تهويد تاريخ الإمارات وتاريخ الجزيرة العربية في ويكيبيديا

شيء ملفت ان تُنشر وتُحرر صفحات جديدة في الموسوعة الالكترونية “ويكيبيديا” تحت العناوين التالية: “تاريخ اليهود في الامارات العربية المتحدة”، “تاريخ اليهود في البحرين”، تاريخ اليهود في عُمان”، وهكذا في بقية دول الخليج (بالإنجليزية والعربية في نفس التوقيت). تاريخ تحرير ونشر هذه الصفحات هو شهر أيلول (سبتمبر الماضي) وتحديداً بعد اقل من أسبوع واحد فقط من توقيع اتفاقيات التطبيع مع إسرائيل. قراءة النصوص التي تؤرخ لتاريخ اليهود في منطقة الخليج وكما هي واردة في هذه الصفحات تُثير أسئلة كثيرة وتحتاج لمساحة موسعة لتناولها، لكنها تشير كلها الى محاولات مُستمية لإعادة كتاب تاريخ المنطقة بحيث يتضمن “مكونا يهودياً” يكون على ذات الأهمية التأسيسية للمكون العربي والإسلامي. ويأتي هذا الهوس التاريخي، والمُتوقع ان نشهد استعاراً حقيقيا له في السنوات القادمة وخاصة في منطقة الجزيرة العربية، متوافقاً مع “الدين الابراهيمي” الجديد الذي يُراد له ان يكون الإطار الثقافوي والديني الجامع لشعوب المنطقة، بما يحقق في الجوهر الدوس على قضية فلسطين بكونها تفصيلاً هامشياً في سياق “الأخوة الابراهيمية” الواسعة تاريخياً وجغرافياً.

هذه السطور تتأمل احد العناصر المشتركة في الصفحات الجديدة المُشار اليها والتي تريد تخليق تاريخ تهويدي جديد يُضخم من احداث وافراد وتجمعات، وينقلها من الهامش الى المركز، او يدفع بها شيئا فشيئا نحو ذلك الاتجاه. تستند هذه الصفحات الى قصص ومرويات منسوبة لأحد الرحالة اليهود الاندلسيين في القرن الثاني عشر، Benjamin of Tudela او بنجامين التطيلي، كتبها خلال وبعد رحلة له اخذته من اسبانيا الى أوروبا، شملت فرنسا وإيطاليا، واليونان ثم استانبول، والمتوسط، مصر وسورية وفلسطين، ثم العراق وبلاد فارس استغرقت ثماني سنوات، ما بين 1165 و1173 (او اكثر بحسب بعض المصادر). ونشر بنجامين خلاصة انطباعاته ووصفه للبلدان التي زارها في كتاب باللغة العبرية تحت عنوان اسفار بنجامين، ولاحقا ترجم الى لغات أوروبية عديدة، وصدر بالانجليزية لأول مرة سنة 1907.

المحرر الذي كتب صفحات “تاريخ اليهود في الامارات” و”تاريخ اليهود في عُمان” و”تاريخ اليهود في السعودية” استخدم فقرة اساسية تشير الى كتاب بنجامين التطيلي بطريقة يتم فيها التلاعب في المعلومات بشكل مُلتبس وتخلص الفقرة الى ان هذا الرحالة زار اليهود المقيمين في هذه المنطقة او تلك في الامارات او السعودية او عُمان (في القرن الثاني عشر). محرر الصفحات خلع على بنجامين التطيلي وصفاً غير موجود في أي من الكتب التي اشارت الى هذا الرحالة، وهو وصف “الحاخام”. لماذا يُضاف هذه الوصف على رحالة عادي عندما يتم اقتباس بعض ما كتب في سياق تخليق تاريخ لليهود في الامارات او ُعمان او السعودية؟ لنا ان نتوقع على الاقل ان هذا الوصف يضفي مسحة دينية (ابراهيمية) على رحلاته التي يشير المؤرخون الى انها كانت مدفوعة بحوافز التجارة بالدرجة الاولى وربما زيارة الأراضي المقدسة، ثم اضيف اليها زيارة التجمعات اليهودية والكتابة عنها.

تلاعبْ المحرر العتيد لا يتوقف عند اختلاق وصف غير موجود في الحقيقة وخلعه على بنجامين، لكنه يتسع لما هو اهم واخطر من ذلك. ابتداءً يركز المحرر على ان هدف بنجامين كان رصد حالة واعداد اليهود في الأماكن والبلدان التي زارها، وان هذا كان هدفة الأهم. ثم يقول لنا (في الصفحة الخاصة ب “اليهود في الامارات”) بأن احدى البلدات التي زارها وكان فيها اقلية يهودية هي بلدة كيس Kis التي تقع في ما يعرف اليوم ب “رأس الخيمة”. ويكرر ذات الأمر في الصفحة الخاصة ب “اليهود في عُمان” ليقول بأن بنجامين زار اليهود في بلدة اسمها “مسقط”. ادهشتني هذه المعلومات ودفعني الفضول للبحث في أمر هذا الرحالة بشكل اعمق والتأكد من هذه المعلومات. واستطعت الوصول الى الترجمة الإنجليزية الأولى للكتاب والتي صدرت عام 1907، وقرأت الأجزاء الخاصة برحلات بنجامين في الجزيرة العربية، واكتشفت ان بنجامين هذا لا يقل كذبا وتحريفا في الكثير مما يسرده من انطباعات عن محرر صفحات الويكيبيديا نفسه.

لم اجد في كتاب بنجامين أي ذكر او اثر لزياراته المزعومة لبلدة “كيس” التابعة لرأس الخيمة، ولا لمدينة مسقط، بما يعني ان محرر الصفحات والذي يريد ان يختلق تاريخ ل “يهود الامارات” كتب معلومات كاذبة جملة وتفصيلا. وللهروب من كذبته في قصة بلدة رأس الخيمة، يضع هامشاً تضليليا يحيل القارىء الى مرجع بعنوان “الاطلس الشارح للحضارة اليهودية”، وهي إحالة غريبة لتأكيد زيارة بنجامين لرأس الخيمة في الوقت الذي يتوفر كتابه نفسه بين أيدينا، وفيه تفصيل للاماكن التي زارها. والامر ذاته، او الكذبة ذاتها، تنطبق على زيارته لبلدة مسقط ويهودها، في صفحة “اليهود في عُمان”، والغريب اننا نجد نفس الإحالة الى ذات المرجع المشار اليه، الاطلس، وعدم الإشارة الى كتاب بنجامين نفسه.

بالإنتقال الى مبالغات وكذب بنجامين التطيلي نفسه والتي يمكن لأي قارىء لديه الحد الأدنى من المعرفة التاريخية والسكانية في المنطقة الانتباه لهما، فإننا نقرأ ما يلي (في الصفحات من 45  الى 53): ان بنجامين وبعد ان زار العراق انتقل الى المنطقة الشرقية في الجزيرة العربية وتعمق فيها الى ان وصل منطقة تيماء وخيبر. ويورد الكتاب بأن عدد اليهود في تلك المنطقة (في الفترة الزمنية التي انجز فيها بنجامين رحلته، أي بين 1165 و1173) كان في حدود 300,000 نسمة، وان المنطقة كان فيها أربعين مدينة كبيرة، وان مدينة تيماء لوحدها كان فيها 100,000 يهودي. طبعا هذه ارقام لا علاقة لها لا بالتاريخ ولا بالجغرافيا، لكنها سوف تصعد الى السطح في السنوات القادمة وتصبح جزء من النقاش “التاريخي” حول دور وتاريخ اليهود في الجزيرة العربية. إضافة الى ذلك يصف بنجامين يهود تيماء وخيبر وما حولهما بأنهم كانوا متحضرين واهل علم ويسكنون البيوت والمدن، بينما العرب بدو متنقلين وغير متعلمين، وان هؤلاء البدو كان يخشون دوما من اليهود الذي اتصفوا بالقوة والشجاعة وكانوا مُهابين الجانب. أما خيبر، بحسب بنجامين، فقد كان فيها 50,000 الفا من اليهود.

زادت دهشتي من القيمة الاعتبارية والبحثية التي يتمتع بها كتاب هذا الرحالة رغم المبالغات والكذب الذي يحتويه، فقرأت عنه اكثر، لأكتشف ان العديد من المؤرخين يشككون في حقيقة زياراته للكثير من المناطق التي وصفها في كتابه. ويرى اغلبهم بأن الكتاب يُقسم الى جزئين من ناحية المضمون، الأول “ما رآه بنجامين وكتب عنه”، والثاني “ما سمع عنه بنجامين وكتبه”. ويبدو ان “تاريخ اليهود في الجزيرة العربية” يقع ضمن مرويات واختلاقات الجزء الثاني، حيث يؤكد محرر الترجمة الإنجليزية بأن بنجامين لم يصل بالفعل الى الجزيرة العربية.

مع ذلك وبرغم الاجماع على ان هذا الرحالة وكتابه وانطباعاته لا ترقى لأي مستوى بحثي يمكن الاعتماد عليه توثيقيا،مع الإشارة الى أهميته التاريخية والسردية ككتاب رحلات، فإن محرر صفحات الويكيبيديا يعطي القارىء انطباعاً ب “العمق” والبحث التاريخي عبر الاعتماد عليه وهو يوثق المكون اليهودي في تاريخ بلدان الخليج العربي. والشيء المُثير في هذه صفحات الويكيبيديا الجديدة هذه هو تكرار اقحام خارطة توضح خط سير رحلات بنجامين التطيلي (مرفقة)، ونراها في صفحات الامارات، وُعمان، والسعودية، والبحرين. وفي هذه الخارطة هناك خطان، واحد اسود متصل وآخر متقطع (حول وفي الجزيرة العربية). الأسود المتصل يشير الى خط سير شبه موثق ويغلب ان يكون قد حصل بالفعل، بحسب المؤرخين والمختصين، اما الخط المقطع فهو يشير الى خط سير غير موثق وغالبا لم يتم. ومع ذلك، لا نلمس في نصوص الصفحات الويكيبيدية أي تشكيك في هذه الرحلة عبر الجزيرة العربية والتي يُراد لها ان تكون “تأسيسية” في تخليق وتهودي التاريخ في الجزيرة العربية. في سنوات قادمة ربما سنقرأ صفحات محررة جديدة في هذا التاريخ اليهودي للجزيرة العربية ونرى خارطة بنجامين اوف توديلا وخطوطها كلها قد أصبحت متصلة ومؤكدة وموثوقة، وتحول ما هو مختلق ومفبرك الى تاريخ حقيقي تدرسه الأجيال اللاحقة.

 

 

1 thought on “تهويد تاريخ الإمارات وتاريخ الجزيرة العربية في ويكيبيديا

  1. تحياتي خالد. قرات مقالك واستطيع ان افهم محاولات البعض ممن يروحون للاتفاق الاسراءيلي الاماراتي عن طريق تركيب تاريخ لليهود في الامارات معتمدين على مراجع هشة وغير موثوق فيها واساسا الويكيبيديا هي مرجع غير موثوق ولانه يتيح نشر معلومات غير ذات مرجعية معرفة موثوقة واقلام اي كان غير ذا صلة او اختصاص او حتى غير مسؤولة وكنت ارغب ان تشدد على هذه النقطة عوض التشكيك بنيامين ورحلاته في الخليج . هم كانوا موجودين حقا في تلك المنطقة منذ ما قبل الإسلام وقبل تشكل دول الخليج نفسها. الامارات اساسا تشكلت في نهاية الستينات من قباءل اساسية كونت عاءلاتها الامارات السبع بينما هي في السابق اقصد جغرافيا الامارات كانت جزء من ساحل عمان كما السعودية جزء من بلاد الحجاز وهي دول تم تاسيسها بعد اكتشاف النفط كوكلاء للسيارة على النفط كدول تابعة لبريطانيا اساسا نصب ا عليها ملوكا وحكام يدينون لها بالولاء ما لبست ان قاسمتهم الولايات المتحدة هذا النفوذ . لا اود الاطالة. اليهود كانوا موجودين في المنطقة واود تذكيرك بكتاب كمال الصليبي الذي لمار زوبع ومنع في السعودية لانه اثبت وجودهم بقوة سيما في منطقة عسير. مواجهة الاتفاق الاسراءيلي الاماراتي لا يواجه برفض وجود اليهود في المنطقة كلها وليس في دول الخليج فقط ولكنه ليس مبرر ان ننفي وجودهم كي لا نظهر مثلهم عنصريين وهي حجة ضعيفة وطريق خاطيء لمواجهة الصهيونية ونواياها التوسعية من المحيط الى الخليج. باعتماد انه اتفاق مرحبا ولن يصمد وسوف تندم الامارات عليه لانه سيبتها ويدمرها بدل ان يحميها من الخطر الايراني. اعتقد ايضا ان الطرف الفلسطيني بكل اطيافه عقد اتفاقات اخطر بكثير على القضية من هذا الاتفاق الحلف وانت تعرف هذا جيدا. انصح بعدم تبديد الجهد والكتابة عليه ليس فقط لأن من بيته من زجاج لا يجب ان يرشق بيوت الناس بالحجارة،بل لاننا كمثقفين اولا واناس يبحثون عن مخرج من المازق الوجود يكفي كتابة مخاطر هذه الاتفاقات الخليجية غلى القضية الفلسطينية التي يمثل حلها مفتاح حلول للمنطقة كلها بما فيها دول الخليج وايضا مخاطر شديدة على هذه الدول نفسها. وكي لا نقطع مع احد شعرة معاوية التي تتيح لنا ولهم القدرة على التراجع عن اتفاقيات ابرمناها ولكنها جميعا صبت في عكس مصالحنا جميعا. وللحديث صلة بيننا لاحقا. شكرا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *