تقليص الصراع: وسيلة وليس هدف

تقليص الصراع ليست فكرة جديدة، فقد طُرحت مرارًا منذ عام 1967 كنوع من الحل الوسط بين أولئك الذين كانوا يطالبون بفرض السيادة على المناطق وبين أولئك الذين أرادوا التقدم باتجاه حل الدولتين.

أب الفكرة ومصدرها هو موشيه ديان، الذي طرح في نهاية الستينيات من القرن الماضي رؤيته التي استندت إلى تقليص العلاقة بين الإسرائيليين والفلسطينيين، منح الفلسطينيين في يهودا والسامرة وغزة حرية الحركة، وتحسين مستوى المعيشة عندهم الامر الذي يمكن إسرائيل من الحصول على الهدوء الامني من دون سيطرة مباشرة على الفلسطينيين. الان كما في الماضي يمكن ملاحظة فجوات واضحة في الفكرة: لأنه ليس هناك فلسطينيين يقبلون ان يكونوا شركاء في المضي قدما بهذه الفكرة، لأنها تتجاوز قضايا سياسية حساسة للغاية لا يمكن تجاهلها (خاصة الحدود، القدس واللاجئين) ويرتكز بشكل مبالغ فيه على الافتراض بان الاوضاع الاقتصادية الجيدة يمكنها لي ذراع الايديولوجيا.

تقليص الصراع الراهن يجسد توأمة بين فكرة الماضي والواقع الراهن، محورها حكم ذاتي فلسطيني محدود في يهودا والسامرة. بالإضافة إلى تحسين مستوى الحياة يقدم للفلسطينيين اليوم تواصل جغرافي في إطار هذا الحكم الذاتي وحرية الحركة في كامل ارجاء يهودا والسامرة وإلى الخارج من دون الالتفات إلى مسالة الحدود. الان يدور الحديث عن نظرية تفترض انه يمكن انشاء واقع ثنائي الابعاد يمكن ان يعيش فيه اليهود والعرب في نفس القطعة الجغرافية من دون ان يلتقي أحدهم تقريبًا مع الآخر.

فكرة تقليص الصراع ليست فكرة سلبية والسعي لتحسين مستوى الحياة عند الفلسطينيين يستحق الثناء. لكنها ليست حلا بعيد الأمد، إنما وسيلة تكتيكية لخلق حالة من الاستقرار والهدوء تمكننا من تخطيط المستقبل ودراسة اتخاذ قرارات حاسمة، أن كان ذلك بالاتفاق مع الفلسطينيين او من طرف واحد. اعتمد القادة الإسرائيليين على مدى سنوات طويلة على مقاربة “القرار بعدم اتخاذ قرار” لكنهم في نهاية الأمر اضطروا إلى اتخاذ قرارات حاسمة تحديدا بعد الانتفاضتين الأولى والثانية، هذه الأحداث التي كشفت ضعف خيار السلام الاقتصادي كوسيلة للحفاظ على الاستقرار لمدة زمنية طويلة.

يرى أولئك الذين ينادون بتقليص الصراع الوسيلة الأنسب لمنع الدولة ثنائية القومية، ولكن نواياهم ستقود فعليًا إلى دولة واحدة وذلك لأن الدولة ثنائية القومية تخلق بعد اتفاق بين القوميتين الأمر الغير ممكن في الظروف الحالية. وبما أن الفكرة لا يرافقها رسم حدود واضحة أو وضع حاجز فيزيائي، فإن النتيجة الفعلية هي مزيد من الاندماج الجغرافي، الديموغرافي، والبنى التحتية والاقتصاد – حتى لو امتد لفترة زمنية طويلة وبطيئة نسبيا. ينبع النقاش حول قضية تقليص الصراع إلى حد كبير من الارتباك الاستراتيجي التي وجدت إسرائيل نفسها فيه على ضوء التعقيدات المتزايدة في السياق الفلسطيني.

إسرائيل غارقة في مصيدة وصفها جيدا ميخا جودمان (منظر تقليص الصراع): هي لا تريد السيطرة مباشرة على الفلسطينيين وتدرك أن ابتلاع المناطق سيهدد طابعها الراهن ولكن في المقابل فإنها تخشى من التحديات الأمنية التي قد تصاحب الانفصال عنهم تحديدا في حالة قيام دولة فلسطينية مستقلة. ولكن تقليص الاتصال، منح مستوى معيشة جيد للفلسطينيين والالتفاف حول النقاش على المواضيع السياسية الجوهرية لن تستطيع أن تكون بديلا استراتيجيا. هذه الإجراءات تساهم فقط في تأجيل اتخاذ القرارات المطلوبة لعدة سنوات.

أنصح أولئك الذين يريدون العودة من جديد إلى نظرية ديان إلى العودة إلى وجهة نظر أحد منافسيه؛ يغئال ألون الذي تمسك في بداية طريقه بأرض إسرائيل الكاملة، لكنه أدرك بعد 67 أهمية الفصل الفيزيائي بين المجتمعين كوسيلة لاستمرار وجود إسرائيل في طابعها الأصلي. لم يتحدث ألون عن العودة إلى حدود العام 67 ولا على إنشاء دولة فلسطينية، وفي السياق الجغرافي ترك هامشًا واسعًا للتفسير الذي يتعين على السياسيين في إسرائيل تطويره. قد يكون تقليص الصراع الخطوة الأولى في هذا الاتجاه، ولكن يتعين لاحقًا رسم خط يفصل كلا المجتمعين عن بعضهما ويمنع الانزلاق إلى البلقنة على شكل دولة واحدة.

عن أطلس للدراسات والبحوث (المصدر: يديعوت)

Author: ترجمة معاوية موسى

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *