جابوتنسكي يتفرج على انكسار جداره الحديدي

هذا هو ما يفكر به أي لص، حين يستولي على بيت ليس له: يقف صاحب البيت الأصلي أمام بيته المسروق، ومن النافذة يراه السارق الذي لا ينام، يطلق عليه النار، فيبتعد صاحب البيت متفادياً الرصاصة، التي تنجح في إصابته بالكتف، لكنه يعود بعد دقائق ليقف أمام النافذة، فيلقي عليه السارق قنبلة تفتت يده، يتراجع صاحب البيت ويده معلقة بخيط لحمي، ليعود بعد نصف ساعة مع أبنائه وأشقائه، وأبناء أشقائه. يدخلون إلى الحديقة ليلتقطوا أشجار الزيتون التي زرعها أجدادهم قبل آلاف السنين، يجن جنون السارق، يخرج مع أولاده وأحفاده، يُفاجأ صاحب البيت وأهله بدبابة تخرج من غرفة نوم السارق، فوهتها كانت مصوبة نحو عائلة صاحب البيت، القذيفة التي أطلقت، قتلت صاحب البيت و عدداً من الأحفاد وشقيق، وعشرين شجرة زيتون. ثمة أحفاد استطاعوا الهرب بعد إصابات طفيفة.
عاد اللص وأهله إلى البيت المسروق، أقفل الباب بأحكام، خبأ دبابته في خزانة الملابس ونام بعمق، لكن أحد أبنائه بقي مستيقظاً وفق اتفاق المناوبة على الحراسة، يراقب ويرصد أي صوت خارج البيت. سمع صوت نقر ملحّ، أزاح الستارة، فتح النافذة ونظر، كان هناك حمامة تنقر زجاج النافذة. أيقظ أباه: “أبي أبي، ماذا أفعل بحمامة تنقر زجاج نافذتنا؟”
فيردّ الأب: “ارم لها حبوباً، ثم اقبض عليها واخنقها فوراً، فهي من حمامات صاحب البيت، التي رباها في زاوية الحديقة.”
وهكذا فعل الابن، سقطت الحمامة على الأرض، حملها فيما بعد أحد الأحفاد الناجين من قذيفة الدبابة.
الليلة اللاحقة، أيقظ أحد الأحفاد اللص، وقد كانت مناوبته: “أبي أبي، ثمة فراشة تطرق بجناحيها زجاج النافذة. جحظ اللص عينيه، وهمس “يا الله حتى الفراشات؟!” ثم قال: “حاول أن تمسكها يا بني، وحين تمسكها اسحقها، حتى تختفي من بين يديك.”
تعب اللص من الطرق التقليدية في صد عودة العرب إلى بيتهم، ففكر حفيده زئيف جابوتنسكي بحل سحري: “يا جدي، صاحب البيت لن ييأس، ولا يتوقف عن التفكير باسترجاع البيت، لو كنت مكانه لفعلت ذلك. الحل هو أن نقطع عنهم الأمل، ونشوّه أرواحهم، ونقصف مسارحهم ومخطوطاتهم، وندمر مدارسهم وأرشيفهم، ونهشّم آلاتهم الموسيقية، ونقلب ملاعبهم الرياضية رأساً على عقب، ونحطم مكتباتهم ولوحاتهم، ونسحق أدبهم ومؤسساتهم الثقافية، ونذبح صلتهم بماضيهم وتاريخهم.. سترى حينها كيف سينشغلون بلقمة العيش، وكيف سيرتعبون منا، ويفضلون السلامة الشخصية على رفض وجودنا في بيتهم.” حضن اللص حفيده، الذي سيصبح فيما بعد قائداً صهيونياً شهيراً، وبدأ وضع خطة لتنفيذ نظريته.
تسلل هو وأشقاؤه إلى مكتبة صاحب البيت المسروق، الذي سكن في شقة مستأجرة قرب بيته القديم، اقتحموا الشقة من النافذة، وأحرقوا المكتبة ولوحات الفن التشكيلي، وهشّموا الآلات الموسيقية.
كبر الحفيد الصهيوني وصار جنرالاً للخراب، أعجب به الكثيرون من وحوش القتل، وعيّنوه قائداً لمعركة إبادة غزة.
على جبهة غزة، يقود الآن زئيف جابوتنسكي حرب إبادة وفق خطته تماماً، والتي تتلخص برؤيته أن العرب لن يقبلوا بقيام دولة يهودية طوعاً، لأن أي شعب يرفض أن تُنتزع منه أرضه. لذلك اعتبر أن الحل الوحيد لنجاح المشروع الصهيوني هو بناء “جدار حديدي” من القوة العسكرية والسياسية، يجعل العرب يقتنعون بأن المقاومة غير مجدية. عندها فقط، يفقدون الأمل في تغيير الواقع بالقوة.
خطب الحفيد المتوحش أمام كبار ضباط جيش الكيان: “وضعت أمامكم قائمة أهداف مهمة، لا علاقة لها بالبيوت، لقد دمرنا آلاف البيوت للأعداء لكن هذا لن يجبرهم على الخنوع، أمامنا 206 من الأهداف: مساجد، وكنائس أثرية قديمة، وجامعات، ومكتبات، ومتاحف، ومسارح، وجداريات، وقلاع، ومؤسسات ثقافية.”
وأكمل قائد معركة الإبادة: “تدمير هذا الجانب من حياتهم، سيحولهم إلى كائنات بلا معنى، تبكي وتتذكر وتقف على بقايا إنجازاتهم، من دون أن تجرؤ على المقاومة. سنسمح لهم بالبكاء، والتذكر، لكننا لن نسمح لهم بمقاومة وجودنا عملياً. سأكون صريحاً معكم، نحن نشتري الوقت، لا ضمانة لنجاح خطة الجدار الحديدي، لأنني أعرف، بصفتي شاعراً لديّ خيال واسع، أن العرب سيحاولون استرداد مصادر قوتهم، من أجل هذا الفهم أقول لكم لا تتوقفوا عن تخويفهم، وقتلهم، واعتقالهم، وإرباك حياتهم. الملل أو التراخي يعني بداية هزيمة لنا، وستنهض مخطوطاتهم من جديد من رماد حريقنا، حين أسمع كلمة مخطوطة في مركز أرشيف فلسطيني يجن جنوني، لذلك أمرت طائراتنا بقصف كل مراكز الأرشيف في غزة: أرشيف مكتبة بلدية غزة، وأرشيف مكتبة جامعة الأزهر، وأرشيف مركز رشاد الشوا الثقافي، وأرشيف مكتبة الجامعة الإسلامية، وأرشيف مكتبة الجامع العمري، والأرشيف المركزي لغزة. لقد أبدنا سجلات ورسائل ووثائق عمرها 150 عاماً، وأنهينا حياة مخطوطات عمرها 700 سنة. دمرنا مكتبة مركز الملتقى الثقافي، ومكتبة دير اللاتين، كما تم تدمير 85 مدرسة تدميراً شاملاً، مع مئات المدارس التي قصفنا مكتباتها، وآلاتها الموسيقية، وملاعبها الرياضية، بالإضافة إلى أربعة وعشرين مركزاً ثقافياً وقاعات مسارح، وقصوراً قديمة تحولت إلى مؤسسات ثقافية كقصر بيت السقا، وبيت الغصين، وهو مركز ثقافي في غزة القديمة، ومتحف قصر الباشا، ومتحف دير البلح ومتحف القرارة في خان يونس. بقصف هذه المراكز وتفتيت المخطوطات وإفناء الآثار، نستطيع أن نعزز سرديتنا أمام سرديتهم المدمرة، الآن هم هائمون على وجوههم، تشويهم شمس آب في خيمهم، وتعصف بهم رياح كانون الباردة، لنبقهم في الخيمة، يعانون ويموتون، لن تسمع فيما يتكلمون به كلمة مخطوطة، أو آثار، أو مركز، أو قصر، أو مسرح، أو موسيقى، أو رقص، أو مدرسة، أو كتاب، أو مكتبة، أو ذاكرة أو قصص تراث، فقط سنسمع: خبز، وفول، وخيمة، وبطاطا، وماء.”
بعد عامين من الحرب على بشر وشجر وحجارة غزة، صار بإمكاننا أن نفهم نهج أحفاد جابوتنسكي في التعامل مع الفلسطينيين في غزة، عناوين هذا النهج، الذي رأيناه علناً: ثقافة الإبادة، إما نحن أو هم، نقتل منهم أكبر عدد، ليس فقط بالموت نحكمهم بل بالإذلال والتخويف، الفلسطيني الرائع هو الميت.
استغرب جنود زئيف جابوتنسكي الملامح المعتمة والمرعوبة في وجهه، حين تقدم منهم بوهنٍ ليبلّغهم وجود خبر سيء وقاتل لهم. قال: “وصلنا خبر مؤكد قبل قليل أن الهائمين على وجوههم، والراكضين بيأس تحت طائرات الطرود، وسكان الخيم الأجلاف؛ بدأوا، بقيادة شخص اسمه عبد اللطيف هاشم مدير عام دائرة المخطوطات والآثار في وزارة أوقافهم، ترميم آلاف المخطوطات التي تضررت جزئياً. وأن آلاف الغزيين من سكان الخيم يتطوعون الآن، لإنجاز عملية البحث عن المخطوطات تحت الأنقاض، وترميمها.”
قال أحد الجنود مستغرباً: “لكننا منذ عامين وحتى الآن دمرنا علاقتهم بسرديتهم، وشوّهنا إنسانيتهم، وعزلناهم عن ذاكرتهم، وقتلنا أملهم في النهوض، وجربنا معهم نظرية الجدار الحديدي التي ابتكرتها أنت يا سيدي؟ ماذا نفعل الآن؟ ما الحل؟”
لم يجب القائد. غادر سريعاً وسط ذهول الجنود.
عن المؤلف: زياد خداش: قاص فلسطيني ومعلم للكتابة الإبداعية.
عن مؤسسة الدراسات الفلسطينية