توسيع العملية العسكرية: استمرار الإبادة


تستعدّ إسرائيلُ للسيطرة على مزيدٍ من المدنِ في قطاعِ غزة واحتلالِها، بعد أن احتلّت مدينةَ رفحَ بالكامل، وشرّدت سكّانَها، البالغ عددُهم نحو 300 ألف نسمة، ودمّرت جميعَ منازلِهم. تقيمُ غالبيتُهم الآن في خيامِ النزوحِ في مواصي خان يونس. وقد أنشأت إسرائيلُ محورًا عسكريًا جديدًا شمالَ المدينة، وعزلتها عن باقي مدنِ القطاع.
لم يعُد في القطاع أيُّ مكانٍ آمنٍ وصالحٍ للحياةِ الآدمية، إذ حوّلتْه إسرائيلُ إلى خرابةٍ كبيرة، وفرضت حصارًا وعقابًا جماعيًا خطيرًا، واحتلّت أجزاءً منه شرقًا وشمالًا، والآن تعود لاحتلالِ مدنٍ إضافية.
تُوسّع إسرائيل حربَ الإبادة، عبر استدعاءِ عشراتِ الآلاف من جنود الاحتياط، وذلك حسب ما تتناوله وسائلُ الإعلامِ الإسرائيلية. وتنصّ خطةُ الجيشِ الإسرائيلي على فرضِ النزوحِ القسري على أهالي غزة من شمالِ ووسطِ القطاع، بشكلٍ يُشبه ما جرى في رفح، واحتلالِ ما تبقى من المدنِ والبقاء فيها، للقيامِ بتمشيطِها بشكلٍ منظَّم، ضمن عمليةٍ أُطلق عليها اسم “خطة غزة الصغرى”.
كما تقضي الخطة بتخصيص “مجمّعات إنسانية” مماثلة للمجمع الذي أُعلن عنه بين محوري “موراغ” و”فيلادلفيا” جنوبَ القطاع، حيث سيتمّ توزيعُ الأغذية على النازحين من قِبَل شركاتٍ أو منظماتٍ دولية. وتقول المصادر الإسرائيلية إن إدخالَ 600 شاحنة مساعداتٍ يوميًا كان خطأً، وإن الجيش لن يقوم بتوزيع المساعداتِ على أهالي غزة، وإنه لن تكون هناك مجاعةٌ في القطاع، ولن تصل المساعداتُ إلى حركة حماس. وهذا ادّعاءٌ كاذب، وانتهاكٌ فاضحٌ للقانون الدولي والقانون الدولي الإنساني، وهروبٌ من مسؤولياتِ إسرائيلَ القانونية كقوةِ احتلال، وتجاهلٌ لدور وكالاتِ الأمم المتحدة، خاصةً وكالة الأونروا، التي تُشطب عمليًا من المشهد.
يأتي استئنافُ العدوان وحربُ الإبادة بعد فترةِ هدنةٍ في حربٍ استمرّت عامًا وسبعةَ أشهر، خرقتها إسرائيل، وذلك بعد إعلانِ رئيسِ الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أهدافَ الحربِ من جديد، وهي: إعادةُ الرهائن، والقضاءُ على حركةِ حماس، بحسب صحيفة “هآرتس”، التي ذكرت أيضًا أن الجيش الإسرائيلي لم ينجح في تحقيقِ أيٍّ من هذه الأهداف، ولم تكُن لديه أيّ فرصةٍ لتحقيقها. ويُعزى ذلك إلى نتنياهو المخادع، الذي عرقلَ الصفقات، ولم يسعَ إلى تسويةٍ سياسية، ويرى في الحربِ هدفًا مقدّسًا بحدِّ ذاته، لا وسيلةً لتحقيق غاية.
في إسرائيل، لم تنتهِ حالةُ الإجماعِ على استمرارِ الحرب، وفي نظرِ الأغلبيةِ الصامتةِ هناك، والتي لا تكترثُ بجرائمِ الحرب التي يرتكبُها الجيشُ الإسرائيلي، تُعتبَر الحربُ “حربَ اللا خيار”، المستمرة حتى اليوم.
وفي هذا السياق، صرّح اللواء (احتياط) يسرائيل زيف، في مقابلةٍ على القناة 12 الإسرائيلية: “هذه لم تعُد حربَ السابعِ من أكتوبر التي فُرضت علينا، هناك تحرّكٌ استباقيٌّ هنا”.
ولم يخرجْ الجمهورُ الإسرائيليُّ المطيعُ للاعتراضِ على تجديدِ الحرب، ولن يعترض. قد تكون هناك أصواتٌ، لكنها ضعيفةٌ وغيرُ مؤثّرة، وتعبرُ عن الخشيةِ فقط على حياةِ الأسرى الإسرائيليين. أما المطالباتُ بوقفِ الحرب، فهي لأجلِ استعادةِ الأسرى لا غير.
في مقالٍ سابقٍ للبروفيسور موتي غولاني في صحيفة “هآرتس”، قال: “كما لو كان صراعًا بين عصابات، انطلقت إسرائيلُ للانتقام، ووجّهت كاملَ قدراتِها العسكرية نحوَ هدفٍ يصعب تحديدُه. لقد تمّ التخلي عن مجموعةِ الأهداف لصالحِ القصفِ العشوائي”.
الحقيقةُ أن من يصوّر إسرائيلَ كدولةٍ تقاتل فقط من أجلِ الانتقام أو البقاء، فهو يُضلّل. والادعاءُ أن خطةَ الجيشِ الإسرائيلي تهدفُ إلى زيادةِ الضغطِ العسكري على حماس في ظلِّ الركودِ الحاصل في مفاوضاتِ تبادلِ الأسرى، هو تضليلٌ يخدمُ سياساتِ دولةِ الاحتلال وممارساتِها الإجرامية، ويُعمّق حربَ الإبادة الجماعية ضد الشعب الفلسطيني، عبر احتلالِ ما تبقى من قطاع غزة، وتنفيذِ سياسةِ التهجيرِ القسري.
إن الواقعَ الراهنَ في قطاعِ غزة، والمعاناةَ الرهيبة، وويلاتِ الحربِ والإبادةِ الجماعية، والتدميرِ الممنهج، واستخدامِ الجوعِ كسلاحٍ ضدَّ ملايين الفلسطينيين، يتفاقمُ بسرعةٍ رهيبة، إضافةً إلى استمرارِ القتلِ الممنهج. وكأنّنا أصبحنا الجزءَ المنسيّ من العالمِ ومن التاريخِ البشري. كلُّ يوم نعيش فصلًا قديمًا جديدًا من الرعبِ والخوفِ، وانتظارَ قراراتِ الاحتلالِ بتعميقِ حربِ الإبادةِ بالقصفِ والقتلِ وأنينِ الجوع.
تتجسّدُ هذه المعاناةُ في الفوضى، والسرقةِ بذريعةِ الجوع، وتدميرِ النسيجِ المجتمعي، والسلمِ الأهلي، والتحريضِ المستفزِّ والمستعرِ بين أبناءِ الشعبِ الواحد، مع مبادراتٍ مبتورة، ووجعٍ لا نهايةَ له، وإهانةٍ مستمرّةٍ لكرامةِ الناس.