تفعيل دور الشباب: وهمٌ يُستخدم للهروب من الحقيقة

لم يعد الحديث عن “تفعيل دور الشباب” سوى لازمة مكررة تُقال في كل مناسبة، بلا معنى حقيقي ولا نية جدية للتغيير. الجميع يتحدث، يندد، يطالب… لكن أحدًا لا يقترب من جوهر المشكلة.

يُقال إن الشباب يعزفون عن العمل العام . وهذا ادعاء سهل، مريح، ويعفي القائل منه من أي مسؤولية. ويُقال أيضًا إن الكبار يُقصون الشباب، أو أن هناك فجوة ثقة بين جيلين. لكن الحقيقة أن هذا الخطاب برمّته مضلل، لأنه يُحوّل القضية إلى صراع أجيال وهمي، ويُخفي السبب الحقيقي للأزمة.
المشكلة ليست في الشباب. ولم تكن يومًا كذلك ولا في الأجيال.
الجيل الذي صنع الفعل الوطني في السبعينات والثمانينات، وشارك في الانتفاضة الأولى، لم يكن “أفضل” بيولوجيًا أو أخلاقيًا او ثقافيا. لكنه نشأ في بيئة مختلفة جذريًا: بيئة تُقدّس العمل الجماعي، وتُربي على أن “نحن” أهم من “أنا”، وأن القيمة تُقاس بما تقدمه للمجموع لا بما تحققه لنفسك.
أما جيل اليوم، فقد صُنع في سياق آخر. بعد أوسلو، لم يتغير الواقع السياسي فقط، بل أُعيد تشكيل الوعي نفسه. تدفقت ثقافة جديدة، عبر المؤسسات والبرامج والخطاب العام، تُعلي من شأن الفرد، وتُكرّس فكرة النجاح الشخصي المنفصل عن الجماعة. لم يعد المطلوب أن تكون جزءًا من مشروع وطني، بل أن تكون “قصة نجاح” فردية.
وهنا تكمن الحقيقة الصادمة:
نفس الجهات التي ساهمت في إنتاج هذا النموذج الفرداني، هي اليوم من تصرخ مطالبة بـ“تفعيل دور الشباب”.
أي تناقض هذا؟
كيف يمكن لمن ربّى جيلاً على “أنا” أن يطالبه فجأة بأن يتصرف بمنطق “نحن”؟ وكيف يُطلب من الشباب أن يحملوا همًّا عامًا، بينما كل ما حولهم يدفعهم للنجاة الفردية؟
ليست هناك أزمة ثقة بين جيلين، بل أزمة صدق في تشخيص المشكلة.
الشباب ليسوا مقصّرين، بل متّسقون تمامًا مع ما زُرع فيهم. المشكلة أن هناك من يريد نتائج مختلفة دون أن يغيّر الشروط التي أنتجت هذا الواقع.
لذلك، فإن كل حديث عن “تمكين الشباب” أو “إشراكهم” دون مراجعة جذرية للثقافة السائدة، هو مجرد استهلاك لغوي، أو في أحسن الأحوال، محاولة تجميل لواقع مأزوم.
إذا كان هناك من يريد فعلًا تفعيل دور الشباب، فعليه أن يبدأ من حيث يجب أن يبدأ:
من التربية، من الثقافة، من إعادة الاعتبار لفكرة الجماعة، من كسر وهم الفرد المنعزل، ومن بناء وعي يرى في “نحن” شرطًا للمعنى، لا عبئًا عليه.
غير ذلك، سنبقى ندور في نفس الحلقة:
نشتكي من غياب الشباب… بينما نُعيد إنتاج هذا الغياب كل يوم.

About The Author

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *