حاتم علي  المُختلف

في نهاية الثمانينات, التقيتُ بشاب ذي ملامح جدية، يكبرني بعامين لقاءً عابراً، لا يُسجَّل منه ما هو مهم, شاب مثلي, يشبهني باهتماماته, يفكر كثيراً ولا يقول ما لا يفيد.

كان يقطن منطقة الحجر الأسود المتاخم لمخيم اليرموك حيث ولدتُ, وولدَتْ شريحةٌ من المثقفين والفنانين والمبدعين والمناضلين, لا اظن أن منطقة أخرى حملت في باطنها هذا التنوع من هؤلاء, كما وبهذه الفرادة والتميز الذي كان مصادفةً مقصودةً، شدَّتْ الحالمين باختلاف نهوجهم  بحَبْل اليرموك.

.. حينها كنت أقف في شارع اليرموك الرئيسي، عند مدخل أزهار الحسن, حين مر الشابُ الحالم الصامت من هناك فتجاوزني  لعدة أمتار، ثم عاد أدراجه خجِلاً كأنه ارتكب خطأ ما, وبادرني بظل ابتسامة وهو يشير بسبابته: وليد؟

أهلاً حاتم- أجبته.

كيف الحال؟ وإلى أين أنت ذاهب؟

في تلك اللحظات كان زهير الحسن قد اعتقلَنا بلطفه الشهير, وكان متأثراً مفعماً بحسٍّ هائجٍ، وعائداً من زيارة أخيه بشار, وقد صرختْ غلَّاية القهوة ببخارها فجلسنا, ثم غادرنا بعد حين أنا وحاتم، ونحن نسترق بطرف أعيننا النظر إلى رشيقات اليرموك وهن يعبرن بسرعة من أمامنا..

انطلقنا مجدداً، قلتُ له: سنمضي في الطريق معاً حتى آخر شارع اليرموك, وقد أخبرتُه خلالها بأنني سأزور فناناً جميلاً هو الراحل محمد الوهيبي – هو ذاته من أصبح فناناً تشكيلياً عالمياً- وقد توفي منذ سنوات قليلة لاجئاً في أوروبا.

.. بدأنا أحاديثنا حول الشعر والفنون, فقد كان ذلك شاغلنا الأول بلا منازع, وكنا نقرأ بنهم لا يُوصف, أنا أكتب الشعر, وحاتم الذي لا أعرفه إلا قليلاً يكتب القصة ويهتم بالمسرح ويتمرن التمثيل, وعلى الرغم, فإن ذلك لم يَطُلْ كثيراً, إذ لاحظ بأنني أميل قليلاً إلى اليسار بمشيتي, وبعد اصطدامات عدة بكتفي وعقب سؤاله, أجبته عن السبب, وهو أنني أصبت في معارك لبنان منذ سنوات قليلة خَلَتْ.

نقلَ حاتمُ الحديث كله باتجاه آخر، وشده الحديث عن ذلك, فدائي أيضاً!؟ يا إلهي!

 

كان يتحدث بتفخيم مبالغ فيه، واستمر في ذلك حتى الوصول إلى بيت محمد الوهيبي في نهاية اليرموك إلى جانب مشفى فلسطين.

لم أكترث طويلاً لاهتمام حاتم بالحديث الحماسي الممل عن العمل الفدائي, وتكرار الأسئلة ذاتها بنغمات مختلفة عن الشظية الساكنة في رأسي وإصابة يدي وقدمي بالرصاص.

في نهاية اليرموك، لم يغادرني نحو بيته في الحجر الأسود, فدخلنا معاً منزل الساحر محمد الوهيبي واكتشفَ كما اكتشفتُ يوماً, مرسماً يعج بلوحات تنمُّ عن عبقرية شكلية ولونيّة ومضمونيّة, مما أدهش حاتم أيضاً وتحدث عنها بعمقٍ هادئ أعجبني، ولفتتْ نباهتُه النقدية نظرَ محمد الوهيبي الذي يكبرنا بنحو عشرين عام وتجارب فنية لا يُستهان بها.

.. في لقاء بعده، بدأ حاتمُ يقصُّ لي شيئاً عما يُنتجه حالياً من أدب, أظنها قصة قصيرة وربما مسرحية, أعجبتني فكرتها, بل أدهشتني، وأنا أستمع له شفهياً يقصُّها وكأنه أنجز الأوديسا، وها هو يقرأ بعضها من متفرقات على الورق, وبعد سنوات طوال تفوق العشر سألتُه عنها, فاستغرب كيف أنني أذكرها، وأجابني بأنه لم يُكمل كتابتها قَط, فقد بدأ بها ثم غدرها منذ الوريقات الأولى!.

مرت سنونٌ, غادرتُ خلالها جائلاً في أصقاع الأرض, ثم عدت بعد غيبة استمرت لأكثر من ثمان سنوات, كان حاتم وآخرون كثرٌ قد نضجوا واشتبكوا مع الواقع, وأقاموا علاقات مهمة, فسعدتُ بهم, واتصلت بالبعض، منهم من كان قد بدأ امتهان الدرب الفني والأدبي الحقيقي, ومنهم من سار في درب أُخر.

لكن حاتم علي كان كما عهدتهُ، مختلفاً في كل شيء، ثقافياً، اجتماعياً وفنياً، وسياسياً، لكنه كان قد نضج وأرسى سفنه على شاطئه الخاص، ذلك الشاطئ الهادئ الذي لا تلين أو تنزاح مراسيه.

كنا قد انتهينا للتو من العمل في أحد المسلسلات ، وصادفته في شارع 29 أيار في قلب دمشق، فقد لحظت شخصاً من الخلف ينظر في واجهة محل للإلكترونيات، ووجهه ينعكس في الواجهة الزجاجية، عرفتُه واقتربت منه ولزمت كتفه وقلت: حاتم علي شخصياً!

التفتَ وعانقني وتحدثنا قليلاً، ثم تبادلنا الأرقام واتفقنا على أن نلتقي قريباً، وكدنا نتباعد لولا اقتراب صديقنا المشاكس الجميل الراحل طلال نصر الدين، يا إلهي! كلاهما ميتٌ الآن، حمداً لله أن سامي الجنادي وسمير حسين مازالا على قيد الحياة مثلي مجازياً.

استمر طلالُ بمشاكسته المعهودة، فدخلنا إلى المركز الثقافي الروسي القريب، وكان ذاك الحوار الغني الذي خضتُه مع حاتم وطلال، والذي لن أنساه أبداً..

كان حواراً فنياً أدبياً عميقاً، عن النقد وجماليات المكان، والسينما والمسرح والشعر، كان حاتم أبرزنا في صياغة رؤاه، وقد عبَّرت’ عن ذلك في نهاية الجلسة.

 

منذ سنوات طويلة، كان سامي الجنادي ويونس عطاري قد حضرا إلي في بيت أهلي بشارع جلال كعوش، وكنتُ قد صنَّعتُ بيدي مكتبة خشبية كبيرة وجميلة، سوداء وبحروف مذهبة، ذلك أنني كنت أعمل وقتها بالنجارة وفي الوقت عينه أُنجز بعض قصائد الشعر وحفنة من النقد والسينما والمسرح، وربما وجب علي القول بأنني ما زلتُ حتى اليوم نجاراً بالفطرة وأعشق رائحة الخشب وكأنها رذاذٌ إبداعي.

المكتبة لم تعد تتسع لما في حوزتي من كتب، فقررت بيعها لصناعة واحدة أخرى، تلف حائط الغرفة من ثلاثة جوانب، وكان الأصدقاء قد أعلنوا ذلك بينهم، فقام الشاعر يونس عطاري بإخبار الفنان سامي الجنادي بذلك، وقتها كان يونس خاطباً لأخت سامي، وسامي خاطباً لأخت حاتم، وهكذا بيعت المكتبة لحاتم بعد علمه بها، بعدها خرجت من البلاد ولم أعد إلا بعد سنوات طوال.

كنت قد بدأت العمل الإخراجي – وإن كان ساذجاً- قبل حاتم بوقت طويل لكنني انقطعت لأسباب كثيرة، حيث صورت في نهاية الثمانينات فيلم (في مهب الريح) وهو يحكي معاناة المخيمات وأهلها في لبنان وعلى شريط الفيديو ” V.H.S “عرضته في بيتنا بحضور حاتم وكان يشاهد باهتمام، وسرعان ما أسرَّ لي وقتها بنيته التوجه نحو الإخراج السينمائي، ولم يكن قد دخل عالم السينما والتليفزيون عملياً، لكنه علّق قائلاً: أنت تمتلك عيناً سنيمائية مهمة، ولذلك فإنني اعتبر حاتماً أولَ من اعترف بي من بين زملائي المحيطين، بل وشجّعني كمخرج لا كشاعر فحسب.

مسيرةُ حاتم وشخصيته تتلخصان بعنوان قد ابتكره الآن مفاده :”من بيتٍ فقيرٍ في الحجر الأسود واليرموك إلى رحاب العالمية” عززها ذلك الجهد الدراسي الأكاديمي والخاص، حيث كانت تلك المرحلة في سوريا هي مرحلة القراءة والتثقيف الذاتي بالنسبة لجيلنا، فقد كنا جميعاً ممن ذكرتُ وممن لم أذكر نقرأ بنهمٍ وجدية لا يوصفان.

.. ذات يوم اتصل بي حاتم قائلاً: الدكتور وليد سيف كتب نصاً مهماً وعميقاً عن النكبة والتهجير، وأنا مرشح لإخراجه تلفزيونياً، ما رأيك أن تعمل معنا كـ “دراما توغ ومدقق للهجة”؟

أجبتُه بأن نصوص د. وليد سيف ليست بحاجة لي أولاً، وثانياً لا أريد أن استمرَّ في العمل في التدقيق اللغوي فحسبْ لئلا يُطبع ذلك في الذهن العام على اعتبار أنه مهنتي الوحيدة، فقد كنت قد فرغت للتو من مسلسلين اثنين، بمعنى آخر رفضت العمل في التغريبة الفلسطينية وهكذا اتفقنا أنا وحاتم ود. بسام رجا أن يكون مدقق اللهجة هو الشاعر الصديق كريم راشد.

ميزة حاتم علي الأساسية هي تَمازُج العمق المُكثَّف بالقدرة الحسية غير المرئية، مع إدراك فحوى استخدام موقع وحركة الكاميرا بدقة، مما أنتجَ براعة في مراحل العمل الفني كافة، فهو يقرأ النص بعمق وتروٍ، ويخطط جيداً قبل التصوير من خلال رؤيته الخاصة لا التقليدية، ثم ينفذها في اللوكيشن بحِرفية عالية، ولا يمل من إرهاقات وتوترات المونتاج، وقبل ذلك كله، فهو يعشق الأعمال ذات الفكرة والمعنى قبل التفكير بمُعتادات الثقافة البصرية أو مزاجية الجمهور، وهو في تلك الأعمال لا يفكر بالعائد المادي إلا بعد صهر الفكرة والرؤية الفنية.

لهذا كله، حفر ببراعة البصمة والمشهديّة السينمائية على أعماله التلفزيونية، وقد برع في كل ذلك، إنه ينظر إلى المسلسل كما ينبغي له أن يُنظر فيه، أي بوصفه سلسلة فيلميّة لا تهريجاً تلفزيونياً منزلياً، الدراما التلفزيونية بالنسبة لحاتم – كما هي في أصلها- لا تختلف عن السينما، إلا من حيث بعض التمايزات في آلية التصوير وتقنيات التصوير والعرض وقيود المشاهد الاجتماعية.

مسيرة حاتم مسيرة نازح جولاني فقير، أغنى الشاشة العربية بصرياً و رؤيوياً وفكرياً، هو صاحب ثقافة رفيعة جادة، وفكر وموقف، وبراعة حرفية، بكل بساطة: لهذا كان كبيراً.

عن مركز الجرمق للدراسات

Author: وليد عبد الرحيم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *