تعيين نائب لرئيس منظمة التحرير والإصلاحات في السلطة الفلسطينية.. توحيد أم توسيع الفجوات؟

صادق المجلس المركزي لمنظمة التحرير الفلسطينية على تعيين حسين الشيخ نائباً لرئيس المنظمة في اجتماعه الذي عقده في 26 نيسان/أبريل في رام الله. كانت هذه خطوة أخرى في سلسلة الإصلاحات التي أعلن عنها أبو مازن في خطاب ألقاه في القمة العربية التي انعقدت في الرابع من مارس/آذار في القاهرة وتناولت مواجهة تحديات الحرب ضد إسرائيل التي شنتها حماس في السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023. وسبق الموافقة اجتماع استمر يومين للمجلس المركزي لمنظمة التحرير الفلسطينية، ناقش خلاله مسألة تعيين نائب الرئيس، وهو المنصب الذي لم يكن موجوداً حتى الآن. ومن بين الإصلاحات الأخرى التي أعلن عنها أبو مازن والتي تم تنفيذ جزء منها بالفعل : تحديد آلية لاستبداله كرئيس للسلطة الفلسطينية إذا أصبح عاجزا، فضلا عن إمكانية “العفو” عن كل من تم فصله من حركة فتح، والدعوة إلى العودة إلى من تركو الحركة . وقد تم ذلك بهدف لم شمل الصفوف التي انقسمت إلى مجموعات عديدة في السنوات الأخيرة، قبل وعشية الانتخابات التي كان من المقرر إجراؤها في مايو/أيار 2021. وبعد أيام قليلة من ذلك، تم تعيين عزام الأحمد خلفاً للشيخ بصفة أمين سر اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية.
قبل عدة سنوات، عيّن أبو مازن المخضرم محمود العالول نائباً له كرئيس لحركة فتح. ولكن مع تعيين الشيخ، قام أبو مازن فعلياً بتقسيم المناصب الثلاثة التي يسيطر عليها ــ رئيس منظمة التحرير الفلسطينية، ورئيس السلطة الفلسطينية، ورئيس فتح ــ إلى ثلاثة مناصب منفصلة. وهذا يشكل تغييراً جوهرياً مقارنة بالواقع منذ توقيع اتفاقيات أوسلو، عندما كان عرفات وأبو مازن يمتلكان السلطات الثلاث ويتمتعان بالسيطرة الكاملة على كل السلوك في الساحة الفلسطينية. السيطرة على السلطة الفلسطينية، التي شكلت مركز القوة الذي أضعف منظمة التحرير الفلسطينية منذ اتفاقيات أوسلو، لا تزال، حتى الآن، بين أيدي أبو مازن. وقد حدد أبو مازن بشأنها آلية (ولم يعين أحداً) تضع على عاتق رئيس المجلس الوطني الفلسطيني مسؤولية اختيار بديل لرئيس السلطة عند الحاجة خلال 90 يوماً من اليوم التالي، والعمل حتى ذلك الحين رئيساً للسلطة.
حسين الشيخ (65 عاماً) هو عضو مخضرم في حركة فتح، وهو من الجيل الذي برز في الضفة الغربية خلال سنوات الانتفاضة الأولى، وأصبح قريباً من أبو مازن في العقدين الأخيرين وأصبح صديقه المقرب. ويرافقه في كل نشاط يقوم به، الأمر الذي سمح له بتطوير معرفة عميقة بالمسؤولين في إسرائيل وحول العالم. ويعتبر الشيخ خليفة أبو مازن، متمسكاً بالتنسيق الأمني ​​مع إسرائيل، ويؤمن بإدارة العلاقات معها عبر القناة السياسية. وباعتباره عضواً في حركة فتح، فقد مر بنفس المسار الذي مر به معظم كبار أعضاء الحركة، بما في ذلك قضاء فترة في سجن إسرائيلي (حُكم عليه بالسجن 11 عاماً بتهمة الانتماء إلى خلية إرهابية، وقضى في الواقع عامين فقط في السجن )، على الرغم من أن مسؤولي الأمن الإسرائيليين لم يعتبروه إرهابياً. ولم يتم إثبات تورطه في الإرهاب خلال الانتفاضة الثانية بشكل كامل. وفي العقود الأخيرة، شغل الشيخ عدداً من المناصب، منها: رئيس لجنة الشؤون المدنية – وهو منصب على مستوى وزاري يتطلب التواصل الوثيق مع الجانبين الإسرائيلي والدولي؛ عضو اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية، والأمين العام للجنة المسؤولة عن المفاوضات مع إسرائيل بعد وفاة صائب عريقات ، عضو اللجنة المركزية لحركة فتح منذ عام 2007 ، ضابط كبير في الأمن الوقائي . وفي الوقت نفسه، تنسب اليه اتهامات عديدة تتعلق بالفساد والاستقامة والتحرش الجنسي، الأمر الذي يضر بصورته وقدرته على أن يكون رقم واحد في القيادة الفلسطينية. كما أن الثروة الكبيرة التي جمعها وثروة عائلته تزيد من صورته السلبية.
خلفية تعيين الشيخ والإصلاحات التي أدخلها أبو مازن هي الضغوط المستمرة من أجل الإصلاح في السلطة الفلسطينية، والتي مورست عليه من قبل المملكة العربية السعودية، التي تربطها بتطوير علاقاتها مع إدارة ترامب، وكذلك من قبل الدول العربية المانحة الأخرى، والولايات المتحدة، وألمانيا، وبريطانيا. ولم تتحقق هذه الضغوط إلا مؤخرا، حيث ازدادت في أعقاب الحرب والكارثة التي ألحقتها بالفلسطينيين والتجميد الذي فرضته الحرب على تقدم التطبيع الإقليمي مع إسرائيل.

إن الغضب الكبير الذي شعر به أبو مازن تجاه حماس، والانتقادات القاسية التي وجهت لحماس من كل حدب وصوب في ضوء الدمار الكبير الذي أحدثته في عملية السابع من أكتوبر/تشرين الأول، حررته من شكوك الماضي. وإذا نجح أبو مازن في توحيد صفوف فتح، فسيكون من الأسهل عليه أو على من يحل محله تغيير ميزان القوى بين فتح وحماس في إطار الصراع ضد إسرائيل، وإعطاء وزن أكبر للنضال الدبلوماسي والقانوني الدولي مقابل المقاومة العنيفة. بالنسبة لابو مازن ، أوضحت الحرب أن حماس فقدت أهميتها في الواقع الحالي، وأصبحت غير قادرة على التعامل مع تعقيدات الصراع مع إسرائيل، وتفتقر إلى فهم لتوازن القوى الإقليمي والدولي. ويبدو أن تقدم أبو مازن في السن كان أيضاً واحدا من الاعتبارات، وتعيين الشيخ يشير إلى رغبته في إيجاد خليفة يعرف الواقع الفلسطيني وبيئته الاستراتيجية.
ولكن هذه الخطوات التي يقوم بها أبو مازن لايتم استقبالها كخطوات مفهومة من تلقاء ذاتها داخل حركة فتح والساحة الفلسطينية بشكل عام. وتتركز الانتقادات بشكل أقل على تعيين الشيخ وأكثر على العملية نفسها، وشرعيتها، وتداعيات عقد المجلس المركزي، في حين تتجاهل القضايا الملحة المطروحة. ويتساءل النقاد من حركة فتح وغيرها من المنظمات الأعضاء في منظمة التحرير الفلسطينية عما اذا كان تعيين الشيخ يساهم في الوحدة الفلسطينية أو يعمق الانقسام الفلسطيني الداخلي، وكيف يمكن عقد اجتماع بعد 18 شهراً من الحرب دون مناقشة وقفها واحتياجات الفلسطينيين في قطاع غزة. وبالإضافة إلى ذلك، يرى المنتقدون بحسين الشيخ “رجل إسرائيل” في منظمة التحرير الفلسطينية، في حين أن السيطرة المطلقة لأبو مازن على المجلس الوطني الفلسطيني والطريقة التي تحدد بها التعيين تمنحه مكانة ضعيفة مسبقاً . ويؤكد المنتقدون أيضًا أن تعيين النائب هو جزء صغير من الإصلاح وأنه من الضروري انتخاب مجلس وطني جديد، وكذلك مجلس تشريعي جديد ليحل محل المجلس الذي تم حله منذ فترة طويلة. من جانبها، أصدرت حركة حماس بيانا مثيرا للجدل ردا على الشتيمة التي وجهها عباس لها في خطابه، حيث أدانت التعيين واتهمت عباس باستغلال الحرب لتعميق الانقسام بين التنظيمات. وانسحبت العديد من منظمات اليسار الفلسطيني من النقاش الذي تم خلاله الإعلان عن التعيين احتجاجاً، حتى قبل اتخاذ القرار في هذا الشأن .
أعضاء فتح والذين تركوا الحركة أو طردوا من صفوفها ينظرون بالفعل إلى الإصلاحات التي أدخلها أبو مازن باعتبارها خطوة إيجابية، كما نظروا بإيجابية أيضاً إلى كلماته التي أدان فيها حماس ومطالبته لها بإطلاق سراح الرهائن الإسرائيليين وإنهاء الحرب، ولكن كثيرين منهم يعتقدون أن قلب المشكلة هو استمرار سيطرة أبو مازن على الرئاسة وعلى صلاحياته الواسعة. ولم تلق دعوته للعفو وعودة المطرودين والمنشقين إلى صفوف فتح أي استجابة حقيقية حتى الآن، بسبب ما اعتبره البعض مطلباً مهيناً بأن يقدم من يرغب في العودة طلباً شخصياً ويتعهد بعدم المساس بالحركة. وذلك لأن هؤلاء الأفراد لا يعتبرون أنفسهم غير منتمين إلى فتح، بل يعتبرون أنفسهم من الذين ابتعدوا عن الحركة أو تركوها لأنهم اتهموا القيادة بالانحراف أو الانحراف عن مسار النضال التقليدي. والمنتظمين من بينهم ككتلة أو كمجموعة مثل معسكر محمد دحلان الإصلاحي، يريدون العودة كجماعة وليس كأفراد . ولذلك فإنه ليس من الواضح حتى الآن ما إذا كانت الإصلاحات وحتى تعيين الشيخ ستساهم في توحيد الصف في فتح.
ومع ذلك فإن تعيين حسين الشيخ نائباً لرئيس منظمة التحرير الفلسطينية يضعه في وضع مريح نسبياً للتنافس على خلافة أبو مازن بعد رحيله. فهو يتمتع بعلاقات طيبة مع أجهزة الأمن الفلسطينية، التي ظلت على ولائها للسلطة الفلسطينية، على الرغم من ضعفها المستمر. لكن التقليد في حركة فتح، على الأقل الذي ترسخ منذ توقيع اتفاقات أوسلو، يتطلب موافقة الحركة على تعيين الرئيس . لقد حظي عرفات وأبو مازن بإجماع كامل داخل الحركة وخاضا عملية انتخابية أعطت انتخابهما شرعية قانونية ومنحتهما أيضاً شرعية شعبية واسعة. ولكن في حالة الشيخ، لا يتعلق الأمر فقط بغياب التوافق والإجماع بل أيضاً بعصر جديد، بعد جيل المؤسسين، يتميز بالتنافس بين الجيل الأصغر سناً الذي نشأ في أراضي السلطة الفلسطينية بعد اتفاقات أوسلو، والتي في أعقابها توقفت منظمة التحرير الفلسطينية عن كونها في الواقع “قيادة الخارج”.
إن تعيين الشيخ، الذي يحظى بالاعتراف والقبول من قبل المملكة العربية السعودية، وكذلك الدول العربية والمجتمع الدولي، يشير إلى أن ابو مازن وحاشيته يدركون الاعتماد المتزايد لمنظمة التحرير الفلسطينية والسلطة الفلسطينية على المجتمع الدولي والعربي، وكذلك على إسرائيل، بعد 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023. وإن حقيقة أن الشيخ مقبول في هذه الاوساط ربما توفر له الدعم لفترة معينة من الزمن. ولكن في الوقت نفسه، من الممكن أن أبو مازن، بسبب هذا التعيين، يترك وراءه جبهة مفتوحة وانقساماً في حركة فتح. وقد يحدث تحد دائم ضد ترشيح حسين الشيخ، وهو ما من شأنه أن يعكس تعميق الانقسامات داخل حركة فتح ويحفز تقوية العناصر المتطرفة التي لا تلتزم بالاتفاقيات الموقعة مع إسرائيل.
إن تشجيع الوحدة في حركة فتح، وإجراء انتخابات داخلية في مؤسساتها ، وترسيخها كمنظمة قيادية ملتزمة بالاتفاقيات مع إسرائيل، يشكل أيضاً مصلحة حيوية للحكومة في إسرائيل، التي تسعى إلى إدارة الصراع مع تجنب عملية سياسية تهدف إلى دفع الوصول إلى تسوية. ولذلك، يتعين على إسرائيل أن تعزز الاتصالات اللازمة مع حسين الشيخ وغيره من قادة فتح، الذين يرون في العلاقة معها ضرورة وجودية، وأن تحاول بناء الأساس معهم لمستقبل أفضل من ذلك الذي يعيشه الشعبان، الإسرائيلي والفلسطيني، في السنوات الأخيرة.

من منشورات معهد أبحاث الأمن القومي الإسرائيلي

About The Author

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *