تفكيك السردية الإسرائيلية في ضوء نبوءة لايبوﭬيتش وحرب غزة: نحو وعي فلسطيني جديد في إدارة المعنى

بعد هزيمة حزيران 1967، أطلق يشعياهو لايبوﭬيتش، نبي الغضب في الفكر الإسرائيلي، نبوءته الشهيرة أمام قادة الجيش: “الفخر القومي ونشوة النصر الذي يجتاح المجتمع الاسرائيلي في هذه الأيام عابر ومؤقت. وستأخذنا من قومية فائضة ومفتخرة إلى قومية عدمية متطرفة والمرحلة الثالثة ستكون القومية البهيمية والرابعة نهاية الصهيونية.” واضاف في تصريح آخر : “الاحتلال سيفسد أخلاق الجيش، وسيفكك المجتمع، وسيحول الدين إلى أداة قومية فارغة من الروح.”

لقد قرأ لايبوﭬيتش مبكراً التحول الكامن في قلب المشروع الصهيوني، ونبّه إلى أنه مشروع محكوم بنهايته من الداخل، لا من خلال الهزيمة العسكرية بالضرورة، بل من خلال التآكل الأخلاقي والاجتماعي البنيوي. وفي ظل الحرب الراهنة على غزة، تعود هذه النبوءة لتطفو على السطح، لا كتأمل نخبوي في مستقبل بعيد، بل كواقع ماثل تتكشّف مظاهره البهيمية فيه كل يوم ومعها تحلل السردية الاسرائيلية مع تفكك مشروع الدمج الاجتماعي“فرن الصهر” – כור ההיתוך والذي كان يهدف إلى خلق هوية إسرائيلية موحدة تتجاوز الانقسامات الإثنية والدينية. لكن الواقع بعد أكثر من سبعة عقود من وجود إسرائيل يظهر العكس. وهذا ما توضحه الباحثة الاسرائيلية إيفا إلونكا حيث تؤكد أن “الصهر الاجتماعي ” تحول إلى مشروع قمعي لطمس الفروقات، خصوصًا ضد اليهود الشرقيين (المزراحيم)، واليهود الإثيوبيين، والفلسطينيين في الداخل”، هذا في وقت تزداد القوى الدينية الفاشية البهيمية قوة ونفوذ.

الاحتجاجات المتكررة، والتوترات بين العلمانيين والحريديم، وانهيار الإجماع في قضايا مثل الخدمة العسكرية، كلها مؤشرات على أن “الهوية الإسرائيلية” باتت أكثر تشظياً من أي وقت مضى. في هذا السياق يقول المؤرخ الإسرائيلي بيني موريس: “إسرائيل لم تنجح في خلق هوية مدنية موحدة، بل أنشأت مزيجًا من الطوائف المتصارعة.” واقع فضح هشاشته اجتياح المقاومة الفلسطينية لغلاف غزة في السابع من اكتوبر. نعم ما بعد السابع من اكتوبر 2023، دخلت إسرائيل حالة من الصدمة الوجودية، إذ انكشفت محدودية قوتها الردعية. وهذا ما وضعه تحت المجهر الصحفي الإسرائيلي جدعون ليفي بقوله: “لأول مرة، يبدو أن إسرائيل فقدت قدرتها على احتكار إنتاج الخوف..إنها تقصف وتقتل بلا هدف سياسي واضح، فقط لإثبات أنها ما زالت موجودة.”

في هذا السياق، تحوّلت الحرب من وسيلة أمنية إلى وسيلة تعريف ذاتي. باتت إسرائيل تُعرّف نفسها من خلال نقيضها: “الإرهاب”، و”التهديد الإسلامي”، و”العداء العربي”. لكنها بذلك تفقد القدرة على إنتاج سردية اجتماعية داخلية متماسكة. ينعكس هذا في تحولها من مشروع استعماري قومي على جزء من فلسطين إلى كيان استعماري استيطاني دائم بين النهر والبحر. وعليه يصيب المؤرخ الإسرائيلي آفي شلايم نصف الحقيقة بقوله:
“إسرائيل اليوم لا تسعى إلى تسوية، بل إلى إدارة أبدية للصراع عبر التفوق الأمني.” لأن إسرائيل في مرحلة بهيمية حرب الإبادة الجماعية على غزة تسعى لحسم الصراع من خلال تطهير عرقي على مراحل لكل وجود فلسطيني بين النهر والبحر حتى عام 2050.

نسوق كل هذا لأن المعركة اليوم ليست فقط في الميدان، بل في السرد ومعنى المقاومة الثقافية المدنية. إسرائيل تخوض حرباً وجودية على مستوى المعنى، تحاول فيها إنتاج ذاتها كضحية مطلقة، وتشيطن الفلسطيني كتهديد أنثروبولوجي. لكن، كما يقول إدوارد سعيد: “الحقائق القاسية تُنتج المعاني، وليس العكس. والمثقف هو من يُعيد ترتيب المعنى في وجه السردية المهيمنة.”

هنا تقع مسؤولية الفلسطينيين والعرب في إنتاج سردية ذات طابع بنيوي لا ظرفي، تُعرّف الحق لا بوصفه قانوناً دولياً فحسب، بل كامتداد حيّ للأرض والتاريخ والمستقبل. المطلوب ليس فقط نفي الرواية الإسرائيلية، بل نزعها من أدواتها المفهومية والرمزية.

خلاصة القول:

تحققت نبوءة لايبوفيتش ليس لأن الفلسطينيين أسقطوا إسرائيل عسكرياً، بل لأن إسرائيل سقطت أخلاقياً من داخلها. كلما ازداد اعتمادها على القوة، كلما زادت بهيميتها ، وفقدت قدرتها على إقناع حتى نفسها بمبررات وجودها.
وهنا يكمن دور الفلسطيني والمثقف العربي: الانتقال من موقف الدفاع إلى موقع إنتاج المعنى، ليس فقط للانتصار في المعركة الجغرافية والديمغرافية وإقامة الدولة الديمقراطية الواحدة بين النهر والبحر ليعيش فيها الشعبين عرب ويهود، بل في معركة الذاكرة واللغة والتاريخ.

أليس المثقف هو من يعيد ترتيب المعنى في مواجهة السردية المهيمنة، على حد تعبير إدوارد سعيد؟ أين المثقفون العرب، والفلسطينيون بالتحديد، من هذا الدور؟!

About The Author

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *