جيوش الرمال: ولماذا يخسر العرب الحروب؟

خاص موقع ملتقى فلسطين

العرب وثقافتهم ومجتمعهم وسلوكياتهم تمنعهم من القدرة على تحقيق النصر في الحروب. جيوشهم وقواتهم المسلحة مسيسة، بيئتهم الاقتصادية والتنموية متخلفة عن تقنيات الصناعة عموما، والصناعات العسكرية خصوصا. أما ثقافتهم فهي قبلية عائلية محافظة تتجسد في الهرمية القيادية للجيوش، وتتحكم في سلوكيات القيادات العسكرية التي لا تتصف بالشجاعة والمبادرة والابداع، وهي الصفات التي تشترطها ميادين الحروب. هذا بإختصار غير مُخل ما يخلص إليه هذا الكتاب ضخم الحجم (٦٧٦ صفحة)، ضحل المعالجة. الكاتب كينيث بولاك، خبير عسكري امريكي متقاعد، بدأ حياته المهنية في السي آي آيه، ثم تدرج في مناصب متعددة، وبعدها اشتغل باحثا في مراكز دراسات عدة اغلبها يتبع دوائر المحافظين الجدد. يُمكن اعتبار الكتاب أحدث وابشع تدوير لأسوأ المقولات الاستشراقية الكلاسيكية التي تُجوهر تخلف العرب والشرقيين في بُنى ثقافية وسوسيولوجية لا تتغير، وهذه المرة يتم التدوير وإعادة الإنتاج الاستشراقي في سياق تحليل عسكري.
فقدان الفاعلية العسكرية للجيوش العربية يعود، بحسب المؤلف، الى ثلاثة أسباب خاصة بالعرب وثقافتهم (وكل سبب افرد له جزء من الكتاب): تسييس الجيوش، التخلف الاقتصادي، والثقافة. كيف يمكن ان يكون تسييس الجيش (وهو ممارسة مقيتة حيثما تمت) امراً استثنائيا عربيا، وهو يحدث وحدث في طول وعرض العالم؟ التخلف الاقتصادي هو نتيجة بقاء العرب خارج اطار مُنتجات الثورة الصناعية ومنعكساتها، الامر الذي اوجد اجيالا لا تألفه الصناعة ولا تستطيع حتى استخدام الأسلحة التي تستوردها بكامل طاقتها، وبقيت المجتمعات العربية غير منتجة لكفاءات ذات مهارات تقنية عسكرية قادرة على مواكبة التطور العسكري والتصنيعي. اما الثقافة، وهي أُس التخلف وعدم الكفاءة القيادية والعسكرية عند العرب تبعا للمؤلف، فقد اورثت تراتبية قيادية في الجيوش غير مُنسجمة، يتحكم القائد من خلالها في الجيش من دون استراتيجيات. مثلا، من الطبيعي والمقبول والمتوقع من فرد ما وصل الى مرتبة عسكرية عليا ان يساعد اقرباءه في الحصول على مناصب عليا في الجيش، وإلا فإنه يفقد بعضا من مكانته الاجتماعية وسط عائلته او قبيلته. وقد حاولت الجيوش العربية، كما يقول بولاك، تجاوز المعيقات الثقافية لكنها فشلت، وبقي قادتها فاقدين للابداع والمبادرة والمناورة التكتيكية. كل ذلك جذره واحد وهو الثقافة العربية التي هي السبب، إذ يعتقد كثير من “علماء الانثروبولوجيا والاجتماع والثقافة والنفس المختصين في العالم العربي ان الأنماط السائدة في الثقافة العربية تدفع المجتمعات العربية نحو السلطوية” وسواها من سمات متخلفة. العامل الخارجي الغربي والامريكي المُتحكم في اغلب هذه الجيوش وقياداتها واسلحتها نادر البروز في التحليل، وإن وُجد فيُشار اليه بإيجابية. يقول المؤلف، وبقدر عال من الثقة المفرطة والفجة، “ان الولايات المتحدة وعلى مدار أربعين سنة بذلت جهودا كبيرة لبناء جيوش عربية فعالة وكفؤة”، ومع ذلك بقيت الثقافة العربية هي جذر الفشل العسكري العربي!

يتحدث بولاك حول “حرب الأيام الستة ولغز عدم الفاعلية العربية”، ويحيل الهزيمة العربية الى الأسباب المُشار اليها أعلاه. لا أحد بطبيعة الحال ينكر الكارثة العسكرية العربية التي مثلتها تلك الهزيمة، بيد ان إحالة أسبابها إلى “الجذور الثقافية” يُخرج التحليل من الإطار الموضوعي الى إطار استشراقي سجالي ثقافوي. لم يُعرف عن الجيش المصري آنذاك ولم يستطع بولاك ان يُثبت ان قياداته العسكرية والسياسية بنيت على اساس هرمية عائلية وقبلية، مثلما يؤسس ويستنتج. وطبعا ليس هناك أي تحليل موسع وموضوعي لدور الاستخبارات الامريكية التي كانت قد وصلت الى تقديرات دقيقة حول تفوق إسرائيل العسكري على كل الدول العربية مجتمعة قبيل طرد القوات الدولية من مضائق تيران، وثقة إسرائيل بأن ذلك التفوق والمسنود استخبارياً سوف يضمن لها النصر. ونفس مسألة التفوق التسليحي والاستخباراتي يتجاوزها بولاك في تحليله لحرب فلسطين سنة ١٩٦٧، يغفلها في تحليله لحرب ١٩٤٨ حيث يكرر اللازمة التي تقول ان المنظمات الصهيونية هزمت خمسة جيوش عربية، وهي اللازمة التي فككها وعراها كثيرون بما فيهم المؤرخون الإسرائيليون الجدد. لم تكن هناك “جيوش” عربية تستحق هذا الاسم، فتلك القائمة ضمت على سبيل المثال “الجيش اللبناني” الذي أساسا لم يكن على هيئة جيش منظم، بل مجرد عدة الاف من المتطوعين سيئ التسليح والتدريب والمعرفة. “المنظمات الصهيونية المسلحة” هي التي كانت جيشا حقيقيا، عدده تجاوز ٩٠ الفا، بسلاح متقدم وتدريب حديث، وفيلق كان قد قاتل مع بريطانيا في الحرب العالمية، بينما “كل” ما اطلق عليه اسم جيوش عربية لم يتجاوز ال ٧٠ الفاً، من دون تسليح او تدريب حقيقي وفعال، لأن بريطانيا العظمى كانت حريصة أيضا على ضمان التفوق العسكري الصهيوني. ليس لهذا علاقة بثقافة ولا بمجتمع، بل بنظام كولونيالي يريد ان يرسم شكل منطقة مفتتة خاضعة للسيطرة الاستعمارية، بالكاد خرج من قيد السيطرة العثمانية التي انهكته، ويريد ان يفرض عليها مستقبلا يُناسب مصالحه.
يناقش بولاك اثر العقيدة العسكرية السوفياتية على بعض الجيوش العربية، مثل سورية ومصر (عبد الناصر) والعراق الى احد اقل. وينقض تفسير بعض أنواع الاختلالات العربية العسكرية بتأثرها بالنمط السوفياتي في القتال وإدارة المعارك. وللتأكيد على عدم وجود علاقة بين الفشل العربي والتدريب السوفياتي يستحضر بولاك تجارب غير عربية (كوريا الشمالية، وكوبا، فضلا عن الصين) ليقول ان الأسلوب السوفياتي نجح في بعض المناطق لكنه فشل في المنطقة العربية بسبب ثقافتها.
لا يمكن بطبيعة الحال الدفاع عن هزائم الجيوش العربية بل يجب اخضاعها لنقد شديد، وأول النقد يبدأ من القيادة السياسية لهذه الجيوش وخياراتها واستراتيجياتها، بما فيها استخدام الجيوش والمعارك للمناورة السياسية وليس لتحقيق النصر الميداني. يُضاف الى ذلك نمط وطبيعة علاقات القيادات السياسية مع القوى العالمية وحذرها وترددها إزاء الخيارات العسكرية خشية ان تخسر حماية تلك القوى التي كانت وما زالت حامل الشرعية الأساس لمعظم الأنظمة العربية، لتعويض غياب الشرعيات المحلية. تقع هذه التبعية للخارج في قلب الهرمية السياسية والعسكرية وتحبط أي تناغم بين مكونات القوات المسلحة واركانها المختلفة التي تفقد البوصلة ولا تستطيع استكناه ما يدور في رأس النظام على وجه التحديد. في ذات الوقت لا يجب إحالة الهزائم العسكرية والفشل في الميدان إلى العامل الخارجي، فالصراعات الداخلية الحزبية والتنافسية والمؤامرات لعبت دورا مركزيا في إحداث وتعميق ذلك الفشل. لكن مرة أخرى، ليست هذه التنافسات والمؤامرات، على ما هي قميئة ومدمرة لأي مشروع وطني، خاصة بجنس معين من البشر، او بثقافة محددة، او بنوعية جينات واثنيات خاصة لا تنفك منها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *