك، في صفوفها نشطاء سابقين في الأحزاب القومية والإسلامية، ومثقفين يساريين، وكلهم توحّدوا على مشروع “فتح”، أي على مشروع الوطنية الفلسطينية.

ولعل ذهاب “فتح” نحو هذا المشروع كان يتوخّى -إضافة إلى بعث الهوية الوطنية لشعبها-التعويض عن غياب الإقليم المستقلّ بإقامة نوع من كيانية سياسية تستطيع ترميم حال التمزّق في واقع الشعب الفلسطيني، ولملمة شتاته، ما يمهّد لفرض وجوده على الخريطة السياسية ولاحقاً على الخريطة الجغرافية. هكذا، سيسجّل التاريخ لحركة «”فتح”»، التي انطلقت في مطلع 1965، بأنها كانت السباقة لحفر الأفكار التأسيسية للحركة الوطنية الفلسطينية المعاصرة، فهي التي كرست مفهوم الوطنية الفلسطينية، وتالياً، مفهوم الكيانية السياسية الفلسطينية.

ثانياً، من الناحية التنظيمية لم تتشكّل “فتح”، كغيرها من الكيانات السياسية، باعتبارها حزباً، وإنما باعتبارها حركة الشعب كله، لهذا جاءت على شكل حركة سياسية واسعة ومرنة ومفتوحة، ما يسهل الانضمام إليها. وربما يجدر الانتباه، أيضاً، أن “فتح” هذه لم تأت على شكل جبهة، على رغم من كونها حركة شعبية وتعدّدية ومتنوّعة، فيها اليميني واليساري والوسطي، والقومي والشيوعي والإسلامي والوطني. وفوق ذلك فهي كانت بمثابة حركة واسعة ومتشعّبة تنضوي في كيانها، وتخضع لقياداتها، تشكيلات عسكرية، وأجهزة خدمية متعددة وهيئات مختلفة. أما التنظيم في “فتح” فقد كان يعرّف كـ “جهاز”، أي باعتباره واحداً من الأجهزة التي تغطي مجمل قطاعات الحركة، واسمه جهاز (أو مفوضية) “التعبئة والتنظيم”، وهو يعمل تحت إدارة عضو في “اللجنة المركزية”، مع معاونين. علماً أن العضوية في التنظيم يقتصر على الأعضاء المدنيين المؤطّرين والناشطين في “فتح” في تجمعات الفلسطينيين، من غير المتفرّغين أو العاملين في الأجهزة الأخرى (العسكرية والمدنية)، وهذا يعني أن “فتح” بكّليتها لم تشكّل كيانا تنظيمياً وهرمياً واضح المعالم. (3)

وعمليا فإن “فتح” استمدت وحدتها ككيان سياسي من عدّة عوامل، أهمها: الإجماع على الفكرة الوطنية، وانتهاجها المقاومة المسلحة، وحيازتها على أكبر تشكيلات عسكرية، وخضوعها إلى قيادة موحّدة تتمثّل في اللجنة المركزية (وهي الهيئة القيادية للحركة)، والانقياد إلى زعيم هو ياسر عرفات، كما يأتي في ذلك وجود جهاز بيروقراطي كبير وقوي، تمثّل في الأجهزة الخدمية، إلى جانب حيازتها على موارد مالية كبيرة، أسهمت في تعزيز نظام الربط والضبط الذي ضمن لهذه الحركة وحدتها.

ثالثاً، لا شكّ أن مبادرة “فتح” لإطلاق المقاومة المسلحة، ضد إسرائيل، لعبت دوراً كبيراً في إيقاظ الشعور الوطني عند الفلسطينيين، وتأجيج روح المقاومة والتحدّي عندهم، وتغذية أملهم باستعادة الأرض والوطن، وتخصيب مخيّلتهم في العودة. هذا ما سهل على “فتح” استقطاب الفلسطينيين من حولها، ومحضها دعمهم وثقتهم.

وفي الواقع فقد كان لإطلاق المقاومة المسلحة، بما لها وماعليها، فعل السحر بين الفلسطينيين الذين رأوا في هذه الحركة الوليدة (وقتها) بمثابة المنقذ من حال الضياع، ورأوا في الطريق الذي اختطّته الوسيلة المثلى للرد على واقع التشرّد والحرمان من الوطن، وهزيمة إسرائيل، وتجسيد حلمهم بالتحرير واستعادة الحقوق، فضلاً أنها اعتبرت تمرّداً على حال العجز في النظام الرسمي العربي.

أيضاً، وفي حينه فقد اعتبرت المقاومة المسلحة بديلاً عن الجيوش العربية العاجزة والمنهزمة، ورداً على الأنظمة العربية الساكتة والعاجزة، وأسلوباً لاستنزاف إسرائيل في حرب شعبية طويلة الأمد، وطريقة تعبير من الفلسطينيين عن توقهم إلى الحرية واستعادة الوطن. كما يمكن أن نضيف إلى كل لك أن “فتح” هي التي احتضنت الانتفاضة الأولى (“أول الرصاص وأول الحجارة”)، وهي التي أطلقت الانتفاضة الثانية المسلحة، بعد إخفاق مفاوضات كامب ديفيد 2 (2000).

ولا شك هنا في أن مبادرة “فتح” لإطلاق الكفاح المسلح تحديداً لعب دوراً كبيراً في الترويج لها في المجال الشعبي، وربما هنا يصحّ الاعتقاد بأن الهوية الوطنية الفلسطينية ونهوض الفلسطينيين إنما تعمّدا في معمعان هذا الكفاح. فمنذ ذاك الوقت اضطلع الكفاح المسلح، الذي تحملت تلك الحركة المسؤولية الأساسية فيه، بدور كبير في صوغ الهوية الوطنية الفلسطينية، وبعث منظمة التحرير، التي اعتبرت بمثابة الكيانية السياسية المعنوية للشعب الفلسطيني. (4)

رابعاً، كرست “فتح” الوطنية الفلسطينية في حقل العمل السياسي، وقد ترجمت ذلك في دفاعها عن استقلالية القرار وإبراز الكيانية السياسية للفلسطينيين. (5) والحقيقة فإن جزءاً كبيراً من شعبية هذه الحركة إنما يعود إلى مقاومتها التدخّلات الرسمية العربية في الشؤون الفلسطينية الداخلية، واستنهاضها البعد الوطني في الصراع ضد إسرائيل، فيما بدا بمثابة ردّة فعل على تغييب دور الفلسطينيين بدعوى “قومية” المعركة. فعلى الرغم من أن قضية فلسطين، وأساساً قضية وجود إسرائيل في هذه المنطقة، هي قضية عربية، أيضاً، ومن وجوه عديدة، فإن تمثّل “قومية” المعركة، لاسيما من قبل الأنظمة السائدة، كان ينطوي على قدر كبير من المخاتلة والتلاعب والتوظيف، ولم يرق إلى مستوى التحديات التي تطرحها هذه القضية.

كما لابد من ملاحظة مسألة أساسية أخرى، وهي أن إبراز البعد الفلسطيني يشكّل تحدّيا للمشروع الصهيوني، الذي تأسّس في أحد مرتكزاته على نفي وتغييب وجود الشعب الفلسطيني، وهو الأمر الذي كان مغيّب سابقاً. المهم أن “فتح”، وعلى الرغم من الأثمان الفادحة التي دفعتها في صراعها مع أطراف من النظام العربي، بهذا الشأن، استطاعت الصمود في معركة الدفاع عن استقلالية القرار، في مرحلة صعودها، كما نجحت في إبراز الكيانية السياسية للفلسطينيين، التي تمثلت في منظمة التحرير، وغيرها من الكيانات والهيئات الجمعية المنبثقة عنها، والتي مثلت الشخصية العامة السياسية والقانونية لشعب فلسطين.

خامساً، طوال تاريخها زاوجت “فتح” بين كونها حركة ثورية وكونها حركة سياسية واقعية ومرنة، لشعب مشتّت يواجه عدواً فريداً من نوعه. ومثلاً فإن هذه الحركة أطلقت الكفاح المسلح، ولكنها إلى جانبه أولت العمل السياسي والدبلوماسي اهتمامها، ورغم دأبها على التحرّر من وصاية الأنظمة إلا أنها ظلت ترسخ علاقاتها مع النظام الرسمي العربي. كذلك فإن هذه الحركة سعت إلى تطوير العلاقة مع الاتحاد السوفياتي (السابق)، ولكنها ظلت تعمل على تنمية العلاقات مع أوروبا والولايات المتحدة الأميركية. وأخيراً فإن “فتح” التي أطلقت الثورة الفلسطينية المعاصرة، والكفاح المسلح، هي ذاتها التي نحت نحو المفاوضة والتسوية. جدير بالتذكير أن “فتح” تبنّت خطاب “التحرير”، كونه الخطاب الملهم في بدايات انطلاقها، فهو الذي كان بإمكانه حينها جمع شتات اللاجئين، والتعبير عن ردّهم على النكبة، ولكنها كانت السبّاقة في إضفاء معنى جديد لهذا الخطاب، بتبنيها فكرة إقامة دولة ديمقراطية علمانية (بصرف النظر عن الدين والتميزات الأخرى) في كامل أراضي فلسطين، كحل للمشكلتين الفلسطينية والإسرائيلية (في أواخر ستينيات القرن الماضي)؛ وفي ذلك فإن هذه الحركة لم تنس مخاطبة مجتمع العدو (الإسرائيلي) بتبنيها لهذا المشروع، في وقت مبكّر، وإن نكصت عنه في مرحلة أخرى لصالح خيار حل الدولتين.

 إشكاليات الحضور

فضلا عن كل هذه الميزات، ربما يجدر بنا التأكيد بأن حركة “فتح”، وغيرها من الفصائل، ما كان لها أن تتوسّع وترسّخ حضورها، بشكل سريع وقوي ولافت، وفي غضون فترة زمنية قصيرة، من دون توفّر عوامل خارجية عديدة مساعدة، لعل أهمها يكمن في العوامل الآتية:

1) هزيمة حزيران (1967) والتداعيات الناجمة عنها، وما أحدثته من هزّة في الوجدان العربي والفلسطيني، لاسيما مع اختلال النظام السياسي والأمني العربي السائد، وحاجته للتغطية على هذه الهزيمة، وإيجاد تعويض للجماهير العربية يصرفها عن محاسبة النظم المسؤولة عن هذه الهزيمة. وفي هذا الإطار فقد شكل السماح بتوسّع المقاومة المسلحة، ولو إلى حدّ الانفلاش، مخرجاً مناسباً لتنفيس الاحتقان وتهدئة الخواطر في المجتمعات العربية. ولاشكّ بأن هذا التوسع أفاد “فتح”، حينها، ولكن هذه الحركة بطريقة بنائها وإدارتها لم تستطع تأطير هذا التوّسع، أو التدفق، بشكل مناسب ومدروس، بتحويله من حالة كمية إلى حالة نوعية، ما انعكس عليها سلباّ في مرحلة لاحقة، وأصابها بالترهل، وبتضخم بناها البيروقراطية والخدمية، وتوسع صفوفها من دون الالتزام بالمعايير النضالية أو معايير الكفاءة والدور.

2) تدفّق الموارد المالية على الساحة الفلسطينية (وخصوصا على “فتح”)، الأمر الذي مكّنها من التوسّع، وجلب ألوف متفرّغين، وإقامة المؤسّسات الإدارية والخدمية والعسكرية. وفي الواقع فإنه من دون هذه المساعدات ما كان بالإمكان تأمين متطلبات العمل الفلسطيني، التي بدت مكلفة جداً. وبديهي أن هذه المساعدات خلقت واقعاً من الاعتمادية على بعض الدول العربية، بكل ما لذلك من تبعات سياسية، كما إنها خلقت نوعاً من طبقة سياسية متميّزة في العمل الفلسطيني، تحصل على مواردها من خارج علاقات الإنتاج الطبيعية. وإضافة إلى هذا وذاك فإن هذا الوضع جعل من “فتح”، وغيرها، “مستقلة” عن شعبها (من حيث الموارد)، فبدلاً من أن تعتمد الحركة الفلسطينية على شعبها، بتأمين مواردها، بات الشعب (أو قسماً منه) يعتمد على حركته الوطنية. وفي الحقيقة فإن هذا الوضع مازال مستمراً حتى اليوم، فقط هو انتقل من الدول العربية النفطية إلى ما يسمى الدول المانحة الداعمة لعملية “السلام”. ومعلوم أن هذه واحدة من أهم معضلات العمل الفلسطيني، حيث لم تعد الحركة الفلسطينية مرتبطة تماماً بشعبها، من الناحيتين التمثيلية والموارد الذاتية، لذا باتت القيادة الفلسطينية كأنها متحررة من أية التزامات او ضغوطات من شعبها، ما يفسر، بين أسباب أخرى ضعف علاقات المشاركة، واحتكار القرارات المصيرية، وغياب المساءلة، والمحاسبة، والنقد، وعدم مقايسة التضحيات بالإنجازات.

3) إطلاقها المقاومة المسلحة، وقد حدث ذلك في واقع فلسطيني وعربي بحاجة إلى أي عمل ضد إسرائيل، التي تغتصب وتعربد وتقتل وتحتل. وفي حين رأت الأنظمة السائدة في المقاومة نوعاً من تغطية على هزيمتها وقصورها في مواجهة إسرائيل (كما قدمنا)، فسارعت إلى النفخ فيها، وتضخيمها، فإن الجماهير العربية رأت فيها نوعا من الخلاص، ليس فقط في مواجهة إسرائيل، وإنما حتى في مواجهة النظم العربية، التي قيدت الحريات، وحرمت مجتمعاتها أي مستوى من المشاركة السياسية، والتي تهيمن على مجتمعاتها بوسائل القوة والقسر وعلاقات الاستبداد. والحاصل فإن المقاومة المسلحة ألهبت مخيّلة كثيرين في العالم العربي، ونخبه الثقافية وتياراته السياسية، وبات الفدائي حينها بمثابة المخلص، وحملت الحركة الفلسطينية مالا تحتمل من أحلام التغيير في العالم العربي.

4) لاشكّ أن الأوضاع العربية، وتناقضات النظام الرسمي، سهّلت ذلك، ففي تلك الفترة كان العالم العربي يتنازع بين تياري مصر عبد الناصر من جهة، والسعودية وسوريا من الجهة الأخرى، وكانت مصر تسعى وقتها لخلق تمثيل فلسطيني، وهو ما نتج عنه تأسيس منظمة التحرير، وقتها (1964). وفي هذا الإطار فقد وجد المحور المناوئ لعبد الناصر في انطلاق حركة “فتح” فرصة مناسبة لأخذ القضية الفلسطينية بعيداً عن مصر، ولعل ذلك يفسّر التسهيلات التي اتاحها نظام “البعث”، في سوريا، لهذه الحركة منذ بداياتها، في منتصف الستينيات، كما يفسر الدعم السعودي (والخليجي) عموماً لها.

5) على الصعيد الدولي، أيضا، بديهي أن ظروف الحرب الباردة، وانقسام العالم إلى معسكرين، أسهم بدوره في تدعيم المقاومة الفلسطينية، وشرعنتها، وتعزيز التعاطف معها والدعم لها، وهو ما أمنه الدعم السوفييتي، والمنظومة الاشتراكية، في تلك المرحلة لحركة المقاومة، وبالخصوص لحركة “فتح”، التي رأت فيها ساحة مواجهة مع النفوذ الامريكي والغربي في الشرق الأوسط.

مع ذلك ينبغي الاعتراف بأن المشروع الوطني، كما حاولته “فتح”، نشأ من الأساس مأزوماً بحكم عوامل متعددة، يكمن أهمها في عدم التكافؤ في المعطيات والإمكانيات وموازين القوى بين الفلسطينيين وإسرائيل، وافتقاد الفلسطينيين لحيز جغرافي مستقل، مع تمزق مجتمع الفلسطينيين، وعدم ملاءمة الظروف العربية لفكرة الكفاح المسلح الفلسطيني، او لفكرة الصراع ضد إسرائيل. (6)

 مناقشة في الأفكار السياسية

على ذلك، وبعد هذا العرض، من المثير تفحّص الأفكار الأساسية لحركة «فتح» التي قادت الكفاح الفلسطيني، طوال نصف قرن، في بداياته ومآلاته، في مراحل صعوده وهبوطه، بما له وما عليه. وفي الواقع فإن هذه الحركة التي أسّست للهوية الوطنية والكيانية السياسية للفلسطينيين، على عمودي الكفاح المسلح وتحرير فلسطين، هي ذاتها التي نكصت عن ذلك، وذهبت في اتجاهات مختلفة عن الفكرة التي تأسّست عليها، بغض النظر عن أسباب ذلك، أو تقييمنا لهذه لأسباب.

هكذا، لا يمكن وصف التغيير في التفكير السياسي لـ «فتح» بمصطلح «التطوّر» أو «التحول»، فالأول ينطوي على دلالات إيجابية، بينما الثاني يحتمل السلب والإيجاب. لذا، يبدو مصطلح «النكوص» الذي يعني التراجع والانكماش والتخلّي، أكثر مطابقة للواقع، وهو ربما الأكثر صوابية في التعبير عن هذه الحالة، لاسيما منذ حسم تحوّل هذه الحركة إلى سلطة.

وكانت حركة “فتح” عرّفت الأفكار السياسة المؤسّسة لها في مجموعة “المنطلقات والأهداف والأسلوب”، التي أصدرتها في أواخر الستينيات، وباتت تتكرر كلازمة في مجمل أدبياتها وخطاباتها، ولاسيما في مقدمة وثيقة النظام الأساسي الذي تقرّه مؤتمراتها (على الأقل حتى المؤتمر الخامس). (7) وقد انطلقت هذه المبادئ الأساسية من اعتبار “فلسطين جزءاً من الوطن العربي” (المادة 1) وأن شعبها هو “صاحب الحقّ في تقرير مصيره والسيادة على جميع أراضيه» (المادة 2)، وأن “القرارات التي صدرت أو تصدر عن هيئة الأمم المتحدة، او مجموعة من الدول..والتي تهدر حق الشعب الفلسطيني في وطنه باطلة ومرفوضة.”(المادة 6) لأن “الوجود الإسرائيلي في فلسطين هو غزو صهيوني عدواني وقاعدته استعمارية توسعية…» (المادة 8).

أما الأهداف، كما حددتها “فتح”، فتتمثل في “تحرير فلسطين تحريراً كاملاً وتصفية الكيان الصهيوني اقتصادياً وسياسياً وعسكرياً وثقافياً” (المادة 12). وهذا طبيعي لأن هذه الحركة انطلقت قبل حرب (1967)، أي أن تعريفها لفلسطين كان كاملاً ولم يكن يقتصر على الأراضي المحتلة في الضفة والقطاع. اللافت في هذه الأهداف تبني “فتح” في فترة مبكّرة من تاريخها لهدف الدولة الواحدة الديمقراطية العلمانية، في النص الذي تضمن “إقامة دولة فلسطينية ديموقراطية…على كامل التراب الفلسطيني تحفظ للمواطنين حقوقهم…على أساس العدل والمساواة من دون تمييز بسبب العنصر أو الدين أو العقيدة» (المادة 13). ومعنى ذلك وقتها حل المشكلة اليهودية او مستقبل اليهود في فلسطين، بما يتضمنه ذلك من التمييز بين الصهيونية واليهودية، وتحرير اليهود من الصهيونية، وكانت هذه فكرة لافتة ورائدة آنذاك.

ومن جهة الوسائل وأشكال النضال فقد أكدت “فتح” بأن “الثورة الشعبية المسلحة هي الطريق الحتمي الوحيد لتحرير فلسطين.” (المادة 17)، وأن “الكفاح المسلح..لن يتوقف… إلا بالقضاء على الكيان الصهيوني وتحرير فلسطين” (المادة 19). اللافت، أيضاً، أن هذه المبادئ تضمّنت، أيضاً، «مقاومة الحلول السياسية المطروحة كبديل عن تصفية الكيان الصهيوني» (المادة 22)، وهو ما تم تأكيده في البرنامج الصادر عن المؤتمر الثالث لهذه الحركة (1971) لجهة رفض «الحلول التصفوية والاستسلامية كافة بدءاً من وعد بلفور ومروراً بقرار التقسيم… والمشاريع المشبوهة كافة الرامية إلى إقامة كيان فلسطيني مسخ، ومرتبط بالصهيونية».

الآن، وبصرف النظر عن رأينا، فهذه الأفكار هي التي شكّلت هوية «فتح»، وميّزتها عن غيرها، وساهمت في تعزيز شعبيتها، في بيئة كانت تعجّ بالأيديولوجيات والطروحات القومية واليسارية والإسلامية.

بيد أن هذه الحركة، كما شهدنا، لم تصمد على مواقفها تلك، كما هو معروف، إذ مع الزمن، أدخلت عليها تغييرات نوعية عديدة، بفعل التحولات والتطورات والضغوطات، الدولية والإقليمية والعربية والفلسطينية والإسرائيلية، حتى أن ثمة أفكار ومنطلقات وأهداف تم شطبها نهائياً، لكن هذا الأمر حصل بعد انتهاء ظاهرة المقاومة المسلحة في الخارج، وتحول مركز ثقل العمل الفلسطيني إلى الداخل، بعد الانتفاضة الشعبية الأولى (1987ـ1993)، ولاسيما بعد عقد اتفاق أوسلو (1993) وإقامة كيان السلطة، وعلى وجه الخصوص بعد رحيل قائدها ياسر عرفات.

لذا يجدر بنا، في هذا السياق، التنبيه إلى ثلاثة مسائل. الأولى، أن المبادئ المذكورة تم تضمينها في الوثائق الصادرة عن مؤتمري “فتح” الرابع (دمشق 1980) والخامس (تونس 1989)، على رغم التغييرات النوعية الحاصلة في السياسة الفلسطينية، والتي انتهجتها قيادة هذه الحركة، منذ ذلك الوقت، من موقعها في قيادة منظمة التحرير، والتي تجسّدت في التحول من هدف التحرير إلى هدف اقامة سلطة أو دولة في أي جزء يجري تحريره، منذ أقرّ ما بات يعرف بـ “البرنامج المرحلي”، في الدورة (12) للمجلس الوطني الفلسطيني (1974). (9) ولعل ذلك يكشف حقيقة روح المناورة عند هذه القيادة، وعدم مبالاتها بالإنشاءات مقابل تركيزها على السياسات العملية، وتمييزها بين الشعارات والقرارات أو الخيارات؛ وهذه واحدة من أهم سمات عمل القيادة الفلسطينية (وهي قيادة المنظمة والسلطة وفتح في آن واحد). والمعنى أن قيادة “فتح” ظلّت تتعمد التورية، والحديث بلغة مزدوجة، حتى ذلك التاريخ، بل إن مقررات المؤتمر السادس الذي عقد في بيت لحم (2009)، بعد إقامة السلطة، وبعد رحيل ياسر عرفات، تضمنت انتهاج “فتح” لكل أشكال النضال وضمنها الكفاح المسلح! وبديهي أن هذاً مجرد كلام انشائي الغرض منه ترضية قواعد الحركة وجمهورها، لاسيما مع واقع التنسيق الأمني مع إسرائيل، بحسب اتفاقات اوسلو.

أما المسألة الثانية، فتتمثل في أن قيادة “فتح” تجاوزت الأفكار الأساسية لحركتها، بتحولها من مشروع تحرير فلسطين، وإقامة دولة واحدة ديمقراطية، إلى مشروع إقامة دولة في جزء من فلسطين (الضفة والقطاع)، كما تحولت من انتهاج الكفاح المسلح كوسيلة لتحرير فلسطين إلى انتهاج العمل الدبلوماسي، والمفاوضة، من دون أن تسعى إلى شرعنة كل ذلك بقرار جماعي يصدر عن تنظيمها، والأصحّ أنها لم تشعر بضرورة ذلك، بحكم هيمنتها على الحركة، والمنظمة، بدليل أن الأمور سارت كما سارت عليه، رغم ظهور خط معارض في “فتح” لهذا التوجّه، في حينه.

المسألة الثالثة التي ينبغي الانتباه إليها، في هذا المجال، مفادها أنه إذا كان المؤتمر العام الرابع لـ فتح (1980)، لم يمرّر “البرنامج المرحلي”، الذي بات معمولاً به، منذ العام 1974، في منظمة التحرير الفلسطينية، التي تهيمن عليها قيادة هذه الحركة، بتأكيده أن “فتح” “حركة وطنية ثورية هدفها تحرير فلسطين..وتصفية الكيان الصهيوني..وإقامة دولة ديمقراطية..تحفظ لجميع المواطنين حقوقهم الشرعية على أساس العدل والمساواة دون تمييز” (9)، فإن قيادة هذه الحركة استطاعت تمريره في المؤتمر الخامس (1989)، الذي عقد في تونس (10)، بعد الخروج من لبنان، وانتهاء ظاهرة المقاومة المسلحة من الخارج، وفي مناخات الانتفاضة الأولى (1987ـ1993). علماً أن هذا المؤتمر لم يصل حدّ إزاحة المبادئ الأولية للحركة، وهذا ما يمكن ملاحظته في المقررات التي صدرت عن المؤتمر، والتي تضمنت النص الآتي: “يؤكد المؤتمر..على الاهمية التاريخية لقرارات المجلس الوطني الفلسطيني في دورته التاسعة عشرة وبصورة خاصة “وثيقة الاستقلال”. أي أن لغة الخطاب هنا مازالت مزدوجة، بحيث تم صوغها بطريقة لا تقطع مع “المبادئ”، من جهة، وتوصل، أو تمرّر، الجديد، او الدخيل، على الفكر السياسي لهذا الحركة.

وفي الحقيقة، فإن إزاحة المبادئ، أو النكوص عنها، تحقّقت في المؤتمر السادس (2009) (11)، بعد إخفاق الانتفاضة الثانية (2000ـ2004)، ورحيل الزعيم الفلسطيني ابو عمار، الذي صاغ “فتح” على طريقته، وحافظ على ازدواجية خطابها، وفق فهمه لدوره النضالي ومكانته الشعبية ورمزيته التاريخية. وقد سهّل هذا النكوص ارتهان القيادة الفلسطينية لخيار السلطة والمفاوضات، وعدم اعتمادها خيارات أخرى، وظهور منافس لـ “فتح” على القيادة هي “حماس”، ووجود طبقة سياسية، باتت متقادمة، ومستهلكة، ومعنية باستمرار الوضع الراهن، ولو بثمن التخلّي عن الفكرة الوطنية التي مثلتها “فتح”.

بالمحصلة فقد تمخّض المؤتمر السادس لهذه الحركة، والذي عقد في ظلّ السلطة، في الأراضي المحتلة (بيت لحم 2009)، عن إزاحة المبادئ المذكورة من الوثائق الصادرة عن المؤتمر، بعد 13 عاماً على تعديل الميثاق الوطني (غزة 1996)، و16 عاماً على توقيع اتفاق أوسلو (1993)، وعقدين على تبنّي برنامج «الحرية والاستقلال» (الجزائر 1988)، و35 عاماً على إقرار البرنامج المرحلي (القاهرة 1974)، في دورات المجلس الوطني. (12)

مثلاً، فقد لخّص هذا المؤتمر في عبارة واحدة مراحل مهمة عديدة من التجربة الوطنية الفلسطينية، دون ان يصدر أي دلالات سياسية بشأنها، وبدون أي نظرة تقييمية او نقدية، في قوله: “في 9 ديسمبر 1987..انطلقت انتفاضة الحجارة..ليعلن بعدها المجلس الوطني الفلسطيني التاسع عشر في 15 نوفمبر 1988 قيام دولة فلسطين..وجاءت حرب الخليج (1990) وانهيار الاتحاد السوفيتي وخسارتنا لصديق كان دائماً إلى جانبنا، وخسارتنا العربية في العراق والخليج، وبروز القطب الأمريكي الأوحد في العالم، فكان لزاماً علينا إعادة النظر في استراتيجيتنا المرحلية واغتنام فرصة التحرك بالسلام، فكانت عملية السلام وقيام السلطة الوطنية التي فتحت الأبواب لتحرير المدن الفلسطينية في الضفة وقطاع غزة، ولبناء مؤسسات الدولة المستقلة القادمة، ولاعتراف دولي كبير وعلاقات سياسية واقتصادية وتجارية مع دول العالم، وانجازات داخلية كثيرة على الصعيد السياسي والدستوري والاقتصادي.”. واللافت أن هذا الكلام جاء عام 2009، أي بعد اخفاق مفاوضات كامب ديفيد 2 (2000) وتجربة الانتفاضة الثانية، وسيطرة حماس على غزة، والحرب الإسرائيلية على غزة، وبعد تبيّن الأغراض الإسرائيلية من اتفاق اوسلو، على ضوء تجربة عمرها 16 عاماً!

فوق ذلك فقد كان صدر عن هذا المؤتمر عبارات عامة لا تتناسب مع حركة سياسية قادت كفاح شعب، قدم كل تلك التضحيات، من مثل أن أهدافها “تحرير الوطن وإنهاء استيطانه”، وفي حين أن “الوطن” بات مختزلاً في الضفة والقطاع (على الأكثر) فإن كلمة “تحرير” لا دلالة لها. أما قضية اللاجئين فجرى الحديث عنها بعبارات تتضمن تأكيد حقهم “في العودة والتعويض، استناداً إلى ميثاق الأمم المتحدة، وقرار الجمعية العامة رقم 194″، و”ضرورة تفعيل وتعزيز دور الجاليات الفلسطينية”، و”إشراك الفلسطينيين في الشتات في أنشطة الحركة والمنظمة”، و”التصدي لمساعدة أبنائنا في الشتات عند تعرضهم للأخطار، كما حدث لأبناء شعبنا المقيمين في العراق”.

بالنتيجة فقد شرعن المؤتمر السادس للتغيير الجاري في “فتح” منذ انتهاء الظاهرة المسلحة في الخارج (1982)، ولاسيما منذ تحوّلها إلى سلطة (1994). والفكرة الثانية أنه منذ ذلك التاريخ بات ثمة تطابق بين بنية “فتح” وفكرها السياسي، إذ في عهد الرئيس أبو مازن، وهو قائد فتح ورئيس المنظمة، لم تعد ثمة حاجة إلى الازدواجية التي كانت.

هذا يفيد بأن تحول “فتح” نحو التسوية في مطلع السبعينات لم يحدث نتيجة تطور في الثقافة السياسية لـ “فتح” كحركة، ولم يشرّع في مؤتمراتها، وإنما اتخذ هكذا خيار في إطار اللجنة المركزية فقط، وفي إطارات منظمة التحرير، وهو ما حدث مع اتفاق أوسلو (1993). (13) وبديهي أن كل العمليات السياسية، من المفاوضة إلى الانتفاضة، لم تدرس في الأطر القيادية ولم تكن وليدة ثقافة سياسية، ولم تأت نتيجة إعدادات ميدانية. وفي هذا المجال تبدو «فتح» وكأنها حركة للقيادة، أو للزعيم (أبو عمار بخاصة)، أكثر من كونها حركة لها قيادة، بدليل أنها كانت تميل حيث تميل القيادة، أو بشكل أدق حيث كان يميل زعيمها الراحل ياسر عرفات، فإذا مال نحو الكفاح المسلح تذهب معه، وإذا مال نحو التسوية تميل معه، وإذا غادر المفاوضات إلى الانتفاضة تغادر معه، وهذا ما يفسّر اتجاه كتائب الأقصى (المنبثقة من «فتح») بتبني نمط العمليات التفجيرية / الاستشهادية على رغم أن دلالاتها السياسية لا تتوافق، كما يفترض، مع التوجه السياسي للحركة.

المعنى من كل ذلك أن الحركة الفلسطينية لم تكن تولي اهتماماً مناسباً لفكرها السياسي، وأن الطبقة القيادية فيها هي التي تتحكّم بتقرير الخيارات الكبرى، وأن الديموقراطية لا تشتغل جيداً في الحقل السياسي لفصائل الفلسطينيين، وضمنها “فتح”.

طبعاً، ليس القصد هنا نفي شرعية التغيير في التفكير السياسي للحركات والأحزاب، فهذا أمر محمود، على أن يأتي نتيجة لتفاعل داخلي، وكمحصلة عملية ديموقراطية، وفي سياق الإغناء والتطوير، مع المحافظة على الهدف الأساس، أو الروح التي شكّلت هذه الحركة أو الحزب، وهي بالنسبة لـ «فتح» تتحدد في تعزيزها هوية الفلسطينيين وكيانيتهم السياسية، واستمرار كفاحهم لتقويض المشروع الصهيوني الاستعماري والعنصري، الذي تمثله إسرائيل.

 بين الأفول والنهوض

هكذا يمكن قول أشياء كثيرة عن حركة “فتح” تحسب لها، ولكفاح مناضليها، وللحنكة السياسية التي تمتع بها قادتها الأوائل، وفي مقدمتهم الزعيم الفلسطيني الراحل ياسر عرفات، مع ذلك فإن الموضوعية تقتضي القول، أيضاً، بأن هذه الحركة التي أطلقت الكفاح المسلح، هي التي أنهت الكفاح المسلح، لصالح خيار المفاوضة والتسوية، بتوقيعها اتفاق أوسلو (1993)، الناقض والجزئي والمجحف. وأن هذه الحركة التي عززت مكانة منظمة التحرير، باعتبارها الممثل الشرعي والوحيد، والكيان المعنوي للفلسطينيين، هي التي همّشت هذه المنظمة وغيّبتها لصالح السلطة. وأن هذه الحركة التي بعثت الفلسطينيين شعبا، وصنعت هويتهم وكيانيتهم السياسية، هي التي اضعفت ادراكات الفلسطينيين لكونهم شعباً، بذهابها نحو حل لجزء من الشعب على جزء من الأرض، والفجوة بين السلطة ومجتمعات اللاجئين.

ونخلص من ذلك إلى حقيقة مفادها أن الحركات والأحزاب الراديكالية تتغير أيضا، وحتى أنها تتغير من دون وعي أصحابها، وربما برغم إرادتهم، فهي تتغير بدفع من الظروف والضغوط الموضوعية، وبحكم ثقل المسؤوليات السلطوية التي تدخلها، وأيضا بسبب تولد مصالح وعلاقات جديدة، ينبثق عنها رؤى أفكار سياسية أو سلطوية جديدة أيضا.

القصد من هذا الكلام لفت الانتباه إلى ضرورة التمييز بين العوامل الموضوعية/الخارجية، من جهة، والعوامل الذاتية/الداخلية، من الجهة الأخرى، من بين العوامل التي تسببت في أزمة فتح، وإخفاق خياراتها، وتراجع دورها ومكانتها.

ربما يرى البعض ان هذا ما حصل هو امر طبيعي، إذ لا يمكن توقّع أن تبقى حركة سياسية هي ذاتها، لا سيّما كحركة «”فتح”»، لها كل هذا القدر من العمر، وعانت من كثير من المصاعب والتعقيدات والتحدّيات، أي على طبيعتها، أو أن تنأى بنفسها عن التأثر بالتحولات الجارية في محيطها. ذلك أن الحركات والظواهر السياسية والمجتمعية تتغير وتتأثّر بالزمن، وبدخول عوامل جديدة مغايرة عن التي شهدت تأسيسها، لكن الأمر بالنسبة إلى «”فتح”» لم يكن يقتصر على ذلك فقط.

وفي الحقيقة فإن التغيّرات التي حصلت في «”فتح”» لم تكن كلها استجابة لسياقات التطوّر الطبيعي، ولم تأت في سياق التكيّف الاضطراري مع التحوّلات الحاصلة فيها أو المحيطة بها، وإنما هي تغيّرات من طبيعة نكوصيّة، أو تراجعيّة، وهي تطوّرات لم تحصل بضغط العوامل الخارجية/ الموضوعية فقط، وإنما حصلت أيضاً بفعل قوّة دفع ذاتية، ناجمة عن ثقافة معينة وبنى وعلاقات قامت عليها، أو انزاحت إليها، هذه الحركة.

في المحصلة، فقد أضحت الأمور معكوسة، فبدلاً من أن تكرّس الفصائل، ومن ضمنها «فتح»، لاستعادة حقوق الشعب، بات الحفاظ على وجودها هو الهدف، وبدلاً من أن تغيّر الحركة الوطنية الواقع الاستعماري والعنصري في فلسطين، قامت هي بتغيير، أو مواءمة ذاتها، مع هذا الواقع.

في كل الأحوال فإن حركة “فتح” باتت تقف إزاء مسارين، اما النهوض او الأفول، والخيار بين هذين المساريين يتوقف على ماتفعله او ما لا تفعله قيادة هذه الحركة، التي احتفت في مطلع هذا العام (2015) بمرور نصف قرن على انطلاقتها.

ولعله كان بالإمكان تحويل هذه المناسبة من مجرد مناسبة للاحتفال، إلى مناسبة لإطلاق ورشات نقاشية بين قيادات هذه الحركة وكوادرها وجمهورها، لإجراء مراجعة نقدية للتجارب السابقة، من الأردن إلى لبنان ثم الضفة وغزة، وللخيارات من الكفاح المسلح والانتفاضة إلى التسوية والمفاوضة، وللكيانات السياسية من المنظمة إلى السلطة، مرورا بالفصائل. هكذا، كان حريّ بقيادة “فتح” طرح الأسئلة المناسبة، بخصوص أين كنا وأين أصبحنا؟ ولماذا لم تنجح حركة التحرر الفلسطينية في المهام التي أخذتها على عاتقها، طوال نصف قرن، ولم تستطع حتى الحفاظ على الإنجازات التي حققتها في مرحلة ما، رغم ان الفلسطينيين لم يقصرّوا في بذل التضحيات واجتراح البطولات في ظروف صعبة ومعقدة؟

المشكلة أن “فتح”، وغيرها من الفصائل، لم تطرح هذه الأسئلة على نفسها ولا في أي مرحلة، لأن المراجعة النقدية تودي إلى تحديد المسؤوليات، كما تفترض بداهة حالة سياسية تتأسّس على الديمقراطية والتداول والتمثيل وهو ما تفتقده الحركات الفلسطينية، التي تشكلت طبقتها القيادية منذ نصف قرن تقريبا، والتي مازال فيها قياديون على رأس فصائلهم طوال هذه المدة!

اللافت، أيضاً، أن هذه الحركة لم تطرح هذه الأسئلة على نفسها حتى في سياق تحضيرها لعقد مؤتمرها السابع، الذي كان يفترض عقده هذا الشهر، والذي تأجّل فجأة، علما أنها لم تطرح وثائقها السياسية للنقاش العام، كأن المؤتمر مجرد مناسبة انتخابية، او داخلية، علما أن سياسات هذه الحركة لا تخصّها وحدها، كونها الحركة التي تحدد الخيارات السياسية للفلسطينيين، منذ نصف قرن، وتهيمن على المؤسسات الكيانية للشعب الفلسطيني (المنظمة والسلطة والاتحادات الشعبية).

كل ما يحصل ينبغي ان يثير مخاوف قيادات هذه الحركة، وكوادرها، والجمهور الغيور على المصلحة الوطنية، إذ مازال ثمة مشروعية فلسطينية لحركة سياسية كالتي مثلتها «فتح» في بداياتها، بعد الاستفادة من عِبر ودروس التجربة الماضية، أي أن الفلسطينيين هم أحوج ما يكونون إلى حركة وطنية كهذه، حركة تحمل وتتمثّل حقاً مشروعهم التحرّري الديموقراطي الذي يتأسّس على الحقيقة والعدالة والكرامة والمساواة للجميع؛ باعتباره المشروع النقيض لإسرائيل الاستعمارية والعنصرية والدينية. الفلسطينيون بحاجة إلى تجديد حركتهم الوطنية.

 فتح ومؤتمراتها ـ المؤتمر السابع كحالة

لا أتوخى من هذا العنوان التقليل من شأن حركة فتح أو الإيحاء بأنها انتهت، فهذه الحركة مازالت تتمتع برصيد قوي في مجتمعات الفلسطينيين، وإن كان يقل كثيرا عما كان لها في السبعينيات والثمانينيات بدليل خسارتها في انتخابات المجلس التشريعي 2006، وخسارتها قطاع غزة (2007) وبدليل إنها ما زالت أيضا تهيمن على السلطة والمنظمة ومجمل الهيئات الجمعية الفلسطينية. يفترض أيضا الانتباه إلى أن هذه الحركة لم تنته كبنية سياسية، إذ هي مستمرة في الوجود، خاصة أنها مازالت تسيطر على الشرعية والقرار والموارد عند الفلسطينيين، وعلى أجندتهم السياسية، رغم أنها هي ذاتها تغيرت، أو تحولت من حركة تحرر إلى سلطة، ومن المقاومة إلى التسوية، ومن الكفاح المسلح إلى المفاوضة، ومن الصراع مع إسرائيل إلى التعايش معها، ومن أجندة الصراع على ملف 48 أي النكبة إلى ملف الصراع على دولة في الأراضي المحتلة (1967)، أي في 22% من فلسطين

هذا وذاك يعنيان أن الفلسطينيين مازالوا بحاجة إلى حركة تحرر وطني تعددية ومتنوعة ومستقلة، كتلك التي مثلتها تلك الحركة، في حقبة ما قبل قيام السلطة، سواء كان اسمها فتح أو غير ذلك. كما يعني ذلك أن الحركات الوطنية والأحزاب السياسية قد لا تنتهي بتغير أحوالها وأجندتها، إذ هي أيضا يمكن أن تكيف ذاتها وأن تبرر كل ذلك بادعاءات مختلفة، كما بينت التجربة التاريخية، وهو ما بينته تجربة فتح أيضا.

وفي تاريخها الطويل عقدت حركة فتح، وهي كبرى الفصائل الفلسطينية، والحركة التي قادت العمل الوطني الفلسطيني طوال نصف قرن، سبعة مؤتمرات، الأول في الكويت 1962، والثاني والثالث والرابع في دمشق 1968، 1971، 1980، والخامس في تونس 1988، والسادس في بيت لحم 2009 والسابع في رام الله 2016.

ثمة عدة ملاحظات يمكن استنتاجها من الفقرة السابقة، أولها، انتظام مؤتمرات فتح في المراحل الأولى، أي إبان صعود الحركة الوطنية الفلسطينية، وعدم انتظامها في المراحل التالية، أي إبان هبوطها وتحولها إلى التسوية والسلطة، إذ عقدت مؤتمرها السادس بعد 21 عاما على التئام مؤتمرها الخامس، وعقدت مؤتمرها السابع بعد سبعة أعوام على مؤتمرها السادس، ما يعكس ترهل بناها وجمود حياتها التنظيمية وحراكاتها الداخلية، رغم أن نظامها الداخلي ينص على عقد المؤتمر كل خمسة أعوام.

ثانيا، يفيد ما تقدم بأن معظم الخيارات السياسية المصيرية التي انتهجتها قيادة هذه الحركة، بخاصة من موقعها في قيادة المنظمة والسلطة، لم تأخذ شرعيتها من الهيئة العليا أو التشريعية في الحركة، وهي المؤتمر العام، كما يفيد ذلك بأنها لم تأخذ حقها من النقاش في أطرها، وهذا ينطبق على اتفاق أوسلو (1993)، وإقامة كيان السلطة في الضفة والقطاع.

ثالثا، يعني هذا أيضا، أن هذه الحركة عقدت مؤتمرين لها في الداخل (2009، 2018)، في حين عقدت خمسة مؤتمرات لها في الخارج. رابعا، يتضح من كل ما تقدم، أن هذه الحركة تشتغل وفقا لمزاج قيادتها، أو قائدها العام، أو وفقا لما يراه مناسبا، بحيث تبدو فتح بمثابة تنظيم يخضع للنظام الأبوي، أكثر منها حركة سياسية ديمقراطية، تستمد مواقفها من المنتسبين إليها، مع العلم أن هذه الحركة لم تنتظم في هيكلية حزبية، وهي ليست حزبا، كما أنها لم تتحول إلى جبهة، أي أنها تأخذ شكلا عشوائيا، بين الحزب والجبهة بدون الانتظام في هيكلية معينة، علما أن التنظيم، أي الأقاليم (وهيكليتها: المناطق والشعب والحلقات والخلايا) هي مجرد جهاز من أجهزة فتح، يشرف عليه مكتب التعبئة والتنظيم، مثله مثل أجهزة الإعلام والأمن والعلاقات الخارجية والمالية وقوات العاصفة وباقي الأجهزة الإدارية والخدمية التي لا تنتظم في هيكلية معينة، ولا تمارس حياة تنظيمية أو سياسية؛ وهذا ما سنفصله لاحقا.

 إشكالية العضوية ..

هكذا، فخلافا للصورة البسيطة التي ربما تكون سائدة عند كثيرين، فإن مؤتمر فتح، يعقد بقرار من القيادة، أي ليس بناء على بند في نظامها الداخلي ينص على ذلك، ولا بحسب الظروف الصعبة أو الخطيرة التي تتطلب هذا الأمر؛ هذا من ناحية، ومن ناحية ثانية فإن قيادة فتح هي التي تحدد معظم أعضاء المؤتمر، أي أن أكثر من الثلثين يأتون بالتعيين، تحت مسميات نص عليها النظام الداخلي (مجلس استشاري، كفاءات، سفراء، منظمات شعبية، عسكريون، أسرى، عاملون في السلطة والمنظمة) ما يتيح من خلالها تحكم القيادة بتركيبة المؤتمر، أو بكلام آخر يتيح لها انتخاب ناخبيها. وبشكل أكثر تحديدا، بالنسبة للمؤتمر السابع، يمكن ملاحظة الآتي:

أولا، كان حجم تمثيل فلسطينيي الضفة وغزة، أو تمثيل تنظيم فتح في الضفة وغزة، في المؤتمرين السادس والسابع، أكثر بكثير من حجم الفلسطينيين اللاجئين، أو تنظيم فتح في الخارج (بما في ذلك سوريا ولبنان والأردن وباقي الدول العربية والأجنبية)، الذي بلغ 128 عضوا من أصل 1400 عضوا (عضوية المؤتمر الخامس حوالي 1000 والسادس 2350)، في حين كان حجم هؤلاء أكبر في المؤتمرات السابقة .

ثانيا، كان تمثيل “تنظيم فتح” في المؤتمر السابع ضعيفا جدا، أي حوالي 438 عضوا، يمثلون التنظيم في الداخل والخارج من أصل 1400، أي أن حجم تمثيل العاملين في الأجهزة أكبر بكثير.

ثالثا، حجم المنتخبين قليل جدا بالقياس لعدد المعينين من قبل القيادة الفتحاوية، إذ لا يزيد عددهم عن 546 عضوا من أصل 1400 (اللجنة المركزية، المجلس الثوري، ممثلي الأقاليم في الداخل والخارج)، أي أن عدد المعينين حوالي 850، تبوأوا العضوية تحت بنود نص عليها النظام الداخلي، وفق ما ذكرنا سابقا، مع التأكيد أن عددا كبيرا من ممثلي الأقاليم يأتي بالتعيين أيضا؛ وهذا يضمن إعادة تجديد انتخاب الطبقة السياسية المهيمنة في فتح.

رابعا، غلب على المؤتمر طابع الموظفين أو العاملين في أجهزة المنظمة والسلطة وفتح في السلكين الأمني والمدني، علما أن هؤلاء احتلوا تلك المناصب بتعيين من القيادة ذاتها، ما يعني أن هذه حركة بات مسيطر عليها تماما، وإنها أضحت حزبا للسلطة بكل معنى الكلمة، منهية بذلك عهد الازدواجية بين المقاومة والتسوية، وحركة التحرر والسلطة، والتي كانت طبعت فتح بطابعها سابقا، أي بعد قيام السلطة؛ في حقبة الرئيس الراحل ياسر عرفات.

خامسا، قد يجدر لفت الانتباه هنا إلى أن حصة بلدان اللجوء (الأردن ولبنان وسوريا) في المؤتمر هي نحو 3 إلى 4 بالمئة (45 عضوا فقط)، ما يعكس هامشية مكانة مجتمعات اللاجئين في فتح، كانعكاس لتراجع دور الخارج، وتراجع أهمية قضية اللاجئين في سلم الأولويات لمصلحة خيار الدولة المستقلة في الضفة والقطاع، على رغم دور هذه المجتمعات في نهوض هذه الحركة ومجمل العمل الوطني الفلسطيني.

جدير بالذكر أن تركيبة المؤتمر أتت على النحو الآتي: 22 عضو لجنة مركزية، 86 عضو مجلس ثوري، 51 عضو مجلس استشاري، 151 عسكريين، 138 سفراء وموظفين في السلطة، 193 كفاءات، 57 أعضاء في مفوضيات الحركة، 146 عاملين في المنظمات الشعبية، 66 من الأسرى، 2 معتمدين (يلحظ أن الفئات السابقة بالتعيين)، 198 الأقاليم الشمالية (الضفة)، 112 الأقاليم الجنوبية (غزة)، 128 الأقاليم الخارجية، أي العربية والأجنبية (45 منهم فقط من سوريا ولبنان والأردن).

حقا، فهذا وضع تقوم فيه قيادة فتح بانتخاب ناخبيها.. فما معنى، أو ما هي معايير، عضوية أعضاء المجلس الاستشاري والعسكريين (وهم العاملون في أجهزة الأمن) وموظفي السلطة والكفاءات والعاملين في المفوضيات والمنظمات الشعيبية الذين ليست لهم أي صلة بحياة تنظيمية بمعنى الكلمة؟

في بعض وقائع المؤتمر ..

يلفت الانتباه أن المؤتمر استهل أعماله بتجديد الولاء لـ محمود عباس، بل وتنصيبه قائدا عاما لحركة فتح، وطبعا هذا خطأ كبير، وتجاوز من الناحية التنظيمية ومن الناحية السياسية، سيما أنه لا يجوز لحركة أو لحزب ما أن يعطي ثقته لشخص -أيا كان- على بياض، إذ كان يفترض أن يتم ذلك بعد مناقشة تجربة الحركة ومراجعة مسارها، والتقرير فيما إذا كانت تسير على صواب من عدم ذلك. ومثلا، هل انتخب لأن الحركة أضحت أفضل حالا منذ قيادته لها منذ 12 عاما؟ أو هل تم ذلك لأن خيار أوسلو نجح وقامت الدولة الفلسطينية المستقلة؟ أو هل كيان السلطة والمنظمة على ما يرام في ظل رئاسته لهما؟

أيضا، بدا واضحا أن المؤتمر تحول إلى نوع من مهرجان خطابي، مع كثرة المتكلمين من الوفود، ومع كلمة الرئيس أبو مازن التي استمرت زهاء ثلاث ساعات، دون أن يعرف أحد ماذا يقصد أو ماذا يريد، سيما أنه صور الأمور وكأن أوضاع الحركة والسلطة والشعب الفلسطيني على خير ما يرام، وكأن كل هذا التراجع في شعبية فتح وتآكل دورها في مواجهة إسرائيل، وإخفاق خيارات المقاومة والانتفاضة والمفاوضة لا تعني شيئا! وفي كل الأحوال فإن الرئيس لم يكن موفقا في كلمته التي خرج فيها عن النص، وبدا مزاجيا في أطروحاته الارتجالية، ويفتقد للدقة وللحس السياسي السليم.

الأهم من ذلك بدا من الكلمات ومن أجواء الحبور ومظاهر التبجيل وعواصف التصفيق وكأن مهمة المؤتمر هي مجرد الاحتفاء برئيس الحركة أو قائدها العام، وتأكيد شرعية الطبقة السياسية المهيمنة، وذلك من خلال إعادة انتخابها، بدلا من أن تنصب مهمته على اجراء مراجعة نقدية مسؤولة حول تجربة فتح، بما لها و ما عليها، أين أخطأت وأين أصابت؟ ولماذا حصل لها أو بها ما حصل؟ وأيضا ملاحظة الإخفاق في خياري السلطة والتسوية، وتاليا البحث عن خيارات موازية او بديلة، ناهيك عن مراجعة دورها في المنظمة والسلطة على ضوء تغييب وتهميش الأولى، وترهل الثانية، إضافة إلى بحث الأوضاع التي تمكن من تحويلها إلى تنظيم حقا، بتفعيل أطرها وشمولها مختلف مؤسسات وأجهزة الحركة، واعتماد معايير الكفاءة والوطنية والنزاهة، لاستنهاض بناها وإعادة الاعتبار لها كحركة تحرر وطني، وتجديد أهليتها النضالية.

في السياسة تم تفصيل البرنامج السياسي المقدم للمؤتمر بحيث يشرع ويبرر ويكرس الخيار الذي اتخذته القيادة الفلسطينية منذ أربعة عقود، أي خيار إقامة دولة فلسطينية في الضفة والقطاع، رغم أن هذه القيادة ذاتها نعت هذا الخيار مرارا بسبب التعنت الإسرائيلي، وبحكم استشراء الاستيطان، وقضم أراضي الضفة، وبالنظر لاستنكاف الدول الكبرى عن الضغط على إسرائيل، وغياب الفاعلية العربية، وعدم قدرة الفلسطينيين على وضع هذا الخيار منذ أربعين عاما.

الأنكى من ذلك أن هذا البرنامج لم يأخذ في اعتباره أن كيان السلطة بات مجرد ملحق بإسرائيل أو مرتهن لها، فضلا عن أنه قارب أو خضع للسردية الإسرائيلية باعتباره يرى الصراع مع إسرائيل وكأنه بدأ في العام 1967، علما أن حركة فتح كانت انطلقت أصلا في 1965، بهدف تحرير فلسطين.

في الانتخابات تم بداية تتويج أبو مازن قائدا عاما بالتصفيق، وقبل بدء أعمال المؤتمر؛ هذا أولا، ثانيا تم اعتبار القادة القدماء ابو لطف وأبو ماهر وأبو الأديب كأعضاء دائمين في اللجنة المركزية، أي خارج أي عملية انتخابية، لكن من دون حق بالتصويت ومن دون احتسابهم ضمن نصاب الاجتماع للهيئة المذكورة؛ ولا أدري هل هذا تكريم لهم أو خشية من عدم انتخابهم؟ ثالثا عشرات الأعضاء رشحوا أنفسهم للجنة المركزية ومئات رشحوا أنفسهم للمجلس الثوري، وهذا ليس دليل حيوية وعافية وإنما دليل تسيب وترهل وغياب معايير فاقم منها أن ثلثي المؤتمر جاؤوا بالتعيين. رابعا، السؤال الذي يطرح نفسه: لماذا لم يتم تصعيد المناضل الأسير مروان البرغوتي إلى اللجنة المركزية بذات الطريقة ومن خارج الانتخابات؟ وما هي الجهود التي تبذلها السلطة على كافة الصعد للإفراج عنه (علما أنه فاز في الانتخابات بأصوات عالية)؟

على ذلك يمكن القول إن المؤتمر السابع هو مجرد امتداد للمؤتمر السادس، وهو يحث الخطى على مغادرة المبادئ الأساسية التي قامت عليها فتح، ومغادرة تجربتها كحركة تحرر وطني، باتجاه التحول إلى حزب للسلطة أو حزب لبيروقراطية السلطة؛ مع الاحترام للمناضلين أو ما تبقى منهم. وهذا يعني أن مرحلة من النضال الفلسطيني انتهت ما يفترض التأسيس لمرحلة جديدة وحركة وطنية جديدة بمفاهيمها وبناها وطرق عملها.

 هوامش:

1 ـ لمزيد من الاطلاع راجع موقع الموسوعة الفلسطينية: http://www.palestinapedia.net/%D8%AD%D8%B1%D9%83%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%AA%D8%AD%D8%B1%D9%8A%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D9%88%D8%B7%D9%86%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D9%81%D9%84%D8%B3%D8%B7%D9%8A%D9%86%D9%8A/ .

2 ـ لعل ابرز من عرف من التيار اليساري من فتح أبو صالح وماجد أبو شرار وناجي علوش ومنير شفيق وحنا ميخائيل (أبو عمر) وأبو معن وأبو نائل وأبو فارس ونزيه أبو نضال والياس شوفاني ويحيى يخلف. بهذا الخصوص لمزيد من الاطلاع يمكن مراجعة مادتي يسار فتح في مجلة الدراسات الفلسطينية. أيضا، راجع مادتي: “فتح وتجرية التيار اليساري الديمقراطي فيها. مجلة الدراسات الفلسطينية، بيروت، العدد 92، خريف 2012.

3 ـ لأغراض الاطلاع على هيكلية حركة فتح، والعلاقة بين هيئاتها، وأيضا للمقارنة، ثمة نصين للنظام الداخلي لحركة فتح، الأول على موقع عضو اللجنة المركزية للحركة عباس زكي، وهو الصادر عن المؤتمر الخامس للحركة، وهذا رابطه  http://www.abbaszaki.plo.ps/fateh/fatehlows.htm

والثاني في موقع عضو اللجنة المركزية للحركة توفيق الطيراوي وهو الصادر عن المؤتمر العام السادس للحركة، وهذا رابطه: http://www.tirawi.ps/ar/fateh/1118-the-political-agenda-and-rules-of-procedure.html

4 ـ الاقتران بين الكفاح المسلح وصوغ الهوية الوطنية جرى التعبير عنه بشعارات مثل هويتي بندقيتي، ولكن ابلغ تعبير عن ذلك كان في كتابي: د. ماهر الشريف: “البحث عن كيان”، الصادر عن دار مدى، دمشق، 1995. و د. يزيد صايغ: “الكفاح المسلح والبحث عن الدولة. الحركة الوطنية الفلسطينية (1949 – 1993)، إصدار مؤسسة الدراسات الفلسطينية، بيروت، 2002. أيضا، يمكن الاطلاع على مادتي: “صعود وأفول الهوية الوطنية الفلسطينية”. مجلة الدراسات الفلسطينية، بيروت، العدد 90، ربيع 2012.

5 ـ القصد هنا الصراع على الإمساك بالقضية الفلسطينية، او بالحركة الوطنية الفلسطينية، في البدايات مع النظام الأردني، ثم ولفترة أطول، وأكثر تعقيدا، مع النظام السوري.

6 ـ ماجد كيالي: ” تحوّلات السياسية الفلسطينية في نصف قرن..قراءة في مقررات دورات المجلس الوطني”، مجلة شؤون فلسطينية، رام الله، العدد 258، خريف 2014.

7ـ لمراجعة النص كاملا في الرابط الآتي: http://www.abbaszaki.plo.ps/fateh/fatehlows.htm

8 ـ قرارات المجلس الوطني البرنامج المرحلي في الدورة 12 في موقع وكالة “وفا” عبر الرابط: http://www.wafainfo.ps/atemplate.aspx?id=3789

9ـ يمكن مراجعة البرنامج السياسي الصادر عن المؤتمر الرابع في الرابط الآتي: http://samednews.blogspot.com/2013/12/1965_29.html

10 ـ المصدر السابق.

11 ـ الوثيقة الختامية الصادرة عن المؤتمر السادس لحركة فتح، في الرابط الآتي: http://www.tirawi.ps/ar/fateh/1118-the-political-agenda-and-rules-of-procedure.html

12ـ يمكن الاطلاع على مجمل قرارات دورات المجلس الوطني الفلسطيني في موقع وكالة “وفا”، عبر الرابط:  http://www.wafainfo.ps/atemplate.aspx?id=3237

13ـ تم فرض “البرنامج المرحلي” في اجتماع المجلس الوطني (1974)، أي دون تمريره في مؤتمر حركة “فتح”، إذ ان المؤتمر الرابع لهذه الحركة عقد بعد سبعة أعوام (1981)، وهو لم يقر هذا البرنامج، إذ بقي على برنامج التحرير. وهذا تكرر في فرض اتفاق أوسلو، في اجتماع المجلس المركزي للمنظمة، وليس في اجتماع للمجلس الوطني، ولا في مؤتمر لـ”فتح”، إذ ان اول مؤتمر لهذه الحركة، بعد اتفاق اوسلو تم عقده، عام 2009، في بيت لحم، أي بعد 16 عاما، على قيام السلطة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *