جامعة السجن في “هداريم”: استِئْلاف الموحِش وفقه البقاء


اشترك معنا في قناة تلغرام: اضغط للاشتراك حمل تطبيق الملتقى الفلسطيني على آندرويد: اضغط للتحميل

نبذة مختصرة: 

تسعى هذه الدراسة لتقديم قراءة في أحد أهم مواقع بناء السردية الوطنية الفلسطينية كسردية مقاومة في أكثر الأحياز التي تنفيها وهو السجن الصهيوني. وعليه، تقدم الدراسة نموذج الجامعة في سجن “هداريم”، كنموذج لمؤسستين حداثيتيْن (الجامعة والسجن) تغذّي إحداهما الأُخرى، لكنهما في الوقت ذاته تتصارعان وتتنافيان انطلاقاً من الموقع والغاية لكل منهما. والدراسة تحلل آليات البقاء واستئلاف الموحِش التي لجأ إليها الأسرى الفلسطينيون في عزل سجن “هداريم” لانتزاع حقّهم في التعليم الجامعي النظامي، في تمرد على الأنظمة الاستعمارية الصهيونية، وذلك عبر تحليل أربعة مواقع تعطي حالة جامعة “هداريم” ميزاتها، وهي: موقع الندّية؛ الموقع المكاني؛ الموقع الإنساني؛ الموقع التنويري.

النص الكامل: 

المقدمة

إن دور الجامعة بصورة عامة منوط بالبناء المؤسساتي للدولة الحديثة، وببلورة سرديات الجماعات القومية لمساهمتها المركزية في الدور التنويري والإنتاج المعرفي.[1] ومع ذلك لا يمكن قراءة الجامعة بمعزل عن دورها كمؤسسة حداثية قهرية وسلطوية، الأمر الذي ينطوي على جدالات مستمرة بشأن سياسات المعرفة التي يجري استهلاكها وإنتاجها في الجامعة في المركز الأوروبي وفي الجنوب العالمي.[2]

تعكس جامعة السجن في “هداريم”،[3] أو “جامعة هداريم” (لتأكيد المدعاة الوظيفية الأولى لسجن “هداريم”، والباعث الاستعماري الأساسي على وجود الأسرى فيه)، تعقيدات الحالة الفلسطينية الاستعمارية ذات الجغرافيا السياسية والديموغرافيا التي شتّتها الاستعمار. كما تعكس أبرز الشروط المركبة والمعقدة هيكلياً وبيروقراطياً، في شرط استعماري مسيطر في مكانية السجن وزمانيته. ففي “هداريم” يجتمع الأسرى بمختلف توجهاتهم السياسية والفكرية والثقافية، ومن جميع الجغرافيات الفلسطينية المحتلة: من القدس، والداخل الفلسطيني، وقطاع غزة، والضفة الغربية ومن المحيط العربي، بما يجعل السجن، وبجدارة الشرط الاستعماري، “جغرافيا فلسطينية سادسة” مثلما يصفه عبد الرحيم الشيخ.[4] وتحيط بجامعة “هداريم”، أو “أكاديمية التحرر”، مصفوفة من الأنظمة البيروقراطية في مقابل، وفي صراع مع، القوانين الاستعمارية الصهيونية التي تحددها إدارة مصلحة السجون بصورة خاصة، وبتكامل مع مستويات أعلى في الدولة الصهيونية كجهاز الشاباك.

وهنا يمكن التساؤل عن ماهية الدور الذي تؤديه جامعة “هداريم” كموقع للمقاومة أولاً، وكموقع للتعليم والتدارس الفكري الأكاديمي والإنتاج المعرفي ثانياً، في المساهمة في بلورة السردية الفلسطينية من داخل السجن الصهيوني الذي يهدف إلى السيطرة على مناحي حياة الأسير و”مسارب” حركته وزمانه وتقليص فضاءاته السياسية والاجتماعية والمعرفية إلى حدودها الدنيا.

هناك العديد من الأدبيات التي تناولت الموضوع فلسطينياً،[5] لكن هذه الدراسة تهدف إلى قراءة سياسات تقديم المعرفة عن فلسطين من داخل السجن نفسه، وذلك من خلال تناول تجربة استثنائية من التعليم الجامعي في السجون، انطلاقاً من مكانة جامعة السجن، وما يعانيه دورها الوظيفي المهم في بلورة وتكريس السردية الفلسطينية المستعمَرة، في أكثر الأحياز التي تنفيها وتصارع عليها، وهو السجن.

إن جامعة “هداريم” بمحدداتها كلها، تتجاوز فضاء السجن نحو مأسسة الفعل التعليمي، الأمر الذي يضيف إلى حياة الأسير في السجن معنى على صُعد متنوعة: ذاتياً ومعرفياً وسياسياً واجتماعياً، ويطرح في الآن ذاته السؤال عن “المعرفة المضافة” التي من الممكن أن تقدمها مؤسسة الجامعة من داخل السجن، والتي لا تقدمها خلايا التعليم غير النظامية الأُخرى!

تحتل جامعة السجن في “هداريم”[6] مكانة مهمة في التنظير للدور التنويري الذي يمكن أن تؤديه جامعة تخضع للاستعمار على مستوى البُنية التحتية، وما بعد الاستعمار على مستوى البُنية الفوقية. وهي بذلك، جامعة تواجه وتتحدى شروط البُنيتَين التحتية والفوقية لكل من الشرّين السلطويين المعاديَيْن لرسالة أي جامعة تعمل على أن تكون جزءاً من عملية التحرر والخلاص، سواء على المستوى الفردي أو الجماعي.[7] وبذا، يمكن الادعاء أن جامعة السجن في “هداريم” تتجاوز دور الجامعة الحداثية وسلطوية المؤسسة التربوية الحديثة،[8] إذ إنها تمثل نتاجاً لحالة مقاومة فضاء السجن والتمرد عليه، بتغيير وظيفته الاستعمارية من فضاء عزل وسيطرة وضبط، إلى فضاء لمؤسسة تعليم جامعي. وهي بذلك لا تتجاوز فقط دور السجن، كموقع للقتل البطيء و”اضطراب الديمومة” الزمانية والتاريخية،[9] وتقييد الجسد ومراقبته، بل تتجاوز أيضاً دور الجامعة كمؤسسة حداثية، ذلك بأنها تقدم “نموذج تحرير للجامعة الفلسطينية أو الجامعة بشكل عام من وظيفتها القهرية التي تحاول آليات التحديث أو الحداثة فرضها على كل مؤسسات إنتاج المعرفة.”[10] 

حلقة “هداريم” التعليمية: البدء والتأسيس

تُعدّ الجامعة في “هداريم” حلقة في سلسلة طويلة من محاولات الأسرى الفلسطينيين انتزاع حقوقهم في التعليم والتعلم داخل السجن، سواء في خلايا التعليم “الشعبية”، أو التعليم النظامي الجامعي،[11] إذ كثيراً ما حوّل الأسرى السجون، ولا يزالون، إلى أكاديمية ثورية ومعرفية بحد ذاتها عبر خلايا التعليم والتثقيف، وخصوصاً في السبعينيات والثمانينيات.[12]

وقد اقترح الأسير مروان البرغوثي، القائد الفلسطيني والمحاضر في جامعة القدس قُبيل اعتقاله في سنة 2002، على عدد من الشخصيات والمؤسسات الوطنية والأكاديمية، فكرة التأسيس لجامعة فلسطينية في سجن “هداريم”، يقودها الأسرى أنفسهم وبكادر تعليمي منهم.[13] وكان لجامعة القدس السَّبق في الموافقة على الاقتراح نظراً إلى كون البرغوثي محاضراً فيها أساساً، وحاملاً شهادة الدكتوراه من معهد البحوث والدراسات التابع لجامعة الدول العربية.

وبعد الاتفاق مع الجهات الفلسطينية الرسمية المخولة (وهي: جامعة القدس؛ وزارة التربية والتعليم العالي الفلسطينية؛ وزارة شؤون الأسرى والمحررين التي أضحت هيئة منذ سنة 2015؛ المحامي إلياس صباغ)،[14] بدأت جامعة القدس، وبشكل رسمي، منح درجة البكالوريوس والماجستير، حصراً، في سجن “هداريم” للأسرى المنتسبين إلى الدراسة في برامجها، وذلك لخصوصية سجن “هداريم” الجغرافية والسياسية المستعمَرية.[15] وبسبب شروط الجامعة المؤسساتية والبيروقراطية، فإن إقرار هذا الفرع الجامعي اقتضى وجود اتفاقية بين جميع الأطراف ذات العلاقة تستوجب وجود لجنة أكاديمية داخل السجن من حملة الشهادات العليا، من الماجستير والدكتوراه، تشكل أركان الجامعة التعليمية وهيئتها الإدارية، وهذه الاتفاقية غدت الإطار القانوني الناظم لعمل جامعة “هداريم”.[16] وتقوم هذه الاتفاقية على مبدأ واضح أساسه “التسهيل بالإجراء وليس بالمضمون.”[17] وفي هذا الإطار، يحدد مجلس التعليم العالي ووزارة التعليم العالي والبحث العلمي معايير اعتماد البرنامج وتصديق شهادات الخريجين استناداً إلى نظام جامعة القدس بصفتها الحاضنة الأمّ لفرع “هداريم”.[18]

هكذا، ومن موقعية الأسير مروان البرغوثي الأكاديمية كأستاذ جامعي، لا من موقعيته السياسية كقيادي فلسطيني (على أهميتها)، انطلقت جامعة “هداريم” في البداية في أوائل سنة 2012 كجامعة تمنح درجة الماجستير في تخصص الدراسات الإسرائيلية – فرع الدراسات الإقليمية، وهي الجامعة الوحيدة التي تمنح درجة الماجستير من داخل السجن من جامعة فلسطينية، برعاية البرغوثي وتدريسه. وهناك شروط أساسية للأسير يتعين عليه استيفاؤها للانضمام إلى جامعة “هداريم”، إذ تكون الأولوية في القبول للطلبة الأسرى من ذوي المحكوميات العالية.[19] وبهذه الشروط يتم الضمان، ولو بشكل تقريبي، وعلى المستوى الإجرائي، لوجود الأسير في السجن مدة كافية كي يُنهي المتطلبات الخاصة بالمساقات الجامعية كلها، أو معظمها، من أجل التخصص الواحد.[20] أمّا على صعيد الالتزامات المالية، فأقساط التعليم تتعهد بها هيئة شؤون الأسرى والمحررين، وذلك بحسب الاتفاقية الموقّعة بين أطراف جامعة السجن في “هداريم”، والتي تنظم العلاقة بينها،[21] بينما يتحمل الأسير رسوماً رمزية.[22]

وبعد تخريج الدفعة الأولى في سنة 2014، من حملة درجة الماجستير من الأسرى، تم الشروع في برنامج البكالوريوس في العلوم السياسية، نظراً إلى توافر كادر تعليمي يحمل شهادات عليا ومخوّل تدريس اللقب الجامعي الأول.[23] وبذلك، توافرت هيئة تعليمية وإدارية داخل السجن، تتابع شؤون الطلاب الإدارية من ناحية تحديد الأعداد وتوزيعهم على صفوف دراسية وتنظيم البرامج التعليمية والإرشادية وبرمجة مواعيد المساقات في التقويم الأكاديمي، وضبط القوانين الداخلية التي تراعي خصوصية التجربة وتعقيداتها، علاوة على تدريس بعض المساقات لدرجة البكالوريوس، كل بحسب تخصصه.[24] ومن هذه الهيئة، الأسرى: وليد دقّة؛ كريم يونس؛ عاهد أبو غلمة؛ أحمد سعدات؛ إبراهيم حامد؛ عباس السيد؛ حسام شاهين؛ ثابت المرداوي؛ ياسر أبو بكر؛ وغيرهم.[25] وتشير الإحصاءات الرسمية من جامعة القدس، ومكتب الحملة الشعبية لإطلاق سراح مروان البرغوثي، إلى أن عدد خريجي جامعة “هداريم” وصل، حتى نهاية الفصل الدراسي الأول 2022 / 2023، إلى 170 خريجاً لدرجة البكالوريوس، و176 لدرجة الماجستير، بينما عدد طلاب البكالوريوس (حتى نشر هذه الدراسة) هو 13 طالباً، وعدد طلاب الماجستير 107 طلاب. وهذه الإحصاءات لا تشمل الأسرى الذين تحرروا من السجن واستكملوا تعليمهم خارجه.[26] 

الانتظام الأكاديمي في سياق غير نظامي

يمكن قراءة عدة عوامل ساهمت في الدفع نحو مأسسة التعليم في سجن “هداريم”. فقد جاءت هذه المأسسة، أولاً، مقاومةً لعالم “الضرورة”، مثلما يسميه مصطفى حجازي، والذي يتمثل في فقدان الإنسان المقهور القدرة المستمرة على السيطرة على الفواعل المؤثرة في حياته، انطلاقاً من كون السجن مكاناً مكثفاً لـ “العنف المفروض”؛[27] ومقاومةً للسياسات الاستعمارية العنصرية في الانتقام من الأسرى بالتضييق عليهم وحرمانهم من حقوقهم الأساسية كالتعليم؛ ومقاومةً للقانون الإسرائيلي الذي يُعرف في أوساط الأسرى باسم “قانون شاليط”، والذي بدأت إرهاصاته قبل إقراره الرسمي، بتصريح لبنيامين نتنياهو (رئيس الحكومة الإسرائيلية في ذلك الوقت) بمنع الأسرى من الدراسة الأكاديمية و”جعل أوضاعهم أسوأ”، حين أعلن في مؤتمر صحافي أن “الحفلة انتهت”، محيلاً قوله إلى سحب “امتيازات” الأسرى بالتعليم النظامي في السجن، وذلك من أجل الضغط على حركة المقاومة الإسلامية – “حماس” لإطلاق سراح الجندي جلعاد شاليط الذي كان مأسوراً لديها آنذاك.[28] وفي إثر خطاب نتنياهو، أصدرت المحكمة العليا الإسرائيلية، قانوناً يقضي بحرمان الأسرى من التعليم في الجامعة المفتوحة الإسرائيلية. وهذه الامتيازات اكتُسبت، تاريخياً، نتيجة نضالات الأسرى وإضراباتهم.[29]

ثانياً، استدعى شعور الإحباط لدى الأسرى من ذوي المحكوميات العالية والذين لم تشملهم صفقة تحرير الأسرى في سنة 2011، الحاجة والرغبة في استثمار وقت السجن بإنجازات ملموسة تحيل رتابة زمن السجن الدائري إلى زمن خطّي معرفي وأكاديمي يعرّف بالمنجزات الأكاديمية والمعرفية والكتابية التي أبدعها الأسرى. يقول الأسير ناصر أبو سرور: “فلا ينقطع الفلسطيني الأسير عن الموقع الاجتماعي الثقافي الاقتصادي الآتي منه [….]، ولذلك يلج التعليم الجامعي ليعينه على احتمال وطأة الضيق في الزمان وفي المكان.”[30] وهذا “التمرحل” في زمن جامعة السجن يحرر الأسير من شعور الانتظار الرتيب، باستبداله زمناً له بداية ونهاية مستمرتان، بزمن مفتوح.

أمّا ثالثاً، فمرده إلى رغبة الأسير في الانخراط في أحد المعايير الثقافية والاجتماعية السائدة خارج السجن، إذ يمثل التعليم في مؤسسات التعليم العالي أحد المنجزات الملموسة التي يسعى لتحقيقها كثير من أفراد مجتمعات الحداثة وما بعدها. وذلك ليس انطلاقاً من دور الجامعة المركزي كموقع لتبادل وإنتاج المعرفة فحسب، بل مواكبة أيضاً للمتخيل الاجتماعي الطبقي الجديد في سياق تطور المشهد النيوليبرالي في فلسطين،[31] وسعياً لـ “الحضور في مشهد غُيب عنه طويلاً.”[32] وهكذا، فإن السجن يولّد عند الأسير الرغبة في معادلة السجن بمنجزات رديفة في محاولة ليثبت لذاته أولاً، قدرتها على المقاومة، وثانياً لتأكيد قدرته على إحداث أثر من داخل السجن.

رابعاً، يمكن قراءة ذلك في ضوء “سياسات الاعتراف”، الأمر الذي يرتد نحو قلق الهوية الأول، وتعريف الذات والجماعة والأنا الآخر، ورغبة الأنا الوجودية في تمييز نفسها من “آخِرها”، مع السعي للحصول على اعترافه في الوقت نفسه. وفي ضوء ذلك، فإن الشهادة الجامعية تعزز هذا الجانب لدى الأسير، كأنها وثيقة إثبات جدارة رسمية للتعليم الأكثر انتظاماً من غيره من أنماط تعليم غير رسمية، مع أنه في الوقت نفسه الأكثر بيروقراطية وتحجيماً. ويضاف ذلك إلى رغبة الأسرى في تحدي بعض الأصوات التي تشكّك في موقع السجن كمكان للمقاومة ولإنتاج المعرفة وممارستها. وهنا تحضر ضرورة الإشارة إلى الجانب الاجتماعي الذي تعززه جامعة “هداريم” لخريجيها مع محيطهم خارج السجن، إذ تستلم عائلة الأسير الشهادة الجامعية الخاصة به في حفل التخرّج الرسمي لطلبة الجامعة. ويصف حمزة الحاج محمد لحظات الفرح العائلي هذه بالقول: “حينها أدركت أنه لا معنى للجسد المقيد والمعزول ما دامت الذات تستطيع الارتقاء فوق أحكام الفيزياء والسياسة.”[33] 

جامعة “هداريم”: “استِئلاف الموحش”

السجن مكان امتياز للمستعمِر، وفضاء لإشهار سطوته العسكرية والأدائية والمدنية والقانونية للتحكم في فضاء الأسرى جسداً ومكاناً وزماناً. ويشبّه وليد دقّة السجن بالمطحنة، إذ يقول: “يُطحن الأسير بين شكل الزمن الثابت في علب المكان داخل السجن، وبين محتوى الزمن الذي تحرر من أعباء المكان وأصبح في زمن ما بعد الحداثة بسرعة الإلكترون.”[34] غير أن السجن يحضر أيضاً في الذاكرة الجماعية للأسرى أنفسهم، كمكان للمقاومة صيغت فيه ومعه الألفة الطارئة والملحّة، بالمعايشة والمحاذاة اليومية الحميمية، استجابة لحاجة الأسرى إلى النجاة منه. وعلى الرغم من جماعية التجربة في السجن، فإن كل سجن من السجون هو “عالم بحد ذاته” على مستوى قوانين إدارة السجن وتجربة الأسرى الجماعية فيه.[35] ويمكن القول إن طابع كل سجن من السجون يتشكل نتيجة النظام الداخلي الذي يقرّه الأسرى بينهم، وهو ما يصفه إسماعيل الناشف بعمليات بناء مجتمع الأسرى داخل السجن الذي يُعدّ من أهم مواقع صناعة الحركة الوطنية الفلسطينية، بهوياتها المتعددة والمتصارعة والمندمجة في آنٍ واحد، ويجعل سرديتها “سردية دخول للتاريخ كفاعلين لا كضحايا.”[36]

ويمكن وصف بعض استراتيجيات النجاة من السجن بـ “استئلاف الموحش”،[37] وهي استراتيجيات بقاء غايتها صناعة ألفة من نوع خاص مع الموحش بغرض فهمه، وذلك من خلال الاقتراب منه ومحاذاته ومعايشته للتغلب على غربته ووحشيته. وهذا بالضرورة لا يعني التصالح مع الحيز المعادي ولا القبول به، بل يعني إعادة موضعته في منظومة الندّية والصراع، الأمر الذي يحوّل فضاء السجن من كونه مفروضاً قسراً، بالتعريف والمفهوم والتخيل، إلى فضاء مقاومة. ونستطيع قراءة الكيفية التي استألف فيها أسرى جامعة “هداريم” السجنَ، من خلال عدة مستويات: 1 – مكانية؛ 2 – إنسانية؛ 3 – معرفية. 

1 – الموقعية المكانية لجامعة “هداريم”

على مستوى الموقعية المكانية، يظهر السجن “كأعلى تجسيدات الحالة الاستعمارية”،[38] فجامعة السجن تقع في إحدى الجغرافيات الفلسطينية المهمشة التي تحضر فيها الذاكرة الفلسطينية،[39] وفي أكثر أحياز السجون الصهيونية مركزةً وتشديداً، وحيث إدارة السجن ترفض طلب أي مساعدة من أجل تسهيل الإجراءات الإدارية لعمل الجامعة.[40] وهكذا، فإنها جامعة في موقع بَيْني، بين السجن وخارجه، فهي ليست جامعة أسرى فحسب، بل جامعة أسيرة أيضاً، علاوة على أن فواعلها التعليمية كلها، من أساتذة وطلبة ومواد دراسية، أسيرة كذلك.

ومن ناحية أُخرى، فإن جامعة “هداريم”، وإن كانت لا تزال ملزمة بالحدود البيروقراطية من ناحية تحويل أداء الطلبة المعرفي إلى نتائج رقمية في سجلات الطلبة في الجامعة الأم – جامعة القدس، فإنها تتجاوز هذه التعقيدات بتحويلها الهامشَ (السجن والأسير) إلى مركز فاعل (جامعة وطالب)، ساعية بشكل أساسي لتسليح الطالب الأسير “بوعي وطني تحرري ناقد وليس تعبوياً.”[41]

هكذا، وبالحفاظ على خصوصية المقاربتين، فإن هذه التجربة الجامعية، تقترب ممّا سمّاه فريد موتن وستيفانو هارني “زعزعة العام” (undercommons).[42] وهذه المقاربة تقتضي تحقيق التعليم الثوري والراديكالي رفضاً لعملية التهميش المعرفي والوجودي للشعوب المقهورة، عبر تفكيك النظام المعرفي الغربي السائد والمهيمن في الجامعات عامة. غير أن جامعة “هداريم” بشروطها ومحدداتها، تتلاقى مع تنظيرات “زعزعة العام” انطلاقاً من كون موقعيتها المكانية تزعزع القارّ في السجن الاستعماري الصهيوني من ناحية كونه سجناً للعزل والعقاب والمراقبة، كما أنها “تمثل لحظة تحرر جمعي للفلسطينيين المعتقلين من سطوة وعنف تجربة الاعتقال وذاكرة التحقيق كتجربة وذاكرة تعذيب جسدي ونفسي مستمرة.”[43]

ومع أن “زعزعة العام” في سياق جامعة “هداريم” لا يعني إحداث قطيعة مع الجامعة كمؤسسة، إلّا إنه يهدف إلى إعادة تعريفها من داخل الفضاء السجني الذي صُمّم أساساً كي يحول بين الأسرى وبين فضاءاتهم الممكنة خارج السجن. ففي جامعة “هداريم” يتم تحويل للسجن، من موقع مستعمَري، إلى أكاديمية معرفية نظامية، الأمر الذي أعطى الأسرى القدرة على صناعة أفق للحرية يشكل نقيضاً للحيز الاستعماري السجني،[44] منطلقاً منه مكانياً، ومتجاوزاً له معرفياً وسياسياً. وعليه، يمكن قراءة حالة جامعة “هداريم” كحيز أعيد تحريره، وإن مجازاً، إذ “تحضر الجامعة الفلسطينية في السجن الإسرائيلي كمقولة حضور فلسطينية، و[مقولة] تمرد وعصيان ومقاومة، وكأفق لممكنات التحرر من كل فروض وقهريات المستعمِر.”[45] 

إدارة الندّية مع السجان: إن الندّية في جامعة “هداريم” غير مادية وغير مباشرة في الغالب، وهي تنطلق أساساً من تعريف السجان بأنه عدوّ وندّ في الوقت ذاته. فالتعريف الأول يضع السجان في وصفه الدقيق، بأنه عدوّ، والمستعمِر والمستعمَر بالضرورة لا يتساويان، والعلاقة بينهما على الدوام هي علاقة عنيفة قوامها نفي تبادلي مستمر.[46] أمّا الندّية في التعريف الثاني، فتؤدي إلى نزع صفة الاستعلائية عن المستعمِر كفاعل وحيد في حدث الاستعمار، وذي نزعة تفوقية على المستعمَر. فالإنسان المقهور يفرض عليه القاهر عالماً من التشييء والتسلط المتراكم، وإحدى أدوات قهره إشعارُه المستمر بعدم التكافؤ معه.[47] لكن بعد هذه التجليات ينقاد المقهور إلى رفض هذا العالم المفروض عليه، وكخطوة بدئية يسعى لإعادة التوازن النفسي إلى العلاقة مع القاهر على قاعدة الندية. والأسير في السجن يعيش في سعي حثيث لـ “تحييد” فاعلية المستعمِر وتفكيك هيمنته، نفسياً وذهنياً ومعرفياً، وإن صَعُب عليه تفكيك سلطته الفيزيائية المتمثلة في منظومات السيطرة داخل السجن كافة.[48]

وبذا، يتخذ التحدي مع المستعمِر أبعاداً أعمق، من الصراع المادي المباشر نحو الصراع على ماهية سيد العمق، وسيد السطح، تبعاً لوصف إسماعيل الناشف للصراعات المستمرة بين السجان ومنظومته العسكرية، وبين الأسرى وأساليبهم في انتزاع حقوقهم منه.[49] وهنا يمكن قراءة الصراع في جامعة “هداريم” بما يتجاوز جدران السجن، باتخاذه بعداً جمعياً، ورسمياً على صعيد الاعتماد الرسمي لشهادات الطلبة، بما يتضمن ذلك من أبعاد اجتماعية وسياسية.

وخلال عملية “استئلاف الموحش” في السجن تتبدى حالات المناورة مع السجان على حقّ الأسرى في التعليم والتعلم، وخصوصاً في التعليم النظامي في “الجامعة المفتوحة الإسرائيلية”، وذلك من خلال سياستين انتهجتهما إدارة مصلحة السجون لابتزاز الأسرى ومفاوضتهم على حقوقهم في التعليم، حين أدركت أنها لن تستطيع أن تمنع الأسرى من تنظيم خلايا التعليم والتعبئة الفكرية في السجون. وتمثلت السياسة الأولى في فرضها مفهوم “التعليم في مقابل الهدوء”، والذي كانت إدارة مصلحة السجون تبتز به الأسرى بتحديد مَن تمنحه تصريحاً للتعلم، وهو تصريح مرهون بالانضباط أو ما يُطلَق عليه “حسن السلوك”.[50] وقد استخدم الأسرى هذا المفهوم كأسلوب فكاهة وتندر بشأن معنى “حسن السلوك” في مخيلة المستعمِر، ذلك بأن وجود الأسرى في السجن سبباً ونتيجة، يخالف تماماً هذه المخيلة. وبذا، أصرّ الأسرى على تحصيل هذا الحقّ في التعليم عبر المناورة بأساليبهم الخاصة. ويوجز ضرغام الأعرج هذه المناورة مع السجان بصورة دقيقة، فيقول: “بدّو يردعني ويعاقبني ويفرّغني من محتواي النضالي، وبدّو يحيّدني لما أطلع من السجن، فأكيد بدّو يحارب التعليم ويحاول [يجعل] التعليم منظّم من خلالو [….] وظاهرة التعليم ما قدروا يضبطوها، بس حاولوا يعملوا إدخال إلى حيز القانون [….] ومسألة إنو السجان رقيب عليّ وبدّو يكون حارس على لساني وعلى فكري ما بيقدر، لأنو أنا ما في عندي شي أخسرو.”[51]

يمكن قراءة حالة الندّية التي يخلقها الأسرى داخل السجن مع السجان، بأنها رفض لحالة الإذعان التي تحاول منظومة السجن فرضها على الأسير، بتوصيفه بأنه فرد يحتاج إلى “إصلاح”، أو فرد “غير قابل للإصلاح” بتعبير فريدريك غورو، وهو الفرد الذي تحاول السيطرة أن تصفه بأنه العاجز عن الانصياع لمعايير الجماعة المذعنة.[52] وبما أن المؤسسة الحداثية ترى في السجن مكاناً لـ “إصلاح” الفرد المعطوب، فإن حالة السجن في المجتمعات المستعمرة هي تمثيل عكسي لمؤسسة الحداثة الأوروبية، ذلك بأن السجن الاستعماري نتاج لحالة “صلاح” الفرد لمجتمعه وانحيازه إلى قضيته. وفي ذلك إعادة ترتيب مهمة لعلاقات القوى بين القاهر ومجتمعات القهر، وهذا رد ضروري على سؤال التبعية الأهم: “لماذا تطيع؟ لأنني لا أستطيع أن أعصي.”[53]

ونظراً إلى أنه لا يمكن تهديد الأسير بالسجن، إذ لا يمكن للسجن أن يكون سجناً أكثر، فقد انتهجت إدارة مصلحة السجون سياسة ثانية في ابتزاز الأسرى، وهي التلويح المستمر بإمكان نقل الأسير إلى سجن آخر، وهو أسلوب ترهيب نفسي يضع الأسير في قلق دائم وحالة ترقب مستمرة. غير أن الأسرى حوّلوا هذا القلق إلى سبب مباشر لتحفيز عملية التعليم الأكاديمي في الأسر والانتظام بها، وهي عملية قراءة وكتابة “لاهثة”[54] لسباق الزمن، ولإنجاز متطلبات الجامعة بسرعة قبل نقل الأسير من سجنه.

وقد قادت هذه الندّية إلى الاصطدام مع إدارة السجن ومحاولة التعطيل المتكررة لـ “حلقة ‘هداريم’ التعليمية” في ساحة السجن، وهي إجراءات متتابعة ومتواصلة، كما قادت إلى إصدار قانون استعماري سُمي “لجنة أردان”.[55] وتوازى ذلك مع قيام وحدات القمع بعمليات دقيقة لتفتيش غرف الأسرى، وتكللت هذه المضايقات بما سمّاه الأسرى “مجزرة الكتب”، إذ تم في سنة 2018 مصادرة ما يزيد على نحو 3000 كتاب، مرة واحدة، من مكتبة “هداريم”، والتي احتاج الأسرى إلى أعوام طويلة لتهريبها إلى السجن وتجميعها بطرق مضنية واستثنائية.[56] وأُرفق ذلك بإعادة العمل بأنظمة السجون فيما يتعلق بحيازة الأسرى للكتب، والتي تنص على السماح للأسير باقتناء ثمانية كتب فقط،[57] وذلك عقاباً لقيادات الحركة الأسيرة في “هداريم”، وتحديداً مروان البرغوثي، عقب قيادته لإضراب الأسرى في سنة 2017. وبالتزامن مع ذلك نُقل من “هداريم” عدد من هيئة التدريس في الجامعة ممّن يدرّسون في مساقات البكالوريوس، وجرى توزيعهم على سجون أُخرى.[58]

لكن، في ظل صراع الندّية في “هداريم” سجناً وجامعة، تتحول فاعلية الأسرى ومقاومتهم إلى عملية انتشارية أيضاً، أصبح خلالها الأسرى، خريجو سجن “هداريم”، من طلاب درجة الماجستير، رُسُلاً في السجون الأُخرى لحمل الرسالة التعليمية،[59] إذ باتوا ينخرطون في تعليم الأسرى في مختلف التجارب الجامعية.[60]

ويتجلى صراع الندّية في جامعة “هداريم” في توصيف البرغوثي لهذه العملية التعليمية العصية على الإلغاء: “حينما قررنا أن ندرّس وندرُس لم نقدم طلباً للسجان، ولم نطلب إذنه، بل كنا نمارس التمرد اليومي على منعنا هذا الحق على مستوى الشكل والمضمون [….] إذ تم تعميم هذه التجربة في كافّة مواقع الاعتقال بشكل يستحيل على السجان اليوم وقفه ومنعه، وما تبقّى له هي محاولات للتشويش والتعطيل.”[61]

وهنا يمكن فهم علاقة الأسير والسجان بأنها علاقة متوترة، فالسجان يعلم، وربما ليس على وجه الدقة والتفصيل، أن هناك تجربة تعليم في “هداريم”، وهو يشاهد بعض ملامحها من عين مرقابه وكاميراته، ولذلك فإنه يحاول تعطيلها. لكن الأسرى، ولعلمهم بأن السجان سيتجنب الفوضى والصدامات معهم ما داموا منشغلين بالتعليم، لأن أكثر ما يرغب فيه هو الحفاظ على “الهدوء”، باتوا يشعرون بالانتصار بتحقق هذه التجربة. وربما هذا بالتحديد ما يزلزل العلاقة القهرية الكلاسيكية بين السجان والأسير، والقاهر والمقهور، ذلك بأن المقهور هنا يرفض الإذعان والانضباط، ويقرر ويفعل ويستعد. 

2 – الموقعية الإنسانية لجامعة “هداريم”

في الموقعية الإنسانية تكتسب جامعة “هداريم” ميزاتها من كونها تساهم في إعادة رؤية الأسير إلى نفسه، ورؤية الآخرين إليه كإنسان قبل تعريفه كأسير، على الرغم من وجوده  في حيز حديدي يتكثف كل ما فيه من أجل تشييء الأسير وتجريمه. ولذلك تسعى جامعة “هداريم”، ضمن رؤيا مركزية، لاستبدال رقم الأسير بالرقم الجامعي، و”ذهنية الأكاديمي بذهنية الأسير”،[62] وتتخذ ذلك قيمة عليا، ذلك بأن الأساتذة والطلبة فيها هم جميعاً “مقاتلو حرية”[63] قبل أن يكونوا أسرى، إذ إنهم أمضوا، ولا يزالون يُمضون أعواماً طويلة من عمرهم في السجن[64] في محاولة لممارسة إنسانيتهم كمستعمَرين، والتي تستدعي بالضرورة مقاومة المستعمِر. يقول الأسير رائد الشافعي: “عندما تتغول علينا قسوة الاحتلال والسجان من كل جانب، يصبح صراعنا من أجل الحفاظ على إنسانيتنا من أقدس المهمات التي نكافح من أجلها. ولأن التعليم هو الموحد الحقيقي للمستقبل والأهم، وهو المعول الوحيد والقادر على كشف وهدم الغاية من السجون التي وُجدت من أجل الهدم دون البناء، وهنا تجلى دور وإسهام الجامعة في البناء واستبدال رقم الأسير الذي وُجد لمسح الذات وإلغائِها إلى رقم جامعي لدرجة البكالوريوس والماجستير للحفاظ على القيمة الإنسانية وإعادة التوازن النفسي للأسير المناضل.”[65]

هذا الأمر يشكل انحيازاً إلى زمن الأسير كأكاديمي في الجامعة، يُقاس بما قطع من ساعات دراسية نظامية، وساعات يُمضيها في البحث بدلاً من حساب زمن عمره البطيء في السجن والمقاس بتاريخ اعتقاله في السجن ومحكوميته. فالقيمة الرقمية الأكاديمية لعلامات المساقات في جامعة “هداريم” قد تكون، كغيرها من علامات تقييمية، قيمةً سلعية وتصنيفية، لكنها تحضر في السجن كقيمة إحساس بالزمن الجاري إلى الأمام، وانفعال بالحدث. وهذا انحياز أول إلى كون الأسير إنساناً فاعلاً يتنقل زمانه في السجن من زمان موازٍ، بتعبير وليد دقّة، إلى زمان برزخي: بين زمان السجن الموازي والزمان الاجتماعي خارجه.[66] وعلى ذلك، فإن استبدال الجامعة بالسجن يتيح للأسير طريق العبور نحو دور الجامعي والأكاديمي،[67] ويساعده على التحرر المعنوي من فضاء “القرية الحديدية”.[68]

يصف مروان البرغوثي هذه العملية ككل بالقول: “نحن في السجن، ولكننا أيضاً خارجه، إذ ننجح وبشكل يومي في التحرر منه عبر خلق فضاء حريتنا الخاص بنا، من خلال فعل التعلم والتعليم الأكاديمي. وبالتالي تشكل الحلقة الأكاديمية على السواء، ساحة ممارسة تحررية، كما تشكل مختبر إنشاء وعي تحرري [….] وما ينتج عن ذلك من خلق الأساس اللازم في ذهنية نقدية.”[69]

إن انشغال الأسرى بالتعليم يُخرجهم من حالة “الاحتقان الداخلي” الذي يفرضه السجن كفضاء مستعمري، ويُحيل مستوى وموضوعات التفكير لديهم إلى “ما بعد حدود الأسى”،[70] وينقلهم من الانشغال بالسجن وهمومه إلى الانشغال بالتفكير في القضية الفلسطينية، وفي موقعها في العالم والنضال العالمي.[71] ولذا، فإن العملية التعليمية في “هداريم” هي طريقة عيش ونمط حياة، وهي الطابع الغالب عليه سجناً وجامعة. 

3 – موقعية جامعة “هداريم” المعرفية

يمكن تتبّع ثلاثة مسارب للعملية التعليمية في “حلقة هداريم”، هي: أ) الخطة الدراسية والمضمون؛ ب) البيداغوجيا التربوية والحصة التعليمية؛ ج) النتاج الأكاديمي.

أ – مسرب الخطة الدراسية ومضمون المساقات: يتم هنا اعتماد الخطط الدراسية للطالب المنتظم في الجامعة الأم – جامعة القدس، بحيث يجري الالتزام بما تتطلبه هذه الخطط من مساقات إجبارية للتخصص بالعلوم السياسية.  فعلى سبيل المثال، فإن مسار الدراسات الإسرائيلية – تخصص الدراسات الإقليمية في مستوى الماجستير، يشتمل على 12 مساقاً على الطالب أن ينهيها خلال عامَين.[72] ولتعذّر إمكان التقدم برسالة ماجستير في السجن، لغياب لجنة مؤهلة لمناقشة أطروحة الطالب، فإن على الطلبة التقدم إلى الامتحان الشامل، وعليهم اجتيازه كشرط للتخرج،[73] ثم تُرسل العلامات إلى الجامعة الأم – القدس لوضعها في سجل الطالب الأسير. وبسبب ظروف السجن، فإنه يُفرض على أساتذة وطلاب “هداريم” تحدي إعادة بناء المقررات الدراسية، مع الالتزام بالخط الموضوعاتي العام المقرر من جامعة القدس، تماشياً مع ما يتوفر في مكتبة السجن من كتب ومجلات وأوراق بحثية.

هذا الإجراء مُضنٍ لعدم توفر نسخ كافية من مواد القراءة لجميع الطلبة في المكتبة، والتي قد تكون في كثير من الأحيان نسخة واحدة، هذا إذا لم تتم مصادرتها، وهو ما يتطلب من كل أسير صناعة نسخته الخاصة من المنهاج المقرر، والتي تُعدّ بدائل يتوارثها الأسرى فيما بينهم دفعة بعد أُخرى.[74] وهذه العملية تصنع حميمية من نوع خاص بين الأسير والمادة المعرفية المنسوخة والوقت الطويل الذي يستغرقه الأسير في ذلك، الأمر الذي يضيف إلى العملية التعليمية، ويضفي عليها قيمة وهدفاً.

فيما يتعلق بمضمون المساقات في جامعة “هداريم”، فإنه يتنوع نظراً إلى طبيعة التخصص بأحد برامج الأكاديمية المعتمدة في السجن، بين مساقات إجبارية وأُخرى اختيارية (تقررها الهيئة التعليمية في السجن). فبعض هذه المساقات ذو دلالات سياسية واقتصادية كمساق الأجهزة الأمنية في برنامج الماجستير. وبعضها الآخر ذو دلالات اجتماعية وثقافية كمساق الحركات الاجتماعية والتغيير السياسي، والذي هو متطلب إجباري للبكالوريوس، ومساق “المرأة والرجل في المجتمعات الإنسانية” كمتطلب اختياري. علاوة على ذلك، تنظَّم في جامعة “هداريم” محاضرات سنوية ومحاضرت عامة ضمن مختلف المساقات في برنامج الماجستير تجعل الأسير على تواصل دائم مع نفسه ومع مجتمع السجن أولاً، ومع المجتمع خارجه ثانياً.

لقد كرست سياسة جامعة “هداريم” أهمية إدارة العملية التعليمية بشكل فاعل على الرغم من ظروف السجن كلها، إذ أشار عديد المقابلات مع الأسرى في هذه الدراسة إلى النظام التعليمي الصارم الذي اتّبعه مروان البرغوثي في إدارة برنامج الماجستير، بما يتحدى الطلبة وقدراتهم المعرفية والتحليلية. فشادي الشرفا مثلاً، يقول إن متطلبات الدراسة تحتاج إلى جهود مضاعفة عن تلك المبذولة للبرنامج نفسه خارج السجن، إلى حد أن بعض الأسرى المنتظمين في جامعة القدس قبل أن يُسجنوا، انسحب من جامعة “هداريم” لصعوبة التعليم فيها. فالاختبار في برنامج الماجستير مدته أربع ساعات تتلاءم مع طبيعة الأسئلة الواردة، وهي أسئلة على درجة عالية من الدقة.[75] ويصف باسم خندقجي هذه التجربة بأنها “تخضع لنظام صارم [….] وتطبّق القواعد الأكاديمية بأعلى معاييرها حفاظاً على الأمانة والمسؤولية”،[76] ومن أجل تحقيق معيارية عالية لشهادات الأسرى كي تؤخذ على محمل الجد في المستقبل.[77]

ويمكن توزيع أبرز أهداف هذه المساقات على صعيدين: صعيد الاشتباك المعرفي مع السجان؛ وصعيد فهم الذات والانحياز إليها. فعلى الصعيد الأول، فإن الطالب والمحاضر أسيران بالدرجة الأولى، ووجودهما في السجن هو بالضرورة، مشتبك يومياً مع فضاء السجن المستعمَري، ومع الفضاء الناطق بالعبرية. ولذا، فإن إتقان اللغة العبرية بدرجة مقبولة يُعدّ من أهم الشروط اللازم توافرها في الطالب لمتابعة وسائل الإعلام والصحف والاشتباك مع ذهنية المستعمِر وفهمها.[78] وهذا الأمر يكرسه كثير من المساقات، وخصوصاً في مرحلة الماجستير في الدراسات الإسرائيلية، إذ يتم فيها التعرف، ومن داخل السجن نفسه، إلى بُنى العدو الداخلية والعسكرية والفكرية. يقول البرغوثي: “أكاديميتنا مشتبكة معرفياً مع خطاب منعها ومصادرتها، وهي مشتبكة قبل ذلك مع الحيز الاعتقالي المناقض والمناهض لها بالتعريف والموقع [….] لذلك نحن ننتج دائرة مترابطة من تعليم يعزز الوعي الوطني التحرري في ظل مناخات اشتباك، وفي حالة اشتباك مدعومة بمعرفة وطنية تحررية واعية ونقدية، وذلك دون سطوة لأي من البُعدين على الآخر.”[79]

تُدرّس مثلاً، تركيبة الجهاز الصهيوني العسكري، متمثلاً في أجهزة “الأمن” ووحدات الجيش بأنواعها وتوزيعها، كما يتم تحليل المجتمع الإسرائيلي وفهم تركيبته الداخلية. وهذه الفرصة توفر للطالب الأسير معرفة الكيفية التي تدار بها إسرائيل،[80] وتشكيل مَعين معرفي ونقدي عن السجان في أكثر أماكنه تحصيناً، الأمر الذي يتيح المجال أمام تفكيك صورته العسكرية كصاحب سيادة، وتحويل السجن إلى “ثكنة بحثية ومعرفية”، ويحقق هدفاً أساسياً هو “أخذ الأسير إلى مسار آخر غير الذي يريده السجان وإدارة مصلحة السجون في ظل غياب الأفق السياسي.”[81]

أمّا على الصعيد الثاني وهو “فهم الذات والجماعة والانحياز إليها”، فإن بعض المساقات المطروحة يتيح فرصة تعميق وعي الأسير ورفع إدراكه بذاته، مثلما هي الحال في المحاضرة السنوية التي تُعقد ضمن مساق “الأجهزة الأمنية في إسرائيل” في برنامج الماجستير، والتي يجري فيها حوار مفتوح بين الأسرى لتبادل تجاربهم في التحقيق، ليس على صعيد التجربة المادية فحسب، بل أيضاً على المستوى السيكولوجي ورواسبه في ذاتية الأسير “كفرد أعزل قبالة دولة مثخنة بالخبرة العسكرية.”[82] وهذه المحاضرة هي “حلقة مكاشفة جماعية وصريحة لتجارب الأسرى في التحقيق في مراكز الشاباك. الأمر الذي يشكل جلسة تأهيل نفسي للأسرى تمكّنهم من فهم جوانب الضعف الإنساني لديهم [….] ويوفر لهم حصيلة من النقد الذاتي لتجربة العمل المقاوم.”[83] وهذا الأمر إلى فهم أساليب العدو النفسية التي ينتهجها ضد الأسرى في التحقيق، مثلما يحلل وليد دقّة في “صهر الوعي”: “لم يعد الأسير بجسده هو المستهدف، ولا يعذَّب بالحرمان المادي والتجويع، وإنما الروح والعقل هما المستهدفان.”[84] ويصف الأسير رائد الشافعي أيضاً، تجربته في “هداريم” بالقول: “ولعل توقيتها وحضورها هو الاختيار الأهم في الزمان والمكان الذي شكلت شبكة الأمان والحماية والسدّ المنيع في مواجهة عملية التدمير البطيء والمنظم [….] خاصة بعد أن تحولت السجون إلى مختبرات ومراكز للأبحاث الإسرائيلية.”[85]

تمثل حلقة “هداريم” الأكاديمية ساحة التقاء فكري متعدد المشارب الفكرية، بين مجتمع الأسرى المتنوع حزبياً وثقافياً وسياسياً وحتى جغرافياً، “وهذا لا يتوفر في سجون أُخرى عزز الانقسام الفلسطيني الفصل بينها، كما ولا يتوافر في المجتمع الفلسطيني الخارجي الذي يُعدّ جزءاً من نظام أبوي عربي مستحدَث تحكمه العشائرية والمناطقية والجهوية.”[86] ومن الأهمية بمكان الإشارة إلى تدريس مساق خاص في برنامج الماجستير بشأن قضايا المرأة انطلاقاً من قناعة لدى البرغوثي فحواها أنه لا يتسنى تقديم معارف تحررية بعيداً عن المرأة وقضاياها ومظلوميتها الإنسانية أينما توجد. وبطبيعة الحال، فإن هذا الاصطدام مع الموروثات السابقة، يقود في بعض الأحيان إلى مقاومة التغيير ورفض بعض الأفكار الجديدة التي يتعرض لها الطالب، فقد أشار شادي الشرفا إلى أن بعض الأسرى انسحب من برنامج الماجستير نتيجة ذلك.[87]

ب – مسرب الحصة والبيداغوجيا: على الرغم من تحررية الحالة في جامعة “هداريم”، فإن هناك قوانين صارمة على مستوى السياسة الداخلية للفصل الدراسي، وعلى مستوى الأساليب البيداغوجية. فالحلقة التعليمية الواحدة لمستوى البكالوريوس مدتها ساعتان، وتُعقد مرتين أسبوعياً، وفي أحيان أُخرى ثلاث مرات في الأسبوع تبعاً لطبيعة المساق أكان اختيارياً أم إجبارياً،[88] بينما تمتد محاضرات برنامج الماجستير إلى أربع ساعات ونصف ساعة أسبوعياً، تتخللها فترتا استراحة مدة الواحدة منها خمس دقائق.[89] أمّا فضاء الصف الدراسي فهو ساحة سجن “هداريم”.

وتتوزع متطلبات كل مساق وأساليب التقييم في درجتَي البكالوريوس والماجستير، بين: امتحانات، وأبحاث، وتقارير، وعروض صفية، ومراجعات كتب، وهذا كله يتم على الرغم من جميع المعوقات والتقييدات من طرف السجان الذي بلغ به الحد أن صادر الكراسي من الطلبة، ثم صادر سجادات الصلاة التي كانوا يفترشونها لتقيهم حرارة الأرض أو بردها على توالي الفصول، ومع ذلك، واظبت “حلقة هداريم” على الانتظام. يصف باسم خندقجي التعليم في جامعة “هداريم” بالقول: “فأن يجلس إنسان في أوج الصيف الحارق، أو البرد القارس وتحت المطر، لكي يناقش ويقرأ الاستشراق أو تكوين العقل العربي دون أدنى تذمر أو تأفف، وبإقبال شديد وتفاعل كبير، فإن هذا يعني ويعبّر عن مدى نجاح العملية الأكاديمية في هذا السجن.”[90]

هذا الوصف يدل على الفلسفة التربوية التي يعتمدها مروان البرغوثي ورفاقه من أساتذة درجة البكالوريوس، في جامعة “هداريم”، فهم يمارسون، ولا يعلّمون بيداغوجياً فقط، التعليم التحرري الذي يشكل ممارسة تحررية من: سلطة السجن، وسلطة المستعمِر، وسلطة أشكال التعليم ومنهجياته التقليدية. وهنا يمكن القول إن التعليم بقدر ما هو أداة لتحقيق الحرية، أو فرض الهيمنة، وذلك بحسب باولو فريري، فإنه أيضاً، وفي المقابل، محاولة لعدم التكيف ورفض الامتثال.[91]

من ناحية أُخرى، هناك محاولات مستمرة من طرف البرغوثي لتجسير المسافات بين الطلبة والمحاضرين في جامعة “هداريم”، لإقناع الطلبة الذين يواجهون صعوبات أكاديمية أو نفسية، بأن يكملوا تعليمهم،[92] الأمر الذي أثّر في دافعية الأسرى، وأضاف معنى حيوياً لحيواتهم داخل السجن. وكانت هذه هي اللحظة الفارقة التي أكمل فيها الأسير رائد الشافعي تعليمه للثانوية، ولدرجتَي البكالوريوس والماجستير في جامعة “هداريم”.[93]

وهنا لا بد من الإشارة إلى الدور المهم المنوط بمروان البرغوثي، على أهمية أدوار رفاقه من أسرى وقادة. فالمقابلات كلها التي أجرتها الدراسة أشارت إلى الدور المركزي لمروان البرغوثي، وخصوصاً في تدريس درجة الماجستير. وهنا يمكن سحب التحليل على الأبعاد النفسية لهذا التأكيد، مع التركيز هذه المرة على موقع مروان البرغوثي “القيادي” إلى جانب موقعه الأكاديمي. فالحاجة إلى رمز “القائد” و”البطل” في الظروف القاهرة، تُعدّ ضرورة أساسية يسلكها المقهور لتشكيل جبهة حماية وأمان أمام ظروف القهر.[94] فعلى الرغم ممّا لصورة القائد من موقعية سلطوية أيضاً، فإنها تحضر في السجن كعامل للنجاة النفسية من حالة السجن نفسها، ذلك بأن القائد أسير كغيره من الأسرى، ويتعرض لما يتعرضون له، ويقاوم مثلما يقاومون، وبالتالي فإن موقعيته الرمزية تضيف إلى ذلك حالة من الشعور بالإنقاذ والحماية أمام قهرية السجن.

ج – مسرب النتاج الأكاديمي: على الرغم من كون السجن تكثيفاً لضوضاء أصوات، فإن جامعة “هداريم” تزخر بعدد هائل من النتاجات المتعددة الحقول، والتي هي وليدة السجن مكاناً وحالة. فالطلبة في جامعة “هداريم” يتعلمون أسس الكتابة الأكاديمية ويتدربون عليها، ولا سيما في برنامج الماجستير، إذ يُطلب منهم في كل مساق تقديم مقترح بحثي عن أحد الموضوعات، وبعد موافقة اللجنة الأكاديمية يقوم الطلبة بتقديم بحث كامل. وفي السجن تتم الكتابة، وخصوصاً البحثية منها، على الرغم من محدودية المصادر. ويصف ضرغام الأعرج ذلك بالقول: “البحث جوه مش زي البحث بره [….] مشان أسوّي بحث 20 صفحة لمادة في الماجستير أقدمها لأبو القسام، أبقى أدوّر عَ نسخة لمجلة مفقودة، لأن في بس نسخة وحدة بين الـ 120 أسير [….] استنّى دوري عشان أقرا، وعشان آخذ من هالأكم فقرة. اللي بدّو لأعملو شهر بالسجن، بعملو هون بأسبوع.”[95]

ولولا تقييدات سجن “هداريم” الصارمة على تحرير “دفاتر السجن” من السجن، لتوافرت بين أيدينا عينات غنية وثرية معرفياً. فضرغام الأعرج يقول عن ذلك: “كتبت عن بن – غوريون ووايزمان ودورهما في دولة إسرائيل، وكتبت عن ‘أداء المفاوض الفلسطيني في قضية الأسرى’ [….] وصدقاً لمّا أسوّي استبانة وجدول ورسم بياني أنا بسويه بإيدي يعني مش على الكمبيوتر [….] يعني جهد ذاتي.”[96] كما أشار بسام أبو عكر إلى مصادرة جميع ما كان يكتبه، وأن هذه العملية كانت تتكرر لدى الأسرى الآخرين، فيقول: “كل ما كنت أجمع كم هائل من الأوراق ومن الشغل ومن الجهد ومن الرسائل كان الاحتلال ييجي يصادر من عندي كل شي بكتبو على الورق وهذا كان يؤلمني كثير [….]كأنو انتزع روحي أو انتزع عضو من أعضائي.”[97]

ويمكن تصنيف نتاجات أساتذة وطلبة جامعة “هداريم” بين حقول السياسة والفلسفة والأدب والتاريخ، وغيرها. ففي الحقل السياسي وقبل إنشاء جامعة “هداريم”، كتب الأسير المحرر كريم يونس كتابين: الأول في سنة 1990 بعنوان “الواقع السياسي في إسرائيل”، والثاني في سنة 1993، وبمشاركة الأسير الراحل عادل عيسى، بعنوان “الصراع الأيديولوجي والتسوية”.[98] وتدخل وفي هذا الإطار مؤلفات وليد دقّة السياسية، مثل: “يوميات مخيم جنين” وكتاب “صهر الوعي”.[99] وخلال تأسيس جامعة “هداريم” وما بعدها كتب مروان البرغوثي وعاهد أبو غلمة وعبد الناصر عيسى كتاب “مقاومة الاعتقال”،[100] والأخيران كانا طالبَي ماجستير في جامعة “هداريم”، ثم أصبحا أستاذين فيها. واليوم يكتب طلبة وأساتذة “هداريم” في السياسة تحليلاً وتشخيصاً وأوراقاً استشرافية، ولعل أبلغ مثال لذلك هو ندوة الحركة الفلسطينية الأسيرة على صفحات “مجلة الدراسات الفلسطينية”، والتي كتب فيها أسرى من جامعة “هداريم” ومن قيادات الحركة الوطنية داخل السجون، الذين سعوا في هذه الندوة، وانطلاقاً من الواقع الفلسطيني في سنة 2021، لتشخيص الوضع السياسي الفلسطيني المقبل، وتقديم نواة مبادرة من أجل تصويب مسار المشروع الوطني الفلسطيني كمعبّر عن الهوية الفلسطيينة الحديثة المقاومة للاستعمار.[101]

أمّا على صعيد الإنتاج الفلسفي والسياسي، فنذكر لا على سبيل الحصر، كتابات وليد دقّة في هذا الحقل، وهي كتابات حصيلة ما يتجاوز 37 عاماً داخل السجن.[102] علاوة على ذلك هناك عدد كبير من نتاجات أسرى “هداريم” ذات طابع أدبي ومن مختلف الأنواع،[103] فحسام شاهين مثلاً كتب عن الرواية النقدية، مثل رواية “زغرودة الفنجان” التي توغل في الصراعات النفسية بين السياسي والاجتماعي في السياق الاستعماري الفلسطيني.[104] 

الخاتمة

تتكثف في جامعة “هداريم” سياسات تقديم المعرفة عن فلسطين، فهي تساهم في تقديم قراءة مختلفة عن السجن المستعمري الصهيوني الذي فضلاً عن كونه فضاء قهرياً وعازلاً، فإن الأسرى يحولونه إلى فضاء للمقاومة والمناورة والتشبيك مع المجتمع الخارجي. كما تزوّد جامعة “هداريم” طلابها وخريجيها بأنماط معرفية جديدة تسبق فيها الممارسةُ والتطبيق النظريةَ الأكاديمية، كما تسبق”بيداغوجيا الأمل” بيداغوجيا التعليم. ولهذا يمكن اعتبارها مؤسسة داخل مؤسسة؛ فهي مؤسسة حداثية تربوية تجاوزت سلطويتها داخل مؤسسة استعمارية حداثية وُجدت للسيطرة والضبط والتحكم، كمؤسسة السجن. وعليه، فإن التقاء الجامعة بالسجن يمثل التقاء مؤسسة نقيضة لأُخرى، ومغايرة لها، بل نافية لها بشكل أو بآخر. فإذا كانت مؤسسة السجن في السياق الاستعماري الصهيوني تهدف إلى سلب الأسير حريته، ونفيه عن مجتمعه وسلب إيمانه بذاته، فإن جامعة “هداريم” تهدف إلى إلغاء كل نفي ممكن للأسير فيها، ذاتاً وجماعة. والأهم في هذه الجامعة هو تحويل السجن إلى ثكنة بحثية ومعرفية (think tank) يمكن اعتبارها أيضاً حقلاً ميدانياً لدراسة المستعمِر وأدواته وأساليبه وتفكيك هيمنته، ذلك بأن وجود الأسير داخل السجن يمكّنه بشكل وثيق من وصفه والتنظير بشأنه انطلاقاً من الواقع.

إن النقاش بشأن جامعة “هداريم” يدور حول ثلاثة عناصر أساسية هي التي تعطي التجربة ميزتها، وهي: وجود الجامعة في السجن كمؤسستين حداثيتين تنفي الأولى قهر الثانية داخل السجن الصهيوني؛ مساهمة الجامعة والسجن في بلورة سرديات الجماعة؛ سياقات المجابهة والمقاومة التي فرضت وجود “الجامعة” في السجن. وهذه العناصر الثلاثة مجتمعة تجعل تجربة جامعة “هداريم” حالة لتأسيس نظري مختلف بشأن ماهية دور السجن والجامعة كمؤسستتين حداثيتين قاهرتين تبلوران سردية الجماعة. ففي جامعة “هداريم” تتحقق رسالة المؤسسة الأكاديمية المتمثلة في ثلاث ميزات: تدريس وبحث علمي وخدمة مجتمع. فالتعليم داخل السجون، وخصوصاً سجن “هداريم”، هو “تعليم تحت النار”،[105] لأنه تعليم ملاحق، وهوتعليم فاعل بمعنى أن الطالب والأستاذ يساهمان في الإنتاج المعرفي كنتاج للعملية التعليمية ككل، وينخرطان في عمليات بناء وانتاج المعرفة. أمّا خدمة المجتمع فأكثر ما تتبدى عند الأسرى في السجون، لأنهم وجدوا فيها بصورة عامة مدعاة أولى لقيامهم بواجبهم الوطني تجاه مجتمعهم وبلدهم المستعمر.

ويمكن هنا القول إن قيمة جامعة “هداريم” المضافة هي أنها بينما تساهم في بناء السردية الفلسطينية المقاومة، والسردية الأم للحركة الفلسطينية الوطنية لإعادة إحيائها ورسم مسارات نهجها، فإنها تقوم بتفكيك مؤسسة السجن، وبناء السردية النقيضة للسجان. وميزتها أنها تقاوم مؤسسة السجن بمؤسسة الجامعة، وتخطّ نهجاً استثنائياً لإعادة قراءة كلا المؤسستين فلسطينياً، وتعيد تقديم معناهما كحالة خروج من تقليدية السجن والجامعة معاً.

*أُنجزت هذه الدراسة بدعم من لجنة البحث العلمي في كلية الدراسات العليا والأبحاث في جامعة بيرزيت. وهي جزء من أطروحة الدكتوراه التي تعمل عليها الباحثة بشأن الأكاديميا التحررية في الجامعات الفلسطينية، بإشراف عبد الرحيم الشيخ، أستاذ الفلسفة والدراسات الثقافية. وتشكر الباحثة الحملة الشعبية لإطلاق سراح الأسير مروان البرغوثي على توفيرها بعض المواد لهذه الدراسة.

المصادر:

[1] Jurgen Habermas, “The Idea of the University: Learning Processes”, New German Critique, no. 41/1 (Spring 1987), pp. 3-22.

[2] للمزبد انظر:

Gurminder K. Bhambra, Dalia Gebrial and Kerem Nişancıoğlu, eds., Decolonising the University (London: Pluto press, 2018); Piya Chatterjee and Sunaina Maira eds., The Imperial University: Academic Repression and Scholarly Dissent (London: University of Minnesota, 2014); Mahmoud Mamdani, “Between the Public Intellectual and the Scholar: Decolonization and Some Post-Independence Initiatives in African Higher Education”, Inter-Asia Cultural Studies, vol. 17 issue 1 (2016), pp. 68-83; Achille Joseph Mbembe, “Decolonizing the University: New Directions”, Arts and Humanities in Higher Education, vol. 15, issue 1 (February 2016), pp. 29-45.

[3] سجن “هداريم” هو سجن عزل جماعي يقع على الخط الفاصل بين مدينتَي أم خالد وطولكرم المحتلتين. وهو مخصص للأسرى الجنائيين الإسرائيليين، ويحتوي على قسم واحد للأسرى الفلسطينيين هو القسم 3 الذي يضم 80 أسيراً، وكان سابقاً يضم نحو 120 أسيراً. لكن في مطلع سنة 2023، أُغلق لذرائع أمنية وإدارية صهيونية، ونُقل الأسرى الذين كانوا محتجزين فيه إلى عزل سجن نفحة، جنوب شرق فلسطين.

[4] عبد الرحيم الشيخ (إعداد وتقديم)، “ندوة الحركة الفلسطينية الأسيرة: الجغرافيا السادسة”، “مجلة الدراسات الفلسطينية”، العدد 128 (2021)، ص 9 – 59.

[5] للمزيد بشأن تاريخ التعليم في السجون، انظر:

“دفتر… قلم وقيد: دراسة حول التعليم والحياة الثقافية في السجون الإسرائيلية” (رام الله: مؤسسة الضمير لرعاية الأسير وحقوق الإنسان، 2020)، ص 24 – 60؛ مسلمة ثابت، “الواقع التعليمي للأسرى الفلسطينيين في سجون الاحتلال الإسرائيلي: سجن هداريم – دراسة حالة” (رام الله: منشورات وزارة شؤون الأسرى والمحررين، 2016)؛ رأفت حمدونة، “الجوانب الإبداعية في تاريخ الحركة الوطنية الفلسطينية الأسيرة في الفترة بين 1985 إلى 2015م: دراسة بحثية” (رام الله: وزارة الإعلام، سلسلة إصدارت وزارة الإعلام، 2018).

[6] ما حفّزني كباحثة على كتابة هذه الدراسة هو محاولة الإجابة عن سؤال ورد في نصّ “لا باب” للأسير المفكر وليد دقّة الذي تساءل عن أثر حضور السجن في طفولة الأسرى على حياتهم اللاحقة، إذ يقول: “لقد عشتُ في الأسر مع الأب والابن والحفيد، فهل حضور السجن في حياتهم كأطفال أثناء الزيارات قادهم إلى الأسر؟”. وهنا أجيب: نعم يا وليد! يقودهم السجن إلى السجن، أو إلى سؤال السجن. انظر: وليد دقّة، “لا باب” (مخطوطة: أرشيف وليد دقّة، ٢٠٢٢).

[7] عبد الرحيم الشيخ، “الجامعة الفلسطينية وسباق المسافات الطويلة في مقاومة الاستعمار”، “الأيام” (رام الله)، 12 / 10 / 2010، في الرابط الإلكتروني.

وللمزيد بشأن نقد المؤسسة التربوية كمؤسسة حداثوية ودورها في بناء السرديات الوطنية، انظر:

عبدالرحيم الشيخ، “فلسطين الهوية والقضية: الجامعة وإعادة بناء السردية الوطنية الفلسطينية” في “المؤتمر السنوي الخامس: إعادة بناء المشروع الوطني الفلسطيني” (رام الله: المركز الفلسطيني لأبحاث السياسات والدراسات الاستراتيجية / مسارات، 2017) ص 157 – 174؛ عبد الرحيم الشيخ، “السياسات التربوية الفلسطينية: ازدواجية الإكراه، وواحديّة الامتثال”، في: عبد الرحيم الشيخ (تحرير)، “المنهاج الفلسطيني: إشكالات الهوية والمواطنة” (رام الله: المؤسسة الفلسطينية لدراسة الديمقراطية / مواطن، 2008) ص 107 – 124 وانظر أيضاً:

Abdul-Rahim Al-Shaikh, “A Palestinian Tale of Enlightenment: Towards a Foucault–Kantian Geography of Meaning”, Third text, vol 20, issue 4-3 (2006), pp. 293-304; Abdul-Rahim Al-Shaikh and Rana Barakat, “Radical Academics: National Education and the Rise of Palestine Studies”, This Week in Palestine, issue 142 (February 2010), pp. 18-23.

[8] الشيخ، “الجامعة الفلسطينية وسباق المسافات…”، مصدر سبق ذكره.

[9] مصطفى حجازي، “التخلف الاجتماعي: مدخل إلى سيكولوجية الإنسان المقهور” (الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي، 2005)، ص 48.

[10] مروان البرغوثي، مقابلة مكتوبة، 25 أيلول / سبتمبر 2022.

ومروان البرغوثي (1959 – ) قائد فلسطيني وأسير، وهو أمين سر حركة “فتح” في فلسطين، سُجن عدة مرات آخرها في سنة 2002، وحُكم عليه بالسجن المؤبد 5 مرات، و40 عاماً. ولمكانته الأكاديمية والسياسية أُسند إليه تأسيس جامعة السجن في “هداريم” والإشراف عليها.

[11] في سنة 1992 بدأ الأسرى في سجن جنيد بخوض إضراب عن الطعام عُرف باسم “بركان أيلول”، أو “إضراب سجن جنيد”، وشارك فيه نحو سبعة آلاف أسير. وقد استشهد 13 فلسطينياً في أثناء تظاهرهم عند أبواب السجن، لكن الأسرى حققوا في إثره عدة منجزات أهمها الموافقة على التعليم الجامعي كمنجز جماعي منظم مثلما يقول رئيس نادي الأسير الفلسطيني قدورة فارس، في مقابلة معه أُجريت في 7 نيسان/ أبريل 2022. وكان الهدف هو الالتحاق بجامعة فلسطينية، وتحديداً جامعة النجاح الوطنية (جلال رمانة، مقابلة شخصية معه في 30 تشرين الثاني/ نوفمبر 2021)، أو جامعة القدس المفتوحة (قدورة فارس، مقابلة شخصية معه، مصدر سبق ذكره). غير أن قرار الأمن الداخلي الإسرائيلي أتاح الدراسة في الجامعة المفتوحة الإسرائيلية، بشروط بالغة التعقيد. وهناك حالات فردية من الأسرى نجحت في الدراسة في الجامعة المفتوحة اعتباراً من سنة 1988، لكن التجربة كانت محدودة ومحصورة ببضعة أسرى.

[12] أشار بعض المقابلات الشخصية مع الأسرى إلى بعض التجارب الجامعية التي استمرت لفترة قصيرة. ويشير جلال رمانة إلى انتساب البعض إلى جامعة الأقصى في غزة، لكن هذه التجربة لم تعمَّم لعدة أسباب، واقتصر نطاقها على السجون الجنوبية، وهي: رامون ونفحة وبير السبع. وقد خرّجت هذه الجامعة الفوج الأول في سنة 2014 (جلال رمانة، مقابلة شخصية، مصدر سبق ذكره). وجرت محاولات أُخرى لاعتماد “كلية العلوم والتكنولوجيا” التابعة للجامعة الإسلامية، لكنها لم تكتمل. كما أشار شادي الشرفا (مقابلة شخصية معه في 7 كانون الثاني / يناير 2023) إلى جامعة “الأمة” في غزة، والتي ارتبطت بالأسير ضرار أبو سيسي الذي اختطفه الموساد من أوكرانيا. وكانت هذه التجربة محصورة في قسم 7 في سجن رامون، وكانت تتخصص بإدارة الأعمال.

وشادي الشرفا (1977 – ) أسير محرر، من وادي الجوز في مدينة القدس، وكان اعتُقل في سنة 2002، وحُكم بـ 20 عاماً، وتحرر في نيسان / أبريل 2022.

[13] البرغوثي، مقابلة مكتوبة، مصدر سبق ذكره.

[14] إلياس صباغ هو محامي مكتب الحملة الشعبية لإطلاق سراح مروان البرغوثي، والمسؤول عن ملف جامعة “هداريم” ممثلاً عن البرغوثي.

[15] إلياس صباغ، مقابلة شخصية معه في 12 أيلول/ سبتمبر 2021. وجدير بالذكر أن الاتفاقية وُقّعت في سنة 2016، لكن البدء بالتدريس الجامعي في “هداريم” بدأ قبل ذلك، في 1 كانون الثاني / يناير 2012.

[16] محمد بطة، مقابلة شخصية معه في 18 أيار/ مايو 2022، وهو المدير العام لبرنامج “تأهيل الأسرى في هيئة شؤون الأسرى والمحررين”.

[17] صباغ، مقابلة شخصية، مصدر سبق ذكره.

[18] زياد عياد، مقابلة شخصية معه في 16 أيار / مايو 2022، وهو المنسق لملف الأسرى لطلبة جامعة “هداريم” في جامعة القدس.

[19] صباغ، مقابلة شخصية، مصدر سبق ذكره.

[20] المصدر نفسه.

[21] بطة، مقابلة شخصية، مصدر سبق ذكره.

[22] عبد القادر بدوي، مقابلة شخصية معه في 14 أيلول / سبتمبر 2021. وهو أسير محرر، من قرية عراق المنشية المهجرة. ولد في مخيم العروب جنوبي مدينة الخليل، واعتُقل في سنة 2012، وحُكم عليه بالسجن 7 أعوام حتى سنة 2019، وقد درس البكالوريوس في جامعة “هداريم” خلال هذه الفترة.

[23] البرغوثي، مقابلة مكتوبة، مصدر سبق ذكره.

[24] صباغ، مقابلة شخصية، مصدر سبق ذكره.

وللمزيد بشأن تجربة التعليم في جامعة “هداريم”، انظر:

عبد القادر بدوي، “ثورة النور في جامعة ‘هداريم’ “، موقع “بالغراف”، في الرابط الإلكتروني.

[25] فيما يلي معلومات عن بعض الأسرى الواردة أسماءهم في المتن:

– وليد دقّة (1961 – ): أسير فلسطيني ولد في قرية باقة الغربية في المثلث الفلسطيني الجنوبي. سُجن في سنة 1986 وحُكم عليه بالمؤبد (الذي حددته إسرائيل في سنة 2012 بـ 37 عاماً)، وفي سنة 2018 أضيف إلى حُكمه عامان آخران لاتهامه بإدخال هواتف نقالة إلى الأسرى، وجرى إقصاؤه من صفقات الإفراج وتبادل الأسرى، في السنوات: 1994؛ 2008؛ 2011؛ 2014. وقد منعت المحكمة الصهيونية إطلاق سراحه بعد انتهاء محكوميته في سنة 2023 على الرغم من إصابته بمرض سرطاني نادر في نخاع العظم “مرض التليف النقوي” (Myelofibrosis)، واضطرار الأطباء إلى استئصال جزء من رئته اليمنى (حملة إطلاق سراح الأسير وليد دقّة، 2023). درس دقّة درجة البكالوريوس في السجن في الجامعة المفتوحة الإسرائيلية، كما درس درجة الماجستير في جامعة “هداريم” في سنة 2016، ثم درّس كأستاذ فيها. للمزيد انظر:

عبد الرحيم الشيخ، “الزمن الموازي في فكر وليد دقّة”، “المجلة العربية للعلوم الإنسانية”، العدد 155، السنة 39 (صيف 2021)، ص 271 – 308.

– أحمد سعدات (1953 – ): أسير فلسطيني، ولد في سنة 1953 في مدينة البيرة في محافظة رام الله. هو الأمين العام للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، وقد أعيد انتخابه في المؤتمر العام الأخير للجبهة. سُجن عدة مرات، آخرها في سنة 2006، وحُكم عليه بالسجن 30 عاماً. تخصص بالرياضيات في معهد المعلمين في رام الله في سنة 1975.

– ياسر أبو بكر (1968 – ): أسير فلسطيني، ولد في سنة 1968 في بلدة رمانة غربي جنين، وهو معتقل منذ سنة 2002 ومحكوم بالسجن المؤبد 3 مرات و40 عاماً. من قيادات حركة “فتح” داخل السجون، وخريج جامعة “هداريم” للماجستير.

[26] صباغ، مقابلة شخصية، مصدر سبق ذكره.

[27] حجازي، مصدر سبق ذكره، ص 37.

[28] تم البدء بتداول “قانون شاليط” منذ سنة 2009. وفي نهايات حكم إيهود أولمرت، شُكلت لجنة برئاسة وزير المحاكم الصهيوني “دانيال فريدمان” لدراسة أوضاع الأسرى. وقد منعت هذه اللجنة الأسرى من التقدم إلى امتحانات الثانوية العامة، وأُقرت التوصية رسمياً في سنة 2011. للمزيد بشأن خطاب نتنياهو، انظر صحيفة “يديعوت أحرونوت” (بالعبرية)، 23 / 6 / 2011، في الرابط الإلكتروني.

وانظر أيضاً: “دفتر… قلم وقيد…”، مصدر سبق ذكره. وللمزيد بشأن استعمارية القانون ومنظومات المراقبة في الدولة الاستعمارية، انظر:

Nadera Shalhoub-Kevorkyan, Security Theology, Surveillance and the Politics of Fear (Cambridge: Cambridge University Press, 2015); Nadera Shalhoub-Kevorkyan, “Necropolitical Debris: The Dichotomy of Life and Death”, State Crime Journal, vol. 4, no. 1 (Spring 2015), pp. 34- 51.

[29] فارس، مقابلة شخصية، مصدر سبق ذكره؛

وللمزيد انظر: “دفتر… قلم وقيد…”، مصدر سبق ذكره، ص 24.

[30] ناصر أبو سرور، مقابلة مكتوبة، 25 أيلول / سبتمبر 2022.

وناصر أبو سرور (1969 – ): أسير فلسطيني ولد في مخيم عايدة في سنة 1969، وعائلته من قرية بيت نتيف المهجرة. اعتُقل في سنة 1993، وحُكم عليه بالمؤبد. نال درجتَي البكالوريوس والماجستير في جامعة سجن “هداريم”.

[31] ليزا تراكي، “المتخيل الاجتماعي الجديد في فلسطين بعد أوسلو”، “إضافات/ المجلة العربية للعلوم الاجتماعية”، العددان 26 – 27 (ربيع – صيف 2014)، ص 48 – 59.

[32] أبو سرور، مقابلة مكتوبة، مصدر سبق ذكره.

[33] حمزة يوسف الحاج محمد، “التعليم في قبور الأحياء”، “الحدث / صحيفة اقتصادية اجتماعية ثقافية”، في الرابط الإلكتروني.

وحمزة يوسف الحاج محمد (1986 – ): أسير فلسطيني من نابلس، اعتُقل في سنة 2006، وحُكم عليه بـ 33 عاماً. نال درجتَي البكالوريوس والماجستير في جامعة سجن “هداريم”.

[34] وليد دقّة، “صهر الوعي: أو في إعادة تعريف التعذيب” (الدوحة: مركز الجزيرة للدراسات، ط 1، 2010)، ص 25.

[35] ليس هناك سياسة واضحة معممة على السجون كلها، لكن الذي يتحكم فيها بالدرجة الأولى هو المستوى السياسي الإسرائيلي. فمع أن مصلحة السجون هي المسؤولة المباشرة عن إدارة شؤون الأسرى، إلّا إنها ليست الوحيدة. انظر: صباغ، مقابلة شخصية، مصدر سبق ذكره.

[36] Esmail Nashif, Palestinian Political Prisoners: Identity and community (London; New York: Routledge, 2008), p. 70; pp. 27, 36.

[37] عبد الرحيم الشيخ، “الإصغاء إلى الصوت الآخر”، في: حسين البرغوثي، “الصوت الآخر: مقدمة إلى ظواهرية التحول”، حوّله إلى العربية وقدّمه عبد الرحيم الشيخ (عمّان: الأهلية للنشر والتوزيع، 2021)، ص 19.

[38] البرغوثي، مقابلة مكتوبة، مصدر سبق ذكره.

[39] يحيل عبد الرحيم الشيخ الجغرافيا الفلسطينية المهمّشة في مشروعة البحثي الطويل والمستمر وحضور سياسات الذاكرة والتذكر فيها، إلى: المقبرة والسجن والمخيم. للمزيد انظر:

عبد الرحيم الشيخ، “المقبرة الفلسطينية الحيّة 1: التاريخ المفاهيمي”، “مجلة الدراسات الفلسطينية”، العدد 134 (ربيع 2023)، ص 85 – 120؛ عبد الرحيم الشيخ، “قبر فالتر بنيامين وفلسطين”، “مجلة الدراسات الفلسطينية”، العدد 132 (خريف 2022): ص 132 – 144؛ عبد الرحيم الشيخ، “الزمن الموقوت: نكبة فلسطين ومسارات التحرير”، “مجلة الدراسات الفلسطينية”، العدد 118 (ربيع 2019) ، ص 16 – 26؛ عبد الرحيم الشيخ، “نبوءة الضريح”، “مجلة الآداب” (30 / 1 / 2019)، في الرابط الإلكتروني.

[40] البرغوثي، مقابلة مكتوبة، مصدر سبق ذكره.

وللمزيد، انظر: “ثورة النور في هداريم”، وهو برنامج وثائقي يتناول التعليم في جامعة هذا السجن، وأخرجه مكتب الحملة الشعبية لإطلاق سراح مروان البرغوثي، في موقع “يوتيوب”، في الرابط الإلكتروني.

[41] البرغوثي، مقابلة مكتوبة، مصدر سبق ذكره.

هناك كثير من الأطروحات النقدية التي تنتقد دور الجامعة في اقتصاد المعرفة النيوليبرالي. انظر:

Achille Joseph Mbembe, “Decolonizing the University_New Directions”, Art and Humanities in Higher Education, vol. 15, issue 1 (February 2016), p. 29-45.

[42] Fred Moten and Stefano Harney, The Undercommons: Fugitive Planning & Black Study (New York: Autonomedia, 1st edition, 2013).

[43] البرغوثي، مقابلة مكتوبة، مصدر سبق ذكره.

[44] المصدر نفسه.

[45] المصدر نفسه.

[46] فرانز فانون، “معذبو الأرض”، ترجمة سامي دروبي وجمال الأتاسي (القاهرة: مدارات للأبحاث والنشر، 2013)، ص 39 – 42.

[47] حجازي، مصدر سبق ذكره، ص 39، 51.

[48] يجب الإشارة إلى المحاولات العديدة التي استطاع فيها الأسرى تحرير أنفسهم فعلياً من داخل الأسر، لعل أهمها تحرر أسرى نفق الحرية من سجن جلبوع في أيلول / سبتمبر 2021.

Nashif, op. cit. [49]

[50] ضرغام الأعرج، مقابلة شخصية، 25 تشرين الأول / أكتوبر 2021.

وضرغام الأعرج (1980 – ): أسير محرر من قرية الولجة في بيت لحم، ولد في سنة 1980. أمضى في السجن 19 عاماً (2000 – 2019)، وتنقّل بين السجون كافة. نال درجتَي البكالوريوس والماجستير في جامعة سجن”هداريم”، وهو الآن طالب دكتوراه. درس في الجامعة الإسرائيلية المفتوحة في سنة 2007، لكن منع الأسرى من التعلم في الجامعة حال دون إكماله سائر متطلبات التخرج.

[51] المصدر نفسه.

[52] فريدريك غورو، “العصيان: من التبعية إلى التمرد”، ترجمة جمال شحيّد (بيروت: دار الساقي، ط 1، 2019)، ص 30.

[53] المصدر نفسه، ص 42.

[54] الشيخ، “الإصغاء إلى الصوت الآخر…”، مصدر سبق ذكره، ص 18.

[55] لجنة أنشأها غلعاد أردان، وزير الأمن الداخلي الإسرائيلي، في سنة 2018، وشملت مستويات عليا في الدولة الاستعمارية، بهدف إعادة تقييم أوضاع الأسرى والتقليل ممّا سمّوه “الرفاهيات” التي يتمتعون بها. للمزيد انظر: “دفتر… قلم وقيد…”، مصدر سبق ذكره، ص 93؛ قدري أبو بكر ورأفت حمدونة، “الإدارة والتنظيم للحركة الوطنية الفلسطينية الأسيرة” (رام الله: هيئة شؤون الأسرى والمحررين، 2019)، ص 39.

[56] البرغوثي، مقابلة مكتوبة، مصدر سبق ذكره.

[57] باسل غطاس، “مدينة السجن الجامعية: الدراسة الأكاديمية، الخميس، 27 / 7 / 2017″، في: باسل غطاس، “أوراق السجن: من أروقة الكنيست إلى سجون الاحتلال” (بيروت؛ الدوحة: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2022)، ص 101.

[58] بدوي، مقابلة شخصية، مصدر سبق ذكره.

[59] البرغوثي، مقابلة مكتوبة، مصدر سبق ذكره.

[60] في جامعة القدس المفتوحة، وجامعة فلسطين في غزة. انظر: بطة، مقابلة شخصية، مصدر سبق ذكره.

[61] البرغوثي، مقابلة مكتوبة، مصدر سبق ذكره.

[62] المصدر نفسه.

[63] المصدر نفسه.

[64] يمتاز سجن “هداريم” بأنه يضم عدداً كبيراً من الأسرى من ذوي المحكوميات العالية، ومن قيادات الحركة الوطنية الأسيرة.

[65] رائد الشافعي، “أكاديمية التنوير في قلب الزنازين”، موقع “معاً” في الرابط الإلكتروني.

ورائد الشافعي: أسير فلسطيني من طولكرم، اعتُقل في سنة 2003، وصدر عليه حكم بالمؤبد. نال درجتَي البكالوريوس والماجستير في جامعة سجن “هداريم”.

[66] للمزيد انظر:

وليد دقّة، “الزمن الموازي وأمور أُخرى- أشتاق لمشهدين.. الأطفال والعمال”، “فصل المقال” (22 نيسان/أبريل 2005)، ص 23؛ وليد دقّة، “حكاية المنسيين في الزمن الموازي – مسرحية غنائية”، (مخطوطة: أرشيف وليد دقّة، 2011)؛ فراس جابر، “السجن الإسرائيلي كمفهوم زماني ومكاني: دراسة في المفهوم والأثر”، أطروحة ماجستير (بيرزيت: جامعة بيرزيت، 2010) في الرابط الإلكتروني.

وانظر أيضاً:

“نقطة سكون في عالم متحرك: ورقة حول الحيز المكاني في السجون” (رام الله: مؤسسة الضمير لرعاية الأسير وحقوق الإنسان، د. ت.)، في الرابط الإلكتروني.

وكذلك:

Abdul-Rahim Al-shaikh, “The Parallel Human: Walid Daqqa on the 1948 Palestinian Political Prisoners”, Confluences Méditerranée, no. 117, season 2 (2021), pp. 73-87.

[67] البرغوثي، مقابلة مكتوبة، مصدر سبق ذكره.

[68] باسم خندقجي، “الأسير خندقجي يكتب…. في ساحة السجن”، موقع “معاً”، 10 / 12 / 2018، في الرابط الإلكتروني.

وباسم خندقجي (1983 – ): أسير فلسطيني من نابلس. اعتُقل في سنة 2004، وحُكم عليه بالمؤبد ثلاث مرات. نال درجة الماجستير في جامعة سجن “هداريم”.

[69] البرغوثي، مقابلة مكتوبة، مصدر سبق ذكره.

[70] جهاد مناصرة، مقابلة شخصية معه في 21 أيلول / سبتمبر 2021.

وجهاد مناصرة (1990 – ): أسير محرر من مواليد الخليل، سُجن في سنة 2008، وحُكم لـ 7 أعوام. بدأ الدراسة لدرجة البكالوريوس في جامعة “هداريم” 2013 – 2015، ثم تحرر من السجن واستكمل تعليمه للدرجة الأولى في جامعة بيرزيت.

[71] صباغ، مقابلة شخصية، مصدر سبق ذكره.

[72] الشرفا، مقابلة شخصية، مصدر سبق ذكره؛ غطاس، مصدر سبق ذكره، ص 96.

[73] الشرفا، مقابلة شخصية، مصدر سبق ذكره.

[74] مناصرة، مقابلة شخصية، مصدر سبق ذكره؛ بسام أبو عكر، مقابلة شخصية معه في 21 تشرين الأول / أكتوبر 2021.

وبسام أبو عكر (1962 – ): أسير فلسطيني من قرية راس أبو عمار المهجّرة، نشأ في مخيم عايدة في بيت لحم، وسُجن نحو 24 عاماً على فترات متعددة، وأطولها اعتقال دام 12 عاماً. نال درجتَي البكالوريوس والماجستير من جامعة سجن “هداريم”، وسبق أن درس من داخل السجن في جامعة الأقصى والجامعة الإسرائيلية المفتوحة.

[75] الشرفا، مقابلة شخصية، مصدر سبق ذكره.

[76] خندقجي، مصدر سبق ذكره.

[77] غطاس، مصدر سبق ذكره، ص 98.

[78] البرغوثي، مقابلة مكتوبة، مصدر سبق ذكره.

وللمزيد عن مكانة اللغتين العبرية والعربية كلغات فلسطينية محلية في فهم النظام الصهيوني، انظر:

عبد الرحيم الشيخ، “مورفولوجيا فم الذئب: لغة وليد دقّة 1962 – 2021، “عمران”، العدد 39، المجلد 10 (شتاء 2022)، ص 173 – 210، في الرابط الإلكتروني.

[79] البرغوثي، مقابلة مكتوبة، مصدر سبق ذكره.

[80] صباغ، مقابلة شخصية، مصدر سبق ذكره.

[81] البرغوثي، مقابلة مكتوبة، مصدر سبق ذكره.

[82] المصدر نفسه.

[83] المصدر نفسه.

[84] دقّة، “صهر الوعي”، مصدر سابق، ص 25.

[85] الشافعي، مصدر سبق ذكره.

[86] البرغوثي، مقابلة مكتوبة، مصدر سبق ذكره.

[87] الشرفا، مقابلة شخصية، مصدر سبق ذكره.

[88] بدوي، مصدر سبق ذكره.

[89] خندقجي، مصدر سبق ذكره.

[90] المصدر نفسه.

[91] باولو فريري، “الفعل الثقافي في سبيل الحرية”، ترجمة إبراهيم الكرداوي (القاهرة: مركز الدراسات والمعلومات القانونية لحقوق الإنسان، 1995)، ص 17.

[92] من المهم الإشارة إلى أن البرغوثي كان يشرف في السابق على برنامج تعليمي للثانوية العامة في سجن “هداريم”.

[93] للمزيد انظر: الشافعي، مصدر سبق ذكره.

[94] حجازي، مصدر سبق ذكره، ص 90.

[95] الأعرج، مقابلة شخصية، مصدر سبق ذكره.

كان “هداريم” يتسع سابقاً لـ 120 أسيراً، وحتى كتابة هذا البحث في نهاية سنة 2022، كان فيه 80 أسيراً.

[96] المصدر نفسه.

[97] أبو عكر، مقابلة شخصية، مصدر سبق ذكره.

[98] كريم يونس، “الواقع السياسي في إسرائيل” (د. م.: جمعية أنصار الأسير، 1990)؛ كريم يونس وعادل عيسى، “الصراع الأيديولوجي والتسوية” (باقة الغربية: منشورات شمس، 1993).

وكريم يونس (1958 – ): أسير فلسطيني من قرية عارة في الأراضي المحتلة منذ سنة 1948. سُجن في سنة 1983، وحُكم عليه بالسجن 40 عاماً، وخرج من السجن في مطلع هذه السنة (2023).

[99] وليد دقّة، “يوميات المقاومة في مخيم جنين” (رام الله: المؤسسة الفلسطينية لدراسة الديمقراطية / مواطن، 2004)؛ دقّة، “صهر الوعي”، مصدر سبق ذكره.

[100] مروان البرغوثي وعبد الناصر عيسى وعاهد أبو غلمة، “مقاومة الاعتقال” (رام الله: مؤسسة الأيام، 2010).

[101] الشيخ، “ندوة الحركة الفلسطينية الأسيرة…”، مصدر سبق ذكره.

وللمزيد من مقالات وكتب أسرى سجن “هداريم” الأكاديمية، انظر:

باسم خندقجي، “أثر سياسات المعرفة في الخطاب البحثي الأكاديمي”، “مجلة الدراسات الفلسطينية”، العدد128 (خريف 2021)، ص 184 – 199؛ عبد الناصر عيسى، “دراسات محررة” (غزة: مركز حضارات للدراسات السياسية والاستراتيجية، 2022)؛ عبد الناصر عيسى وآخرون، “الأسرى يتحدثون عن معاناتهم” (غزة: مركز حضارات للدراسات السياسية والاستراتيجية، 2022).

[102] أرشيف خاص بعبد الرحيم الشيخ، وأرشيف خاص بسناء سلامة.

[103] ناصر أبو سرور، “حكاية جدار” (بيروت: دار الآداب، 2022).

[104] حسام زهدي شاهين (1972 – ): أسير مقدسي من السواحرة الشرقية. اعتُقل في سنة 2004، وحُكم عليه بالسجن 27 عاماً. نال درجة الماجستير من جامعة “هداريم”، وله مؤلفان أدبيان:

حسام زهدي شاهين، “رسائل إلى قمر: شظايا سيرة” (رام الله: دار الشروق، 2020)؛ “زغرودة الفنجان” (عمّان: الأهلية للنشر والتوزيع، 2022).

[105] أبو عكر، مقابلة شخصية، مصدر سبق ذكره.

السيرة الشخصية: 

قَسَم الحاج: طالبة دكتوراه ومحاضرة في دائرة الفلسفة والدراسات الثقافية في جامعة بيرزيت.

عن مجلة الدراسات الفلسطينية العدد 135 صيف 2023

اشترك معنا في قناة تلغرام: اضغط للاشتراك

حمل تطبيق الملتقى الفلسطيني على آندرويد: اضغط للتحميل

Author: قَسَم الحاج

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *