حرب غزّة في سياق هندسة الوعي والكيّ المتبادل


اشترك معنا في قناة تلغرام: اضغط للاشتراك حمل تطبيق الملتقى الفلسطيني على آندرويد: اضغط للتحميل

لا تقاس الحروب بفتكها العسكريّ فحسب، بل تتعدّاه لتطول موازين هندسة الوعي والنفس وكيّهما كأداة لشلّ الفعل المتبادل. في هذا السياق، عمدت إسرائيل منذ قيامها على تثبيت عقيدتها القتاليّة “الجدار الحديديّ” المتجسّدة في ترويج مقولة “الجيش الّذي لا يقهر” فعليًّا وإعلاميًّا بهدف هندسة وكيّ الوعي الفلسطينيّ، والعربيّ والإسلاميّ. والهدف شلّ سلوكهم المقاوم وإخضاعه لشروطها الجيوسياسيّة. خير مثال على ذلك استهداف منظّمة التحرير الفلسطينيّة واستنزافها في حروب وهجمات ليست كحالة عسكريّة فقط، بل لتجسيدها الوعي الجمعيّ لقضيّة فلسطين، وتوحيد شعبها وتمثيله بعمقه العربيّ والإسلاميّ.

في السياق ذاته تفهم أيضًا حرب لبنان عام 1982 واستخدام القوّة المفرطة والمجازر الوحشيّة بهدف الفرض على منظّمة التحرير الفلسطينيّة الذهاب في مسار تفاوضيّ استسلاميّ تنفي فيه شرعيّة وجودها وتمثيلها، وتشرعن الاستعمار في تجلّيه الأبشع نظام “اليودقراطيّة”، وديمقراطيّة الشعب السيّد وفصله العنصريّ. في آخر المطاف كان لهم ذلك في اتّفاقيّة “أوسلو” وما أفرزته من سلطة فلسطينيّة أصبحت بقيادة محمود عبّاس جزءًا من النظام العربيّ الرسميّ، وأداة لاستنساخ الهزيمة وكيّ الوعي الجمعيّ فلسطينيًّا، وعربيًّا وإسلاميًّا.

في المقابل، زعزعت المقاومة الفلسطينيّة ومنها انتفاضة الأقصى ثوابت الردع الإسرائيليّ، ما أجبر الحكومة والجيش برئاسة شارون ورئيس أركان الجيش موشيه يعالون العودة لاستخدام مصطلح “كي الوعي” الفلسطينيّ والعربيّ مجدّدًا، خصوصًا بعد المشاركة الفاعلة لعرب 48 في ما أطلق عليه تاريخيًّا “هبة أكتوبر”، والّتي ارتقى فيها 13 شهيدًا من الداخل.

وفي السياق نفسه أيضًا، وجه الجيش الإسرائيليّ وقوى الأمن ضربات قاسية للفلسطينيّين لكي وعيهم وتثبيت عجزهم عن تخطّي سلوكيّات ومهامّ السلطة الفلسطينيّة كما حدّدتها وفهمتها إسرائيل في اتّفاقيّة أوسلو، وحاول الراحل ياسر عرفات تحدّيها، إلّا أنّه دفع الثمن باغتياله، وبعده تسلّم محمود عبّاس رئاسة السلطة بقرار أميركيّ وموافقة إسرائيليّة.

حفر في الوعي الجمعيّ الإسرائيليّ بشكل خاصّ ما أطلقت عليه المقاومة الفلسطينيّة “العمليّات الاستشهاديّة”، لما سبّبته من هلع وخوف وفقدان الأمن والأمان في الشوارع والأماكن العامّة. جاء هذا متناغمًا مع أداء المقاومة اللبنانيّة ومقولة حسن نصر اللّه في حفل عيد تحرير الجنوب الأوّل عام 2000: “إسرائيل هذه المدجّجة بالسلاح النوويّ واللّه أوهن من بيت العنكبوت”. مقولة أعطتها مرحلة الصواريخ من غزّة منذ عام 2001 بعدًا خاصًّا تعمّق كلّ ما تحوّلت من سلاح بدائيّ إلى تهديد إستراتيجيّ حقيقيّ، ساهم في هندسة وكيّ الوعي الإسرائيليّ بشكل تراكميّ إلى درجة أنّ 37% من الإسرائيليّين فكّروا عام 2012 في الهجرة بحسب استطلاع شركة البحث “سي أي” لصحيفة هآرتس.

ظاهرة تعاظمت حتّى شكّكت قيادات إسرائيليّة رسميّة مثل بيبي نتنياهو بإمكانيّة استمرار الدولة لقوله إنّ “دولة الحشمونائيم عاشت 80 عامًا… علينا ضمان احتفالنا بعيد إسرائيل المئة”، محذّرًا من المخاطر الجسيمة الّتي تهدّد وجود إسرائيل. من عقدة الثمانين هذه حذّر أيضًا رئيس الحكومة السابق، إيهود براك، وغيره من قيادات حتّى وصل الأمر بالمؤرّخ الدكتور يؤاف هلير، رئيس حركة “هريفعون هرفعيّ” القول لصحيفة هآرتس في بداية 2023 إنّ “إسرائيل تمرّ في أخطر مرحلة في تاريخها. كلّ الناس خائفة”.

وإن كان هذا لا يكفي، جاءت حرب غزّة (“طوفان الأقصى”) واجتياح قوّات النخبة للمقاومة الفلسطينيّة المستوطنات والثكنات العسكريّة لغلاف غزّة في السابع من تشرين الأوّل/ أكتوبر، لتشكّل زلزالًا كارثيًّا وضربة إستراتيجيّة في هندسة وكيّ الوعي الإسرائيليّ، أبدع الإسرائيليّون أنفسهم في وصفها. الدبلوماسيّ الإسرائيليّ السابق ألون بينكاس كتب إنّ “السابع من أكتوبر2023 تاريخ سيبقى عارًا على إسرائيل”. وكتب الكاتب الإسرائيليّ أوري مسغاف إنّ “إسرائيل القوّة الإقليميّة الكبرى في المنطقة تنهار أمام بضع مئات من مقاتلي حماس”. وبدوره وصف آفي ماير رئيس تحرير صحيفة “جيروزاليم بوست” ما حدث بقوله إنّ “هذا هو 11 سبتمبر الإسرائيليّ وبعده لن يعود أيّ شيء كما كان”.

ردًّا على ذلك ولمعالجته جاء الاجتياح البرّيّ الإسرائيليّ في حرب غزّة بهذه الدمويّة والوحشيّة إلى حدّ التطهير العرقيّ بأسلوب “عقيدة الضاحية”، لينتقم لكارثة “السبت الأسود” من خلال الحصول على صورتين: الأولى، تصفية قيادات المقاومة وعلى رأسهم يحيى السنوار ومحمّد الضيف ومعهم سلطة “حماس”؛ والثانية، مشهد تحرير الأسرى والرهائن في غزّة بالقوّة.

من جهتها، عمدت وما زالت المقاومة الفلسطينيّة تعميق كيّ الوعي الإسرائيليّ من خلال حصر المعركة معنويًّا، وسياسيًّا وإعلاميًّا، في السابع من أكتوبر وقدرة كتائب القسّام على اختراق أقوى تكنولوجيا عسكريّة في العالم، وجرّ هذه النتائج على كلّ الحرب من خلال الصمود والمواجهة لتحقيق مطلبين: الأوّل، تبييض السجون بإطلاق سراح كلّ الأسرى الفلسطينيّين؛ والثاني، رفع الحصار عن غزّة وكسب الرأي العامّ الإقليميّ والعالميّ لوقف الحرب ومناصرة القضيّة الفلسطينيّة كأداة رافدة لكي الوعي الإسرائيليّ، بتعميق هاجسه من العزلة الدوليّة وشعور “يا وحدنا”.

في المعركة على الرأي العامّ وكيّ الوعي الإسرائيليّ في بعده العالميّ، تقدّمت غزّة ومعها القضيّة الفلسطينيّة، إذ تجنّد لنصرتها كلّ من موقعه، الشعب الفلسطينيّ والعربيّ والإسلاميّ، وكلّ أحرار العالم (خصوصًا الشباب ممّن يطلق عليهم جيل Z) من خلال التحكّم التكنولوجيّ والعدديّ والشخصيّ الإبداعيّ في هندسة الوعي لشعوب العالم مع تفاوت ملحوظ بين دولة وأخرى. في هذا السياق، أعادت حرب غزّة القضيّة الفلسطينيّة للصدارة العالميّة شعبيًّا، وسيكون له الأثر الكبير مستقبليًّا على قرارات الأنظمة الحاكمة.

وفي التعامل مع هدف إسرائيل لتحرير الأسرى والرهائن بالقوّة، تفوّقت الفصائل الفلسطينيّة، مرحليًّا وبعد 47 يومًا من المعارك الضارية، على الموقف الإسرائيليّ وثبّتت موقفها المعروض منذ بداية الحرب، وهو إطلاق سراحهم دفعة واحدة أو على مراحل مقابل تبيّض السجون من الأسرى الفلسطينيّين. البيّنة على ذلك قرار الحكومة الإسرائيليّة رقم 1077 بإطلاق سراح 300 من الأسيرات والأطفال الفلسطينيّين (كما نشرته الحكومة نفسها بالأسماء) مقابل 50 من الأسرى والرهائن الإسرائيليّين، نساء وأطفال مع هدنة مؤقّتة. وهذا لا يعني عدم استمرار الحرب الدمويّة بأكثر بشاعة بدعم أميركيّ وغربيّ، وصمت وعجز عربيّ وإسلاميّ.

مع هذا وبمعزل عن محصّلة الحرب النهائيّة، ستبقى النتائج المستدامة لعمليّة “طوفان الأقصى” صورة وكيًّا إستراتيجيًّا عميقًا للوعي والنفس الإسرائيليّة كما يصفها ديفيد هوروفيتز من صحيفة “يديعوت أحرونوت”، بأنّه “انتصرت حماس في معركة نفسيّة كبرى ستبقى ذكراها خالدة للأبد”. بمعنى أنّه لن تكون أيّ صورة انتصار إسرائيليّة قادرة على محو آثار هذه الضربة، لأنّها صورة بألبوم صور كما يصفها المعلّق بن كاسبيت: “نفّذت حماس هجومها لتحصل على صورة نصر لكنّها عادت بألبوم كامل من هذه الصور”.

عن عرب 48

اشترك معنا في قناة تلغرام: اضغط للاشتراك

حمل تطبيق الملتقى الفلسطيني على آندرويد: اضغط للتحميل

Author: عامر الهزيل

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *