تكيّفات (تكويعات”) اطراف خلف المقاومة والممانعة…

الفصائل الفلسطينية التي اجتمعت في القاهرة مؤخّراً، أصدرت بياناً أقلّ ما يمكن القول فيه؛ عدا عن تجاهله المسؤوليّة عن كلّ ما حصل بعد عمليّة “الطوفان”…تناقضات مع كلّ الشعارات والأطروحات والخيارات التي كانت تنتهجها تلك الفصائل، من دون إبداء أيّ روحيّة تُظهر نوعاً من التواضع لشرح ما يجري للشعب الفلسطيني، وما الذي حدا بها إلى تغيير مواقفها.

مفهوم أن الفلسطينيين لم يعد لديهم ما يستطيعونه بعد كلّ ما حصل، وبحكم ضعف أوضاعهم، والمعطيات العربية والدولية غير المواتية لهم، وفي ظلّ الوحشية الإسرائيلية المدعومة أميركياً، لكن هذا يفترَض توضيحه للشعب الفلسطيني الذي دفع ويدفع أثماناً باهظة، لخيارات تلك الفصائل السياسية والكفاحية.

البيان ثمّن جهود الرئيس الأميركي دونالد ترامب، هكذا بالضبط، وكأن الإدارات الأميركية وإدارة ترامب تحديداً، باتت صديقة ومتعاطفة مع كفاح الفلسطينيين، ولم تكن شريكاً لإسرائيل في حرب الإبادة تلك، فوق ذلك، فإن تلك الفصائل رحّبت بخطّة ترامب بشأن غزّة.

وهنا ثمّة نقطتان فاقعتان، الأولى: أن تلك الفصائل تسحب نفسها من إطار المقاومة، علماً أنها كانت تصرخ بأعلى صوتها ضدّ أيّ محاولة لترشيد المقاومة، وعدم حصرها بالعمل المسلّح، ولا سيّما وفق نهج العمليّات التفجيرية، والحرب الصاروخية، والحرب كجيش لجيش، في الظروف غير المواتية.

والثانية: أن تلك الفصائل تجاهلت أن مشروع ترامب يتأسّس على الحفاظ على أمن إسرائيل، ووأد مشروع الكيانية الفلسطينية، بأيّ شكل كان، وفصل غزّة عن الضفّة، وفرض الوصاية على غزّة.

على ذلك يحقّ مساءلة تلك الفصائل، عن معنى موقفها من اتّفاق أوسلو، ومن السلطة الفلسطينية، ومنظّمة التحرير، علماً أن ثمّة قيادات في “حماس” مثلاً، بدت كمن يقدّم أوراق اعتماده للإدارة الأميركية، وحتى في مجال ضمان أمن إسرائيل ومستوطناتها للحفاظ على سلاحها الفردي! ثم لماذا لم تقدم تلك الفصائل على تلك المراجعات قبل نكبة غزّة؟ ولماذا لم تقدّمها للشعب الفلسطيني بدل أن تقدّمها للأطراف الدولية والإقليمية والعربية؟

“حزب الله” أيضاً، الذي طالما توعّد إسرائيل باعتبارها “أوهن من خيوط العنكبوت”، وهدّد بتدمير حيفا وما بعدها، ذهب إلى القبول بنزع سلاحه جنوب نهر الليطاني، مؤكّداً حقّ الدولة بالسيادة على كلّ لبنان، لكنّه لم يفعل ذلك قبل الضربات التي تعرّض لها لبنان، والحزب ذاته في أواخر 2024، وقبل انهيار النظام السوري، أي أنه يقدّم تلك التنازلات تحت الضغط، وبعد كلّ الخسائر التي تعرّض لها، وتعرّض لها شعب لبنان.

مع ذلك فإن ذلك الحزب لا يزال يرفض نزع سلاحه لصالح الدولة، علماً أن وظيفته في مقاومة إسرائيل انتهت، بعد نزع سلاحه جنوب الليطاني، فحتى أمينه العامّ أكّد أن “سلاح الحزب ضروري لحفظ الاستقرار، بما يضمن أمن المستوطنات الإسرائيلية”.

ويُستنتَج من ذلك أن الحزب يريد الاحتفاظ بسلاحه شمال الليطاني، للدفاع عن سلطته في لبنان، وباعتباره جزءاً من الأجندة الإقليمية لإيران في المنطقة، وهاتان الوظيفتان هما في الحقيقة الأساس في وجوده، إذ إن قضيّة فلسطين مجرّد وسيلة ركوب وتغطية فقط.

ينطبق ذلك على النظام الإيراني الذي يتزعّم حلف “المقاومة والممانعة”، إذ كان يقدّم نفسه منذ عدّة عقود كمناهض للاستكبار العالمي وللشيطان الأكبر، المتمثّلين بالولايات المتّحدة، وكمنافح عن قضيّة فلسطين، وقد صعد نفوذه بعد مشاركته المباشرة وعبر أذرعه الإقليمية في الغزو الأميركي لأفغانستان (2001) والعراق (2003).

وبناء عليه، كانت الإدارات الأميركية وظّفت سياساته في تصديع بنى الدولة والمجتمع في بلدان المشرق العربي، وبما يخدم أمن إسرائيل، عبر إثارة النعرة الطائفية، وإنشاء ميليشيات مسلّحة تشتغل كأذرع إقليمية له، وهي بعد تسليمه العراق عبر ميليشياته بعد إسقاط نظام صدّام، مكّنته من سوريا، بيد أن تلك الوظيفة انتهت عملياً بفعل عمليّة “طوفان الأقصى”، وكانت انتهت أو استُهلكت قبل ذلك بعد خراب بلدان المشرق العربي.

الآن، وبحكم انهيار المعسكر الذي كان يستند إليه النظام الإيراني، لاستثماره كفائض قوّة لصالحه في تعزيز مكانته في الإقليم، وتعزيز شرعيته وسطوته في الداخل الإيراني، والذي كان يستخدمه كدريئة أيضاً، لصدّ الحرب من الوصول إليه، بات بعد الضربات التي تعرّض لها (صيف العام الماضي)، أكثر واقعية في طلبه المفاوضات، وتكيّفه مع الواقع الجديد.

لنلاحظ أن هذا النظام لا يقدم على تلك المراجعة وذلك التكيّف نتيجة تولّد قناعة ذاتية، ولا لمراعاة مصالح شعبه، ولا استجابة للمطالبات في الشارع، التي تواجهه بقوّة عاتية، إنما يقوم بذلك تحت الضغط الخارجي، وفي سبيل الحفاظ على سلطته.

اللافت أيضاً، أن قيادات النظام الإيراني تطالب الولايات المتّحدة بالحوار والمفاوضات وحلّ كلّ الخلافات بالطرق السلمية، والحفاظ على سيادة الدول، وعدم التدخّل في الشؤون الداخلية، علماً أن كلّ تلك المصطلحات، على أهمّيتها وشرعيتها، ضرب فيها النظام الإيراني عرض الحائط لا سيّما في سوريا وفي العراق ولبنان واليمن، بخاصّة طوال العقدين الماضيين.

في المحصّلة، فقد غابت تماماً اللغة “الانتصارية” من خطابات أطراف “المقاومة والممانعة”، وغابت فكرة أن الولايات المتّحدة (وإسرائيل بالطبع) آيلة للانهيار، على رغم من بقايا خطاب يدعو أميركا للمواجهة، على طريقة مادورو الذي كان قبل يومين من خطفه يتحدّى الرئيس الأميركي، على سابق ما فعل غيره، في أكثر من مكان من إيران إلى لبنان.

هجاء هذا المعسكر، أو الحلف، لا يعني أن المعسكر، أو الحلف المقابل، أفضل حالاً، إذ إن حال البؤس مقيمة في الواقع والفضاء العربيين من أقصاهما إلى أقصاهما، مع كلّ شعاراته أو ادّعاءاته، لكنّ مشكلة هذا الحلف أنه شكّل ظاهرة صوتية وشعاراتية أعلى بكثير من قدراته وإمكانيّاته.

عن موقع درج

About The Author

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *