تكرار ذات التجارب لا يؤدي إلى نتائج مغايرة

خاص ملتقى فلسطين

الحقوق الوطنية والتاريخية للشعوب في أوطانها ثابتة ولا تخضع لحسابات موازين القوى المتغيرة على الدوام . وإحقاقها بمختلف الوسائل المتاحة مشروع ومكفول في القوانين والمواثيق الدولية. والشعب العربي الفلسطيني آخر الشعوب على كوكب الأرض ، الذي ما يزال يواجه استعمارا استيطانيا استئصاليا- إحلاليا تتواصل وقائعه للقرن الثاني على التوالي.

والكيان الاستعماري الاستيطاني الصهيوني العنصري في فلسطين هو آخر الظواهر المعاكسة لاتجاه تطور حركة التاريخ الإنساني، لتزامن إنشائه مع أفول عصر الاستعمار ، ولتناقضه مع ظاهرة تنامي النضال التحرري العالمي ضد الظلم والاستعمار والاستعباد والعنصرية.
فالكون في عصر العولمة يزداد تشابكا ، وسكانه باتوا يتواصلون بشكل وثيق بفعل ثورة المواصلات والاتصالات ومنتجات الثورة التكنولوجية وتوفرها للعامة بكلفة مقبولة، وتمكنهم بذلك، من الاطلاع المتزامن- صوتا وصورة- على تطورات الأحداث في كافة أصقاع الأرض لحظة وقوعها، ومعرفة المتسببين بتشكيل وقائعها.
ما بات معه متعذرا استمرار استغفالهم وتسويق ذات السردية اليهودية الدينية الصهيونية المختلقة – التي نجحت سابقا في تشويه وعيهم – والتي جرى تأليفها بإتقان وفقا لخطة محكمة صاغتها القوى الغربية المتنفذة في عصر التوسع الإمبريالي.

والتاريخ الإنساني المدون حافل بتجارب عديدة للشعوب التي تحررت قبلنا ، والتي تجمع خلاصاتها على حتمية زوال الاستعمار الأجنبي، بما في ذلك الاستعمار الاستيطاني الاجنبي في البلاد المأهولة بسكانها الاصلانيين، الذين لم تنجح حروب الإبادة والتطهير العرقي في إنهاء وجودهم المؤثر.
غير ان الحتمية- كما هو ثابت تاريخيا- ليست ذاتية الحركة. وإنما تحتاج إلى تفعيل ومشروط تحققها بامتلاك الشعوب الأصيلة الإرادة والعزيمة لهزيمة الغزاة المستوطنين الأجانب مهما بلغت قوتهم ومهما طال الوقت وعظمت التضحيات. وبامتلاكها الوعي المعرفي بمستلزمات بلوغ النصر، وما تستوجبه من رؤى نهضوية واضحة الغايات والمقاصد ،واستراتيجيات تحررية محددة الأهداف وخطط عمل متكاملة تعظم القدرات الذاتية ، وتعزز المناعة المجتمعية . فتفعل آليات الصمود المقاوم وتبني تحالفات استراتيجية مع قوى التحرر العالمية عموما ، ومع القوى الإقليمية الأصيلة في المنطقة خصوصا ، وفقا لقاعدة الشراكة الأبدية التي تمليها الاعتبارات الجغرافية والتاريخية والديموغرافية والحضارية، والمرتكزة على القاسم المشترك الأعظم بين شعوب المنطقة ، وتقاطع مصالحها وتوازنها ما يحفظ ديمومتها ، ويوفر بالتالي موجبات الانتصار على الغزاة الأجانب بالسرعة والكلفة المناسبة.

ومعيار احتساب السرعة في حسم الصراعات الوجودية مع المشاريع الاستعمارية الاستيطانية لصالح الشعوب الأصيلة – كما هو واقع الصراع الفلسطيني مع الكيان الصهيوني- ، مغاير لما قد يحسبه القادة الذين يولون اهتمامهم لدخول التاريخ، فيستعجلون الحصاد قبل ان ينضج الغرس . ويتسببون – إن فعلوا – بإتلاف ما اجتهدوا وأسلافهم في زرعه . فيبعدون النصر ويرفعون كلفة بلوغه عندما يتناسون أن مصائر الأمم والشعوب لا ترتهن بجيل بعينه ، وأن أعمار الشعوب لا تقاس بأعمار الأفراد – القصيرة مهما طالت – . فالشعوب باقية أبد الدهر ، طالما لم يتمكن الغزاة المستوطنون من إنهاء الوجود الوازن للسكان الأصليين.
والأجيال تتوالى وفقا لسنة الخالق ” الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا “.
والأوطان راسخة في مواقعها الجغرافية ، حتى وإن اختفت الدولة السيادية لبعض الوقت بفعل اختلال موازين القوى. وإعادة بنائها رهن بتفعيل إرادة الشعب في تقرير مصيره ، وبقدرة أجياله المتتابعة على تحقيق ومراكمة المنجزات ، ومقدرة كل جيل على توظيف الإمكانات الذاتية والموضوعية لمواصلة التقدم بثبات نحو تحقيق الهدف التحرري ، ما يؤهل أحدها لبلوغه عندما تكتمل موجبات الانتصار.

كما ان معيار احتساب الكلفة لا يقاس بالاستعداد الشعبي الهائل للتضحية في ميدان الاستشهاد على أهمية ذلك . فحركات التحرر المؤهلة لبلوغ النصر، ليست هذه التي تفاخر بضخامة أعداد شهدائها وجرحاها وأسراها وعذابات الأجيال المتتابعة، وتقامر بمصائر شعوبها بالدخول في مغامرات غير محسوبة. بل هي التي توظف هذا الاستعداد المهم لتحقيق منجزات صغيرة متتالية تتراكم مفاعيلها وتوفر موجبات موازين قوى مغاير يؤسس لبلوغ النصر بالسرعة القصوى والكلفة الدنيا.

وبإسقاط ما سبق من مفاهيم سياسية وحقائق تاريخية على الحالة العربية عموما والفلسطينية التي تعنينا في هذا المقال خصوصا – يتبين بجلاء مذهل تكرار التنكر الفلسطيني لها على مدار أكثر من قرن ، رغم أن الشواهد تؤكد فشل كل محاولات القفز عنها.
ودليلنا على ذلك ، إخفاق كافة التجارب الفلسطينية والعربية والدولية المرتكزة على فرضية إمكانية حل الصراع مع الكيان الاستعماري الاستيطاني الصهيوني الذي تم استحداثه في فلسطين في النصف الأول من القرن العشرين ، من خلال مهادنة الغزاة الأجانب واقتسام الوطن الفلسطيني معهم . بداية بتخصيص قرار التقسيم رقم 181 الصادر عن الجمعية العامة للامم المتحدة في 29 نوفمبر عام 1947 نحو 56.2 % من اجمالي مساحة فلسطين الانتدابية للمستوطنين اليهود – الذين تم استجلاب غالبيتهم العظمى من خارج المنطقة ( رغم وجود يهود كثر من شعوب المنطقة ) في إطار المشروع الاستعماري الغربي الساعي للاستيلاء على إرث الإمبراطورية العثمانية ، ما رفع نسبة اليهود الأجانب / غير الفلسطينيين الاصلانيين / إلى إجمالي السكان ، من 6% في بداية الانتداب البريطاني إلى 31% عند إقرار إنهائه بعد اكتمال الجاهزية لإنشاء الكيان الاستيطاني الصهيوني وفقا للنسق الاستعماري الغربي.
فيما خصص لأصحابها الفلسطينيين الأصلانيين / اليهود السامريون والمسيحيون والمسلمون / البالغة نسبتهم 69% نحو 42.3% فقط من مساحة فلسطين، ووضع القدس تحت ادارة دولية . ثم التغاضي عن إلزامية تنفيذ القرار بعد إعلان إقامة دولة اسرائيل في 14/5/1948 دون تحديد حدودها ، والاكتفاء بالتعامل مع تداعيات النكبة – التي أسفرت عن اقتلاع اكثر من 750 ألف فلسطيني من ديارهم الأصلية في الأراضي التي سيطرت عليها العصابات الصهيونية المسلحة بالقوة ، بمساعدة قوات الانتداب البريطاني، وطردهم خارجها.
وعجز المجتمع الدولي – الذي أنهكته أهوال الحرب العالمية الثانية وأرقته عقدة الذنب لصمته إزاء التواطؤ الامبريالي – الصهيوني في الاستهداف العنصري ليهود أوروبا ، وإغلاق الحدود الأوروبية والأمريكية أمام الناجين منهم من المجازر النازية، ما سهل تنفيذ خطة استجلابهم إلى فلسطين لاستيطانها.
وامتنع ، أيضا ، عن توفير ضغط سياسي وعسكري مؤثر لوقف الاستخدام الامبريالي- الصهيوني لعذابات اليهود ضحايا العنصرية الأوروبية والنازية، ودفعهم للانخراط في المشروع الاستعماري الغربي ، عبر حل مشكلتهم على حساب شعب فلسطين الأصيل ، وتحويلهم ، بذلك ، من ضحايا مسكونين بخوف وجودي ، إلى جلادين مماثلين للنازيين، يكررون جرائم الإبادة والاقتلاع التي تعرضوا لها في أوروبا ضد أبناء الشعب الفلسطيني الصغير الأعزل، / ضحايا الضحايا / وجدوه السبيل الوحيد للخلاص بالحلول مكانه.
واكتفى النظام الدولي الذي شكلته القوى الدولية المنتصرة في الحرب العالمية الثانية ، بالتعامل مع تداعيات النكبة الفلسطينية لاحتواء نتائجها وتوفير الفرصة للكيان الصهيوني الوليد لاستيعاب ما تم اغتصابه . فأصدر القرار رقم 194 في11/12/1948 الخاص بحق اللاجئين الفلسطينيين في العودة إلى ديارهم التي أخرجوا بالقوة منها وتعويضهم . دون إكساب القرار ، كما سابقة قرار رقم 181 / قوة الإلزام ، بوضعهما تحت الفصل السابع من ميثاق الامم المتحدة لجعلهما واجبا النفاذ .
بل جرى استخدامهما كغطاء لتمرير قبول دولة اسرائيل المستحدثة فوق انقاض الشعب الفلسطيني في عضوية الأمم المتحدة ، التي أصدرت القرار رقم 273 بتاريخ 11/5/1949 بقبول عضوية اسرائيل في الأمم المتحدة وضمن ديباجته إشارة إليهما – وليس في النص – لتصبح اسرائيل، بذلك ، الدولة الوحيدة المستحدثة التي يتم الموافقة على قبولها عضوا جديدا في الجمعية العامة للامم المتحدة ، رغم عدم التزامها بالقرارات التي أصدرتها ذات الجمعية / القرارين 181 و 194 /.
والمدهش ان القرار استند في قبول عضوية اسرائيل ” باعتبارها دولة محبة للسلام راضية بالالتزامات الواردة في الميثاق، قادرة على تنفيذ هذه الالتزامات، وراغبة في ذلك”.
وبذلك سمح النظام الدولي لإبقاء حدود اسرائيل مفتوحة على التوسع والتمدد وفقا لقدراتها العسكرية والاستيعابية. إذ تجاوزت عند نشأتها الحدود المخصصة لها بقرار التقسيم ، وسيطرت على ( 78%) من مساحة فلسطين الانتدابية. وتوقفت في المرحلة الأولى عند خطوط وقف إطلاق النار، التي كرست حدودها كأمر واقع اعترفت به اتفاقات الهدنة العربية – الاسرائيلية لعام 1949. وجرى تشريعها دوليا لاحقا كحدود رسمية في قرار مجلس الأمن الدولي رقم 242 في 22/11/1967،- الذي لم يدرج ايضا تحت الفصل السابع لجعله واجب النفاذ / والصادر في أعقاب عدوان حزيران عام 1967 واستكمال احتلال بقية الأراضي الفلسطينية وشبه جزيرة سيناء المصرية وهضبة الجولان السورية. والقبول العربي به ، ما حول الصراع الوجودي مع الكيان الصهيوني إلى نزاع حدودي بين دول متجاورة ، واختزل المطالب العربية الرسمية بإزالة آثار العدوان الجديد . ورضوخ القيادة الفلسطينية ، لاحقا ، والتحاقها بالنظام العربي الرسمي وقبولها رسميا عام 1988 بمقايضة ما تم احتلاله من فلسطين عام 1948 (78% )، بما جرى احتلاله عام 1967 ( 22%). دون ان يؤدي استدراج العرب والفلسطينيين الى تقديم هذه التنازلات الى التوصل إلى تسوية الصراع، بل استوجب الانسحاب الاسرائيلي المشروط من شبه جزيرة سيناء المصرية خوض حرب اكتوبر عام 1973 ، والتي انتهت بإخراج مصر نهائيا من دائرة الصراع العربي الصهيوني، وقوض فرص تبلور العرب كقوة إقليمية وازنة.
والملفت أكثر أن فشل كافة المفاوضات الفلسطينية – الاسرائيلية للتسوية السياسية التي تواصلت على مدى أكثر من ثلاثة عقود كاملة ، وارتكزت على مبدأ مقايضة الوطن الفلسطيني ، بدولة على نحو خمس مساحته ، والتي اتسعت مرونة الهدف بالتوصل إليها إلى تقديم تنازلات إضافية في الخمس المأمول اقامة الدولة الفلسطينية عليه:
في القدس الشرقية/ التنازل عن الحي الذي تم تهويده، وابقائها مدينة مفتوحة أمام اسرائيل/ وفي الحدود/ تبادل الأراضي الاستراتيجية المقامة فوقها المستعمرات الاستيطانية بأراض في صحراء النقب داخل الخط الاخضر / ،
وفي السيادة / الموافقة على دولة منزوعة السلاح وقوات دولية / أمريكية أو أطلسية/ داخل الاراضي الفلسطينية على الحدود المشتركة مع المملكة الأردنية الهاشمية ومراقبة دولية للمعابر الحدودية الفلسطينية برا وبحرا وجوا / ،
وفي قضية اللاجئين / القبول بعودة محدودة لا تتجاوز بضعة آلاف وفي إطار إنساني ، وبحل متفق عليه مع اسرائيل للبقية / نحو 7 مليون لاجىء/، وباقتسام الموارد المائية، والالتزام بتوثيق التعاون الاقتصادي ، وبالتنسيق الأمني مع اسرائيل وبمنع العنف وملاحقة مرتكبيه من الفلسطينيين . وبمكافأة اسرائيل – عند قبولها ، بذلك / المبادرة العربية للسلام / باعتراف 58 دولة عربية وإسلامية رسميا بشرعيتها ، وتطبيع العلاقات / السياسية والديبلوماسية / وتوثيق التعاون معها في شتى المجالات الاقتصادية والرياضية والثقافية الخ ….. دون أن يؤدي ،كل ذلك، إلى إحداث أي اختراق في الموقف الاسرائيلي والأمريكي الذي حدد شروط التسوية السياسية:
” بالاعتراف الفلسطيني بإسرائيل دولة قومية للشعب اليهودي ، وبأن تكون لإسرائيل حدود قابلة للدفاع عنها / لا عودة لحدود 1967 / . وبأن تبقى القدس الموحدة عاصمة إسرائيل .وأن تبقى الكتل الاستيطانية اليهودية الكبرى في الضفة الغربية خاضعة للسيادة الاسرائيلية .وأن تحتفظ إسرائيل بحق المرابطة العسكرية على طول نهر الاردن ( الحدود الفلسطينية – الاردنيّة ) . وأن يتم حل قضية اللاجئين الفلسطينيّين خارج تخوم دولة إسرائيل . وأن تقام الدولة الفلسطينيّة نتيجة حل تفاوضي ومعاهدة سلام . وأن تكون الدولة الفلسطينيّة منزوعة السلاح ( من دون جيش ، ومن دون سيطرة على الأجواء وتخضع منافذها الحدودية / البرية والبحرية والجوية/ لرقابة إسرائيليّة فعالة.
وأن تؤدي التسوية السياسية الى إنهاء الصراع الفلسطيني – الإسرائيلي وتضع حدا للمطالب المتبادلة ، وأن تحظى هذه التسوية بتاييد عربي وإسلامي ودولي”.

وعندما تعذرت الموافقة الفلسطينية على شروط تقارب الاستسلام ، وحاولت القيادة التمرد لتعديل الشروط بتوظيف الضغط الميداني عبر انتفاضة الأقصى. تم إعادة اجتياح مناطق الحكم الذاتي الفلسطيني / 18% من مساحة الضفة الغربية / ومحاصرة الرئيس عرفات طوال أربع سنوات، ثم إخراجه نهائيا من المشهد الفلسطيني باغتياله في 11 تشرين الثاني عام 2004.

ولم يؤد التغيير الجوهري في النظام السياسي الفلسطينى، وانتخاب خلفه الرئيس محمود عباس على اساس برنامج سياسي مغاير . وقيامه بإنهاء الانتفاضة . والتزامه بالخيار التفاوضي سبيلا وحيدا لحل الصراع عبر التسوية السياسية. وإعادة بناء الأجهزة الأمنية الفلسطينية وتأهيلها للتنسيق الأمني الفعال مع اسرائيل لمنع العنف وملاحقة مرتكبيه تحت إشراف الجنرال الأمريكي دايتون . و تنفيذ الإصلاح الاقتصادي والمالي والإداري تحت الإشراف المباشر للبنك الدولي وصندوق النقد الدولي. والتكيف الإيجابي مع قرار الانسحاب الأحادي الاسرائيلي – غير المنسق مع السلطة – من قطاع غزة ، وإعادة تموضع الجيش الاسرائيلي خارجه ، ومحاصرته لفصله جغرافيا وديموغرافيا ومن ثم سياسيا وإداريا عن الضفة الغربية.
والتعايش لاحقا مع انقسام النظام السياسي الفلسطيني – الذي أسست له اسرائيل والولايات المتحدة الامريكية بمشاركة الإتحاد الأوروبي وتواطؤ بعض أطراف النظام العربي الرسمي- عبر فرض انتخابات تشريعية تستدرج لها قوى المعارضة الفلسطينية- غير المنضوية في منظمة التحرير الفلسطينية – والرافضة لاتفاق اوسلو وتسهيل مشاركتها . ثم معاقبة الشعب الفلسطيني على نتائج الانتخابات الحرة التي شهد المراقبون الدوليون بنزاهتها، وتسهيل الانقلاب في قطاع غزة على سلطة الحكم الذاتي الفلسطيني ، واعتبار قطاع غزة اقليما متمردا . وحل المجلس التشريعي المنتخب ، والتزام السلطة الفلسطينية المعترف بشرعيتها التمثيلية للفلسطينيين داخل حدود عام 1967 الحياد أثناء الحروب العسكرية التدميرية الاسرائيلية المتتابعة على المحافظات الجنوبية في قطاع غزة / 2008/2009، 2012، و2014 ، دون حتى وقف التفاوض الفلسطيني – الاسرائيلي أو تعليقه أثناء تلك الاعتداءات.
ولم يؤد ذلك كله إلا إلى مزيد من التصلب الاسرائيلي المعزز بالدعم الأمريكي السياسي والدبلوماسي ورفع حجم الدعم المادي / العسكري والاقتصادي / إلى مستويات غير مسبوقة.
ما شجع اسرائيل على تسريع إجراءات أسرلة القدس، ومصادرة الاراضي الفلسطينية ، وتكثيف التوسع والتمدد الاستيطاني ، وشق الطرق الالتفافية ، واستكمال بناء جدار الفصل العنصري وتوغله عميقا داخل الضفة الغربية، وإحاطته بالمدن والبلدات والقرى الفلسطينية لمنع تواصلها السكاني والإسكاني .وحفز المستوطنين على تكثيف هجماتهم ضد السكان الفلسطينين تحت حماية ودعم الجيش الاسرائيلي ، لإجبارهم على الهجرة والانكفاء داخل مناطق التركز السكاني التي تحولت الى معازل متناثرة.
وللامعان في اثبات عجز السلطة وإذلالها لتأليب الشعب عليها، ما يسهل الاستفراد بها وإخضاعها لشروط التسوية السياسية الاسرائيلية – الأمريكية ، لجأت اسرائيل إلى تكرار احتجاز ايرادات المقاصة لإجبار السلطة على وقف رعاية اسر الشهداء والجرحى والأسرى، وأوقفت اطلاق سراح الدفعة الثالثة من الأسرى المتفق عليها سابقا . ما دفع السلطة – للحفاظ على ماء الوجه- لتعليق المفاوضات المباشرة مع اسرائيل.

ولم يؤد انسداد آفاق التسوية السياسية إلى تغيير المسار أو السلوك الفلسطيني، بل واصلت السلطة الفلسطينية التزامها الأحادي بما قطعته على نفسها في الجولات التفاوضية المتتابعة ، رغم عدم وفاء اسرائيل بكافة التزاماتها التعاقدية.
وعند توقف المفاوضات الرسمية عام 2014 ، لم تسمح السلطة للشعب بالتمرد ، وحاصرت الحراك الشبابي غير المنظم / انتفاضة السكاكين / ، ونسقت أمنيا مع اسرائيل لإحباط تمرد الأفراد وإظهار التزامها الكامل بحل تفاوضي ، وقامت بتحركات ديبلوماسية محدودة ومحسوبة المخاطر في المحافل الدولية ، أسفرت عن إصدار قرارات تقتصر فاعليتها على المكاسب السياسية المعنوية، غير القادرة على تغيير الوقائع الميدانية.

أردت بهذا الإسهاب الطويل إنعاش الذاكرة الفلسطينية عموما ، وذاكرة النظام السياسي الفلسطيني في السلطة والمعارضة وبعض النخب خصوصا . سواء من العائدين الى الساحة السياسية، الراغبين في استئناف دورهم القيادي ، أم أولئك المتواجدين الكثر في دوائر صنع القرار السياسي والتنظيمي ، الطامحين إلى دور مستقبلي يرونه قريبا ، إما بفعل إرادة الخالق. أو عبر المساعدة بتفعيلها كما فعل شارون عام 2004 . وتنافسهم الإعلامي الملفت – لتسويق جدارتهم بوراثة القيادة محليا واسرائيليا واقليميا ودوليا – بعرض البدائل والمقترحات للخروج من المأزق الخطير الذي يمر به الشعب الفلسطيني ويهدد قضيته الوطنية بالتصفية.

واللافت أنهم جميعا سبق لهم وأن شغلوا مواقع مهمة في الأطر القيادية في منظمة التحرير الفلسطينية ، وفي النظام السياسي الفلسطيني القائم بشقيه في الضفة وقطاع غزة ،
ما يعني أنهم المسؤولون عن بلوغ المأزق الخطير الذي اوصلوا الشعب الفلسطيني اليه، والذي يتقدمون اليوم برؤى وحلول وبدائل للخروج منه !
وما يزالون يدورون في ذات الحلقة المفرغة ويواصلون ذات النهج والسلوك الذي افضى إلى النتائج التي تعمدت تناولها بإسهاب املا في تفعيل قوله تعالى ” فذكر إن نفعت الذكرى “

فما الجديد الذي ينتظرونه من إعلان الاستعداد للانخراط بمفاوضات ترعاها الرباعية الدولية ؟؟رغم معرفتهم بعجزها الواضح طوال السنوات الماضية ، حتى قبل ان تحسم اسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية / صفقة القرن التي دخلت حيز التنفيذ قبل اعلانها / القضايا الرئيسة الخاصة بالقدس والاستيطان والحدود واللاجئين وتسحبها من دائرة التفاوض .

وما المنتظر من تهديد البعض – الذي يتحمل بحكم مواقعه في مراكز صنع القرار مسؤولية تشاركية في إجهاض الانتفاضتين الأولى والثانية – بإطلاق انتفاضة ثالثة يعرف تماما بعجزه عن إشعال فتيلها ، حيث التجارب الفلسطينية تدلل على ان الشعب وحده يفجر الانتفاضات ويتحمل أعباءها ، فيما يعمد القادة الى ركوب الموجة عند نجاحها ، ويواكبونها لتطويعها وقيادتها وتوظيفها للضغط التفاوضي لإنقاذ ذات المسار الخاطىء ؟؟

وكيف يمكن الاستقواء بدعم النظام الرسمي العربي وتوقع الحصول على دعم مالي مماثل لما سبق تقديمه عند اندلاع انتفاضة الأقصى ؟؟
رغم المعرفة الدقيقة باختلاف الظروف الفلسطينية والعربية جوهريا عن تلك التي أتاحت الدعم ، آنذاك ، والذي أوجبه البرنامج السياسي والنضالي للانتفاضة الذي استحق الالتفاف الشعبي العربي والضغط على النظام العربي الرسمي لدعمها ، وفرض عقد مؤتمر قمة عربية أقرت تقديم الدعم المالي المشروط ببرنامج لتعزيز القدرة الذاتية وفك الارتهان الاقتصادي والمعيشي الفلسطيني. للاقتصاد الاسرائيلي .أخفق الفلسطينيون – بقصور وعيهم بطول أمد الصراع – في الاستفادة منه بتحويل مخصصاته المدفوعة / 75% من الموارد المرصودة – مليار دولار / لتمويل النفقات الجارية وتوقف بعد بضع سنوات . كما ان النظام الرسمي العربي على ضعفه المريع فقد ازداد بؤسه بعد انقسامه وارتباط أطرافه بمحاور اقليمية ودولية تتنازع على اقتسام الوطن العربي من محيطه الى خليجه ، ومواقف اطرافه المعلنة لا تجد حرجا في إعلان تبدل أولوياتهم في تحديد الأعداء والحلفاء ، وفي انتقال الكيان الصهيوني من موقع العدو الى موقع الحليف لعديد الأنظمة .

وما هو المنتظر من تهديد البعض عبر الإعلام باستعادة الوحدة الظرفية / مناهضة صفقة القرن والضم / بين طرفي الانقسام اللذان يتحملان – بصراعهما الاقصائي على سلطة تحت الاستعمار الاستيطاني الذي يستهدف الوجود الفلسطيني بأسره- مسؤولية رئيسة في تشجيع العدو على تسريع تنفيذ مخططاته . فكيف تكون استعادة الوحدة وكل يتمترس خلف رؤاه ومناهجه التي أسست للانقسام وينتظر كل منهما أية ايماءة اسرائيلية أم أمريكية مهما صغرت ؟؟
وكيف تكون استعادة الوحدة دون استعادة البرنامج النضالي التحرري الجامع الذي اكسب منظمة التحرير الفلسطينية شرعيتها كإطار تمثيلي لعموم الشعب الفلسطيني داخل الوطن وخارجه ؟؟

وما المنتظر من تكرار البعض المطالبة بحل الدولتين ، عبر التهديد بحل الدولة الواحدة ؟ ؟
رغم يقينهم المعرفي بانعدام فرصهما كليا ، دون مشروع نضالي تحرري جامع للكل الفلسطيني داخل الوطن وفي الشتات ، يستخدم كل الوسائل النضالية المشروعة في القانون الدولي والإنساني، واستراتيجية متكاملة / فكرية وقيمية و سياسية وديبلوماسية وقانونية واقتصادية ومالية واجتماعية وإدارية واعلامية / وخطط عمل يحدث تنفيذها تغييرا جوهريا في الوقائع الميدانية ، وتفتح أفقا سياسيا عبر التحالف الاستراتيجي مع قوى التحرر العالمية الصاعدة المناهضة للظلم والاستعمار والاستبداد والعنصرية ، ومع القوى اليهودية المناهضة للصهيونية ، ومع القوى الاسرائيلية المناهضة للعنصرية ، و سويا لتوفير موجبات موازين قوى جديد يؤسس بداية لإنهاء الاحتلال الناشئه عام 1967 والذي يتوفر اجماع دولي / باستثناء الولايات المتحدة الامريكية / على عدم شرعيته ، ويمهد، أيضا ، لتفكيك النظام الاستعماري الاستيطاني الصهيوني العنصري الذي يشكل حجر الأساس في تحرير الفلسطينيين ويهود اسرائيل معا ، ويمكن من توفير حل حقيقي للصراع . والتاريخ الإنساني حافل بنماذج عديدة ملهمة. فهل نأمل بالتوقف بالمراهنة على تحقيق نتائج مختلفة عبر تكرار ذات التجارب ؟؟

Author: غانية ملحيس

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *