تور وينسلاند والقضية الفلسطينية ـ أسئلة بلا أجوبة

لا يكاد يمر يوم واحد من أيام عمل الأمم المتحدة الخمسة، من دون أن ألقي سؤالا حول القضية الفلسطينية على المتحدث الرسمي للأمين العام، أو نائبه أو مسؤول أممي أو سفير معتمد لدى المنظمة الدولية، يقف أمام الصحافة المعتمدة.
الغالبية العظمى من الأسئلة تتعلق بمعاناة هذا الشعب المقهور، الخاضع لنظام الفصل العنصري المستهتر بالقانون الدولي. وأكثر ما أركز عليه مسألة ازدواجية المعايير والكيل بمكيالين، واحد يتعلق بالدم الفلسطيني والآخر بالدم الإسرائيلي. يركزون على ما يقوم به الفلسطينيون من محاولات أكثرها يائسة لمقاومة الاحتلال، بينما تقوم قوات الكيان الصهيوني بحرب يومية أقرب إلى الإبادة الجماعية، من دون أن يحرك ذلك ساكنا لدى المسؤولين الدوليين.
وبما أنني «ابن ذلك الكار/ الصنعة» فلا تخفى عليّ هذه المسائل، وأستطيع أن أربط أواخرالأمور بأوائلها، واستحضر الأمثلة العديدة والسوابق الكثيرة لأضعها أمام عيون المتحدث الرسمي، أو المسؤول الأممي أو الدبلوماسي، فلا يملكون إلا الهروب من الإجابة، أو اللعثمة واللف والدوران، وإطلاق كلام عام لا معنى له، ولديّ من الأمثلة ما يملأ صفحات كتاب. وسأركز في هذا المقال على ملاحقتي لتور وينسلاند، الذي يحمل لقب منسق عملية السلام في الشرق الأوسط، والمبعوث الخاص للأمين العام لدى السلطة الفلسطينية، بالعديد من الأسئلة التي لا جواب لها والتي تظهر انحيازه للرواية الإسرائيلية، على حساب حقوق الشعب الواقع تحت الاحتلال أو يساوي بين الضحية والجلاد في بياناته ذات اللغة الخشبية، التي تلقى أمام أعضاء مجلس الأمن مرة في الشهر، ثم ينفض الاجتماع، من دون صدور بيان صحافي أو رئاسي أو قرار، بل «كلام في كلام».

مهمة المنسق الخاص بعملية السلام

اتخذ الأمين العام الأسبق بطرس بطرس غالي، قرارين مهمين يتعلقان بالقضية الفلسطينية، فقد قرر نقل مقر وكالة إغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (أونروا) من فيينا إلى غزة. وكم كان ذلك القرارا حكيما، حيث يضطر المفوض العام للوكالة أن يعيش بين جموع اللاجئين ويحس بمعاناتهم. ولا عجب في أن معظم، إن لم يكن كل مفوضي الأونروا، أبدوا تعاطفا حقيقيا مع معاناة اللاجئين من إلتر توركمان (1991-1996) إلى فيليب لازاريني الحالي. والقرار الثاني هو إنشاء مكتب شامل لكل وكالات وهيئات الأمم المتحدة، يكون على رأسه منسق لعملية السلام، ويكون في الوقت نفسه، مبعوثا خاصا لدى السلطة الفلسطينية، وجاء في قرار التفويض أن المنسق «يمثل الأمين العام، ويقود منظومة الأمم المتحدة في جميع الجهود السياسية والدبلوماسية المتعلقة بعملية السلام، بما في ذلك اللجنة الرباعية للشرق الأوسط، وكذلك ينسق العمل الإنساني والإنمائي لوكالات وبرامج الأمم المتحدة في الأراضي الفلسطينية المحتلة، دعما للسلطة الفلسطينية والشعب الفلسطيني».
وكان أول المبعوثين عام سنة 1993 الهندي شنمايا غاريخان، الذي رفضت إسرائيل التعامل معه، لاتهامه بالتعاطف مع الفلسطينيين فتكفل بالدور نائبه الفرنسي فرانسوا دبوا. جاء النرويجي تيري رود لارسن المعادي للشعب الفلسطيني، الذي شاهد بعينيه ما فعله شارون في «عملية السور الواقي» التي أعاد فيها احتلال الضفة الغربية عام 2002 لكنه ظل منحازا للرواية الإسرائيلية، لدرجة أن ناصر القدوة سفير فلسطين في الأمم المتحدة آنذاك، طلب من السلطة الفلسطينية مقاطعته وإعلانه «شخصا غير مرغوب فيه» وقال أمام قاعة مجلس الأمن «من يستمع إلى تقرير لارسن يعتقد أن فلسطين هي التي تحتل إسرائيل». وفعلا غادر الأراضي الفلسطينية المحتلة فأعيد تدويره، وأرسل إلى لبنان لمتابعة الخراب في المنطقة، وأوكلت إليه مهمة تنفيذ القرار 1959 (2004). وللعلم عندما كان لارسن منسق عملية السلام كانت زوجته منى يول سفيرة للنرويج في إسرائيل وهي حاليا سفيرة بلادها في الأمم المتحدة.

عُيّن بعد ذلك ألفارو دي سوتو (البيرو) عام 2005، الذي طلب إعفاءه من منصبه لأنه: «كان يتلقى تعليماته ليس من الأمم المتحدة، بل من دول أخرى تقرر له مع من يتصل ومع من لا يتصل» كما جاء في آخر تقرير قدمه عند الاستقالة. ثم عين الهولندي روبرت سري (2007-2015) الذي تحلى بقدر كبير من الشجاعة واصطدم مع إسرائيل عدة مرات، وكان يصحب الدبلوماسيين المعتمدين في الأرض الفلسطينية ويطلعهم على الأنشطة الاستيطانية وهدم البيوت، وبالتالي قاطعته إسرائيل. ثم جاء البلغاري نيكولاي ملادينوف الذي استمر في الموقع لغاية نهاية 2020 وكان أسوأ من كل من سبقوه. وقد أثير الكثير من القضايا ضده وكتب عنه الكثير، لا حاجة لي أن أكرر ذلك، لكنه أفضل بكثير قياسا مع المنسق الحالي الذي لم يمض على تعيينه إلا عام واحد.. ودعني أفصل.
أسئلة أثيرها باستمرار تتعلق بالجرائم النكراء التي ترتكبها القوات الإسرائيلية بتشكيلاتها المتعددة، من جيش وأمن ومستوطنين ومستعربين وشرطة وغيرهم الكثير، ثم أسأل أين تور وينسلاند من هذه الجريمة؟ والجواب يتكرر: «يقوم بمهامه ويتصل بجميع الأطراف، ويقدم تقريره الشهري لمجلس الأمن». وهذا رد حرفي من المتحدث الرسمي حول تعامي وينسلاند عن إضراب هشام أبو هواش عن الطعام لمدة 141 يوما حتى وصل حافة الموت: «أعتقد أن وينسلاند إذا نظرنا إلى الوراء إلى مجموعة أعماله، فقد قام بالإبلاغ بصراحة وشفافية عن الحوادث الكبرى التي وقعت والتي تقع» أي أن دوره يقتصر على تقديم تقرير شهري لمجلس الأمن يسرد فيه بعض، وليس كل الحوادث التي يتعرض لها الطرفان. فمثلا لا يأتي على ذكر الأسرى أبدا، ولا الاعتقال الإداري ولا الأطفال السجناء ولا الجثامين المحجوزة، ولا السور العنصري. يأتي فقط على ذكر الأنشطة الاستيطانية وعمليات القتل والإصابات، وهدم البيوت والتحريض وأوضاع غزة الإنسانية. وهي أمور واضحة تتكرر في كل تقرير، ثم ينتهي بمطالبة الطرفين بضبط النفس والعمل على إحياء عملية السلام برؤية حل الدولتين. واستحضارا لبعض الأمثلة حول الكيل بمكيالين ففي 11 نوفمبر 2021 أطلق فلسطيني النار في القدس الغربية، فقتل مدنيا وأصاب آخرين. لم يتأخر كثيرا وينسلاند بإصدار بيان شديد اللهجة يدين فيه العملية. وفي 17 ديسمبر أطلق فلسطينيون النار على مستوطن قرب نابلس وقتلوه.. بسرعة البرق أصدر وينسلاند بيانا يدين فيه العملية ثم أدان قتل «المدنيين الإسرائيليين والفلسطينيين». المستوطن المسلح الذي يسكن أرضا مغتصبة في مخالفة واضحة للقانون الدولي، يصبح مدنيا ثم يوضع اسم الإسرائيليين قبل الفلسطينيين. وعندما نسأل لماذا وضع الضحايا بهذا الترتيب؟ لا جواب.
يوم 24 ديسمبر خرج مستوطن من الطريق العام، وتعمد دهس المواطنة غدير فقهاء ذات الستين عاما وكانت تنتظر سيارة على طريق رقم 60 قرب بلدتها سنجل، فأرداها قتيلة. سألنا المتحدث الرسمي: «لماذا لا يصدر وينسلاند بيانا يدين فيه قتل المسنة الفلسطينية مثلما أدان قتل المستوطن؟ أيهما أبشع وأيهما يستحق الإدانة أكثر؟ لا جواب إلا الكلام العام الفضفاض الذي لا يعني شيئا. في القدس وأمام عيون البشر يقوم جنديان إسرائيليان يوم 4 ديسمبر بإعدام فلسطيني جريح بدم بارد، هو محمد شوكت سليمة. وفي يوم 5 نوفمبر تم إعدام الطفل محمد دعدس ابن الثلاثة عشر ربيعا. ونسأل أين تور وينسلاند من هذه الجرائم. وفي يوم 6 يناير قام مستوطن بدهس مصطفى ياسين (25 عاما) من بلدة صفا قرب حاجز بيت سيرا ووصل المستشفى ميتا. وفي اليوم نفسه دهس مستوطن شفيقة فايز بشارات (48 عاما) نقلت إلى المستشفى وجراحها بليغة. لا جواب. نسأل عن حالات المضربين عن الطعام لدرجة الموت، من الغضنفر والفسفوس إلى هشام أبو هواش.. لا جواب. ونسأل عن زيارة مجموعة من السفراء الأوروبيين إلى منطقة E-1 فلماذا لا يقوم منسق عملية السلام بزيارة مشابهة. لا جواب. ونسأل عن هجوم المستوطنين على بلدة برقة واقتحامهم للأقصى ولا جواب. ويقتحم الرئيس الإسرائيلي يتسحاق هرتسوغ للحرم الإبراهيمي يوم 28 نوفمبر ولا جواب.
والسؤال المتكرر لماذا إذن أصدر وينسلاند بياناعندما قتل مستوطن يوم 17 ديسمبر؟ ما معايير إصدار البيانات؟ بشاعة الجريمة؟ براءة الضحية؟ عدد الضحايا؟ مكان ارتكاب الجريمة؟ لا جواب. هل هي جنسية الضحية أم ثمن دمها؟
ليس صدفة أن هؤلاء النرويجيين، لارسن وزوجته منى يول ووينسلاند كانوا من الفريق الذي هندس اتفاقيات أوسلو، وما أدراك ما فعلت بنا أوسلو والأوسلويون؟

عن القدس العربي

Author: عبد الحميد صيام

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *