حرب غزة ليست كما بعدها


اشترك معنا في قناة تلغرام: اضغط للاشتراك حمل تطبيق الملتقى الفلسطيني على آندرويد: اضغط للتحميل

يبدو أن حركة “حماس”، بمبادرتها مهاجمة المستوطنات الإسرائيلية (في غلاف غزة)، حسمت خيارها في شأن تحديدها لمكانة قطاع غزة، أو أخذها له، وفقا لأجندتها السياسية، لفرض ذاتها كقيادة للشعب الفلسطيني، على حساب حركة “فتح”، وأيضا لفرض ذاتها كالمتحكم بالورقة الفلسطينية على الصعيدين العربي والدولي، بعد أن أدارت تلك المنطقة، كسلطة أحادية، في العام2007، وهو تاريخ انقسام الكيان الفلسطيني.

المعنى إن “حماس” كشفت عن إنها كانت تعد قطاع غزة ليس كدولة مفترضة، وإنما كقاعدة للمقاومة، أو لتحرير فلسطين، على ما كشف محمد الضيف، في كلمته التي تحدث فيها عن اطلاق معركة “طوفان الأقصى”، في تحميل لذلك القطاع الصغير، ومساحته 360 كيلومتر مربع (2 بالمئة من مساحة فلسطين، و6 بالمئة من مساحة الضفة)، ويعيش فيه مليونا فلسطيني في ظروف صعبة وفي ظروف حصار مشدد، عبء تحرير فلسطين، أو دحر الاحتلال من الضفة.

على ذلك فإن ما يفترض ملاحظته هنا، أولا، إن تلك الحرب تختلف عن سابقاتها، كونها أتت بمبادرة من حركة “حماس”. ثانيا، لأنها المرة الأولى التي يحدث فيها اقتحام بالمشاة لأراضي خارج الخط الأخضر، أي لإسرائيل ذاتها؛ فحتى “حزب الله” لم يفعل ذلك. ثالثا، لأنها تبدو تماما كأنها حرب بين جيشين (رغم التحفظ على إطلاق ذلك على مقاتلي “حماس”).

ثمة عديد من الأسباب التي شجعت “حماس” على خوض تلك المواجهة الخطيرة، والتي من المبكر التكهن بنتائجها وتداعياتها على الطرفين، وتلك يكمن أهمها في الآتي:

أولا، شعور “حماس” بأنها في ضائقة إزاء شعبها، كمقاومة أو كسلطة، فهي بعد 16 عاما من السيطرة على غزة، لم تفلح في فرض ذاتها كسلطة تحتذى، أو كسلطة أفضل من سلطة “فتح” في الضفة، في علاقتها مع شعبها، كما لم تفلح في حماية الفلسطينيين في غزة من الاعتداءات الإسرائيلية المتكررة والوحشية، فوق ذلك ثمة الحصار المشدد المفروض على القطاع، ما نجم عنه تفاقم حدة البطالة والفقر وفقدان الأمل، في منطقة قليلة الموارد، فاقم منها دفع أهالي غزة فاتورة باهظة نتيجة الحروب الإسرائيلية عليهم، والتي ذهب ضحيتها ألوف الفلسطينيين، وعشرات ألوف الجرحى، مع دمار هائل في البني التحتية والممتلكات.

ثمة عديد من الأسباب التي شجعت “حماس” على خوض تلك المواجهة الخطيرة، والتي من المبكر التكهن بنتائجها وتداعياتها على الطرفين

ثانيا، حاجة “حماس” الى ترميم صورتها، أو استعادة صدقيتها مع حلفائها، فهي رغم جهودها في بناء قوة مقاتلة، اثبتت ذاتها بشكل أكبر في حرب 2014، إلا إنها فوتت ثلاث جولات من القتال ضد إسرائيل، التي استفردت بحركة الجهاد الإسلامي (2019 و2022)، وبديهي إن ذلك أثّر على مكانتها مع إيران، بالنظر للدعم المالي والتسليحي الذي تقدمه لها.
ثالثا، ربما تحاول “حماس” في هذه الجولة لعب ورقتها الحاسمة، بقوتها العسكرية، لفرض ذاتها كالممثل الاول للفلسطينيين، في ظل التطورات الفلسطينية والعربية والدولية الجارية حاليا، بالتساوق مع الاعتراض الإيراني على التطبيع العربي مع إسرائيل، تحسبا لما يمكن أن ينجم عن ذلك من تداعيات في الواقعين العربي والفلسطيني مستقبلا.
على أية حال، ورغم كل المقدمات السابقة، فإن إسرائيل هي المسؤول عن كل ما يجري، فوجودها من أساسه قام على أساس الاعتداء على وجود الشعب الفلسطيني في أرضه، فهي منذ إقامتها (1948) تسببت بنكبة الشعب الفلسطيني، وحرمانه من هويته ومن وطنه، وهي تواصل حرمانه من حقوقه وامتهانه والاعتداء عليه، منذ 75 سنة، فاقم من ذلك مؤخرا انتهاكها للمقدسات الإسلامية والمسيحية، وتزايد هجمات المستوطنين المتطرفين في الضفة الغربية وفي القدس.
على ذلك فإن مقاومة الفلسطينيين هي ردة فعل طبيعية ومشروعة لأي شعب ضد الظلم وانتهاك الحقوق، على أي يرتبط ذلك بإرادة الشعب، بالوسائل المتاحة والمجدية والمسؤولة، والتي تستنزف العدو، ولا تتيح له استنزاف الشعب، أو تحميله فوق طاقاته؛ وهو الأمر الذي لم تحسن إدارته القيادات الفلسطينية، التي تفتقر لرؤية وطنية جامعة، كما تفتقر لاستراتيجية كفاحية واضحة وممكنة ومسؤولة، ويمكن استثمارها، رغم أن الحديث يجري عن تجربة عمرها 58 عاما، مع كل الاحترام للتضحيات والبطولات.
الآن، من المبكر استنباط التوقعات، أو معرفة تداعيات ما يجري، فنحن إزاء حدث غير مسبوق، اسرائيليا وفلسطينيا، لذا مع العواطف ينبغي الاسترشاد بالعقل وبالتجربة…كما علمتنا التجارب الباهظة.
 

ان مقاومة الفلسطينيين هي ردة فعل طبيعية ومشروعة لأي شعب ضد الظلم وانتهاك الحقوق، على أي يرتبط ذلك بإرادة الشعب، بالوسائل المتاحة والمجدية والمسؤولة، والتي تستنزف العدو، ولا تتيح له استنزاف الشعب، أو تحميله فوق طاقاته؛ وهو الأمر الذي لم تحسن إدارته القيادات الفلسطينية

لكن ما يجب ملاحظته أو استدراكه:
أولا، عدم الانسياق وراء الانفعالات والعواطف، فهذه لا تجدي شيئا في ظروف تشتغل فيها موازين القوى، والمعطيات العربية والدولية، وفي وضع يفترض أكبر قدر من ترشيد العقل في اتخاذ القرارات وتقرير السياسات.
ثانيا، ليس هذا هو الزمن الفلسطيني والعربي لتحرير فلسطين، مع كل التقدير للتضحيات والبطولات، علما إنه سبق للمقاومة الفلسطينية ان مرت بهكذا تجربة من معركة الكرامة الى الانتفاضة الثانية إلى معارك مخيم جنين مثل
ثالثا، ما يخشى منه هو تبلور معطيات تسمح لإسرائيل البطش بالفلسطينيين في غزة أو في القدس، او تسمح للمستوطنين باستباحة بعض مناطق الضفة، او اقتلاع وتشريد فلسطينيين من هذه المنطقة او تلك (فهذا حدث سابقا وحدث حاليا في تجربة سوريا وأوكرانيا وأرمينيا). 
رابعا، قد تتمخض تلك المواجهات عن بلورة مشروع فصل غزة عن الجسم الفلسطيني، وعن قيام دولة غزة، كدولة للفلسطينيين، مع سلطة لحماس أو لغيرها، بالتوازي مع انقلاب سياسي في وضع ومكانة السلطة (الغائبة والهزيلة) في رام الله.
ما قبل حرب غزة ليس كما بعدها.

عن المجلة

اشترك معنا في قناة تلغرام: اضغط للاشتراك

حمل تطبيق الملتقى الفلسطيني على آندرويد: اضغط للتحميل

Author: ماجد كيالي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *