بعد حوالي أسبوعين من إعلان قيام الدولة، تمت إقامة الجيش الإسرائيلي على يد بن غوريون الذي وقع على أمر ” جيش الدفاع الإسرائيلي ” و”الأمر اليومي لتأسيس جيش الدفاع الإسرائيلي”. صحيح أن بن غوريون قال وكتب “جيش الدفاع” لكنه كان يقصد “الهجوم”، وذلك نتيجة لعدم التكافؤ الكبير بين إسرائيل وأعدائها. فقد ادرك أنه من غير الممكن هزيمة العدو في حالة الدفاع، تمامًا كما أنه من غير الممكن الفوز في لعبة كرة القدم من خلال اعتماد أسلوب “المخبأ” وعدم الاستناد على الاندفاعات والهجمات المضادة السريعة. ولكن إسرائيل لا تملك مساحة وطاقة بشرية كافية للألعاب الدفاعية العسكرية. ويمكن تلخيص عقيدة بن غوريون العسكرية في ثلاثة عناصر، معظمها هجومية: الردع والتحذير وإخضاع العدو في ساحة المعركة على أراضيه.

ترك بن غوريون “الدفاع” لعمليات الأمن الجاري على الحدود . و تم تطبيق المفهوم الأمني المذكور أعلاه بالفعل في حرب 1948 وفي الأماكن التي كان لدينا فيها تفوق في القوة البشرية وفي الأسلحة بالأخص في المنطقة الوسطى وفي المنطقة الشمالية . وفي الأماكن التي لم يكن لدينا فيها خيار سوى الدفاع عن المستوطنات وطرق الوصول، فعل الجيش الإسرائيلي ذلك وحاول الانتقال بسرعة من حالة الدفاع إلى حالة الهجوم، وعادةً ما كان ذلك ناجحًا باستثناء المعارك في اللطرون والقدس القديمة .

تم تطبيق النهج الهجومي بالطبع في حرب سيناء (1956) بالتعاون مع فرنسا وإنجلترا كحليفين، ووصل إلى ذروته في حرب الأيام الستة (1967) . وبالذات حرب الاستنزاف  (1967-1970)، والتي لأسباب واضحة لم تحظى بالاهتمام وبالأبحاث العسكرية التاريخية، بين حرب الأيام الستة وحرب يوم الغفران (1973) –  كانت حرب دفاعية في المقام الأول مع غارات كوماندوس هجومية هنا وهناك وقذائف أعماق بواسطة سلاح الجو – وتنبأت جيدًا بما قد يحدث لنا في البر  في حرب يوم الغفران بعد ثلاث سنوات.

كانت حرب يوم الغفران أول حرب حقيقية تم فيها اختبار قوة الجيش الإسرائيلي في حالة الدفاع . ورغم أننا تمكنا في النهاية من إيقاف الجيش المصري والسوري بثمن العديد من القتلى والجرحى وخسارة الكثير من الأسلحة والوسائط القتالية ، وساعدنا الهجوم المضاد على تحقيق الاستقرار وحتى احتلال أراضي من العدو، لكن يجب ألا ننسى أنه خلال الحرب وصل الجيش السوري إلى مسافة مرمى حجر عن بحيرة طبريا والمستوطنات المحيطة بها . وأنهى الجيش المصري الحرب على بعد حوالي 10 كم شرق قناة السويس ونحن على بعد 101 كم من القاهرة . وينبغي أيضا أن لاننسى أن موشي ديان فقد أعصابه وفكر بصوت عال في استخدام أسلحة يوم القيامة . وفهم إسحق رابين بصفته رئيس الحكومة وموطي غور كرئيس للأركان الدرس جيدًا وبدأا بالعمل سريعا على زيادة حجم القوات سواء من حيث الأسلحة أو عدد القوات ، التي بلغت ذروتها والتي تمثلت ب12 فرقة و3600 دبابة و8000 ناقلة جنود مدرعة واستيعاب طائرات 15-إف و16-إف – مما أدى إلى مضاعفة القوة تقريبًا.

على الساحل البري :
مسألة “الدفاع” بدأت تتسرب ببطء إلى رؤوس قادة الدولة وخبراء الأمن، وبالفعل أضافت لجنة مريدور 2006 إلى العقيدة الأمنية للجيش الإسرائيلي العنصر الرابع – “الدفاع”. كذلك فعل غادي آيزنكوت في وثيقته الاستراتيجية 2015 ، التي تجمع بين نهج الحسم والنهج الوقائي، على الرغم من أن معنى “الدفاع” بالنسبة لكل منهما هو منع وكبح إطلاق الصواريخ والقذائف الصاروخية على إسرائيل وليس الدفاع بالمعنى الكلاسيكي – الكبح بواسطة الجيش البري، ناهيك عن المناورة البرية الحقيقية التي لا يمكن لأحد أن يتخيلها.
على العكس من ذلك، قبل آيزنكوت وبعده، قام رؤساء الأركان ، بموافقة المستوى السياسي وبضغط من اقتصاديي المالية بتقليص القوات البرية بشكل كبير، حتى نصفها ، وحيث أن حرب المعارك بين الحروب حركت أشرعة صناع القرار وتركت القوات البرية على الشاطئ الجاف… في الوقت نفسه سيطر ضباط سلاح الجو وهم أشخاص ذوي تعليم عالٍ ومحترفون وموهوبون ، على مناصب الجنرالات الآخرين في هيئة الأركان العامة مثل شعبة التخطيط والاستراتيجية، وشعبة الطاقة البشرية وغيرها . وبالطبع كانت لهم أيضاالسيطرة المطلقة تقريبًا على ميزانيات المساعدات الأمريكية السنوية، بما في ذلك المستقبلية ! .
في توصياتها بشأن الميزانيات الأمنية وبناء القوات، تتبنى لجنة ناجل نهج بن غوريون “الهجومي”، أي التركيز على ميزانيات القوات الجوية، والاستخبارات، وتكنولوجيا المعلومات والاتصالات والإنترنت، والفضاء (الصواريخ والأقمار الصناعية )، حيث أن التهديدات، في رأيها، تأتي بشكل رئيسي من الدائرتين الثانية والثالثة (إيران واليمن والعراق). وفي مقابلهم يكرر اللواء الإحتياط بريك، خريج حرب يوم الغفران، وحامل راية النهج “الدفاعي” – ويحذر لأكثر من عقد من مغبة تقليص الجيش البري وتدهوره وإضعاف قدراته في ساحة المعركة، ويدعو الى الحاجة الملحة إلى استعادته، وكذلك يحذر من المخاطر الاستراتيجية الجديدة من جانب الدائرة الأولى، والتي تشمل تعزيز الجيش المصري (بما في ذلك في سيناء ) وهشاشة النظام الأردني ( الخطر الإيراني الفلسطيني ) والدائرة التي يمكن أن تتحول بسرعة كبيرة إلى دائرة أولى – تعاظم المحور التركي في سوريا والذي قد يمتد إلى لبنان وحتى إلى الأردن . ويقول بريك، وهو على حق، أن الجيش الإسرائيلي ليس لديه قوات فائضة للمناورة في عمق تشكيلات العدو للقتال على جبهتين، ناهيك عن المزيد . والنتيجة هي أنه يجب زيادة الجيش البري وتزويده
بالوسائل القتالية المناسبة لحروب المستقبل (سلاح صاروخي، طائرات شراعية وطائرات بدون طيار ، هندسة أرضية وتحت الأرض، إلخ).
وفي رأيي المتواضع، في ظل الوضع الاستراتيجي الحساس والهش الذي نجد أنفسنا فيه، ليس هناك حاجة لاختيار أحد النهجين المتعارضين، بل يجب اعتمادهما معاً – كلاهما! – زيادة الميزانيتين “الهجومية” و”الدفاعية” على السواء، وهو ما يعني زيادة كبيرة وإعادة تأهيل الجيش البري . ليس لدي أدنى شك في أن اساتذة واكاديميين، بمن فيهم الأعضاء السابقون في شعبة الميزانية والمحاسب العام ، سوف ينهضون على الفور ويحذرون بأصواتهم من “العقد الضائع” (1975-1985) عقد عدم نمو الاقتصاد الإسرائيلي بعد حرب يوم الغفران ، وسيتحدثون عن “بناء قوة عسكرية نتيجة الصدمة” . جوابي على مستوى القيم هو أن الحياة أكثر أهمية من المال . أنا أفضل عشرات الأضعاف من “الأخطاء الإقتصادية” التي ارتكبها موطي غور ويتسحاق رابين عن (الأخطاء الإستراتيجية ) لرؤساء الأركان ورؤساء الدولة في العقود الأخيرة والذين كانوا شركاء كاملين في التقليصات الكبيرة في الجيش واعتمدوا فقط على سلاح الجو والاستخبارات .

إشارة تحذير :
إجابتي على المستوى الاقتصادي تنقسم إلى قسمين:
أولا، “العقد الضائع” لم يكن فقط نتيجة لنفقات الحرب، بل أيضا نتيجة لأزمة الطاقة العالمية (1973 ) ، التي تسببت في ركود عالمي وأزمة في أسعار الغاز مما يعني تباطؤ النمو وتسارع التضخم، وفي موازاة ذلك كان هناك تباطؤ في النمو السكاني وانخفاض في الطاقة العاملة في إسرائيل . لا أعرف دراسة مهنية موثوقة تحدد بشكل منطقي العوامل المختلفة لـ “العقد الضائع”، باستثناء دراسة لكبير سابق من وزارة المالية، وهي منحازة على أقل تقدير.
ثانياً، لحسن حظنا، دخل الاقتصاد الإسرائيلي حرب “السيوف الحديدية” بوضع ممتاز في جميع المؤشرات الاقتصادية المهمة – كانت إسرائيل من بين الاقتصادات القليلة في العالم التي استوفت جميع المعايير الثلاثة تقريباً لمعاهدة ماستريخت (العجز الإجمالي بالنسبة للناتج المحلي الإجمالي وعجز الميزانية والتضخم).

ومع كل احترامي لأهل المعرفة، فإنه لن تحدث كارثة كبرى إذا زاد العجز لدينا إلى 70% – 75% أو أكثر، أو إذا وصل عجز الموازنة إلى 6% – 7% أو أكثر. قسم كبير من الاقتصادات الغربية المتقدمة يتجاوز عجزها 100%، وبعضها يقترب من 150%، وهناك واحدة منها تتجاوز 200%. دول مثل ألمانيا وفرنسا وإيطاليا في أوقات الأزمات (وليس الأزمات الأمنية ) لم تستوف معايير ماستريخت لبضع سنوات على الرغم من أنها هي من وضعتها … إشارة التحذير المتمثلة بالمعايير الثلاثة هي جدية جدا، ولكن هنا أيضًا من المستحسن التعمق في تحليلها وفهم أن الخوف الرئيسي فيها هو من الوضع الأمني ​​ (وهذا لا يعني أن نهاية الحرب ستعيد على الفور التصنيف الائتماني السابق ) – ” التدريج الإئتماني ينخفض بسرعة ويرتفع ببطء ” ، ولهذا السبب سيستغرق الأمر عدة سنوات ، لكن انتهاء الحرب من جهة واحتمال التوصل إلى اتفاقيات سلام مع الدول العربية الأخرى من جهة أخرى، قد يغير الصورة الاقتصادية بشكل كامل .
ينبغي الإنتباه إلى أن المقاطعة الرسمية وغير الرسمية التي تفرضها عدد لا بأس به من الدول على توريد الأسلحة والذخيرة إلى الجيش الإسرائيلي تؤدي إلى تأثير صناعي واقتصادي مماثل لـ “مقاطعة ديغول” بعد حرب الأيام الستة . حيث يتم توجيه ميزانيات ضخمة إلى الإنتاج الدفاعي المحلي، وفي رأيي، باستثناء منصات الطائرات والغواصات للتكامل الصناعي العلمي، فإنه بالإمكان إنتاج كل ما يحتاجه الجيش الإسرائيلي وليس بعيدا اليوم وخلال عقد ونصف سيتم بناء مصنعين أو ثلاثة مصانع على غرار مصنع البيت للصناعات العسكرية وعدة مئات من مصانع الاسلحة الأخرى مع إضافة صادرات
بعشرات المليارات من الدولارات سنويًا وتوظيف إضافي لأكثر من مائة ألف عامل – ليس فقط مهندسين وعاملين في مجال التكنولوجيا الفائقة ولكن أيضًا المهندسين والفنيين والعمال ذوي الياقات الزرقاء .
بلغة الاقتصاديين، مشكلة إسرائيل الأمنية لاتكمن في عامل إيجاد رأس المال (المال والميزانية ) أو في الافتقار إلى التكنولوجيا فهذه موجودة لدينا بوفرة ، ولكن في عامل انتاج العمل ( جنود وضباط في القوات النظامية والدائمة والاحتياطية ) . والحل على المدى المتوسط ويتراوح بين ثلاث إلى سبع سنوات ​​ هو التجنيد المكثف لقطاع ( الحرديين ) الأرثوذكس المتطرفين في صفوف الجيش الإسرائيلي. وهذا لا يمكن أن يتم بالخير، أي “قانون التهرب”، ولكن بالشر، أي بقانون التجنيد القائم على المساواة والشمولية ، مصحوبًا بعقوبات شخصية وجنائية ومالية، بما في ذلك قانون الخدمة الوطنية للقطاع العربي (في خدمات الإطفاء والسجون ونجمة داود الحمراء والرعاية التمريضية للمسنين والمرضى، وما شابه ذلك ) . الحل الفوري على المدى القصير هو إعادة تجنيد وتدريب وتأهيل المعفيين من التجنيد .
ففي العقدين الماضيين، ومن دون أي خطأ من جانبهم، تم تسريح نحو 200 ألف جندي وضابط تتراوح أعمارهم بين 22 و45 عاماً من خدمة الاحتياط، نتيجة حل اطر عسكرية شملت فيما شملته نحو اثنا عشر فرقة حربية من الجيش البري . يجب تخصيص من شهر ونصف إلى شهرين من التدريب المهني والتدريب المكثف لهذه الطاقة البشرية المذكورة أعلاه لاستعادة لياقتهم التشغيلية. لايحتاج الأمر إلى وقت طويل للتبديل من العمل على دبابة مركفا 3 إلى العمل على دبابة مركفا 4 أو للانتقال من استخدام مدافع “دوهر ” إلى مدافع “دوريس ” و “روعم ” التي كانت مستخدمة قبل حوالي عقد ونصف من الزمن . ويجب تدريب جنود المشاة والهندسة على تشغيل الطائرات الشراعية والمعدات المتطورة للرؤية الليلية أو استبدال بندقية الإم 16 ببندقية “تافور” وبالطبع إعادتهم إلى لياقتهم
البدنية الجيدة عن طريق التخلص من الدهون غير الضرورية.

ملاحظة : الكاتب مردخاي ايش شالوم هو نائب مدير عام سابق للإقتصاد والتخطيط في وزارة الإقتصاد وخريج كلية الأمن القومي .

المصدر: موقع نيوز يسرائيل

About The Author

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *