تسونامي الاعتراف بدولة فلسطين: تحوّل تاريخي في مواقف العالم تجاه حل الدولتين


في خضم أحد أكثر الفصول دموية في الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي، ومع استمرار حرب الإبادة في قطاع غزة، بدأت موجة سياسية تتشكل على المستوى الدولي، تُعيد الاعتبار للمطلب الفلسطيني التاريخي: إقامة دولة فلسطينية مستقلة على حدود الرابع من حزيران 1967، وعاصمتها القدس الشرقية. هذه الموجة، التي بات يُطلق عليها “تسونامي الاعتراف”، لا تأتي من فراغ، بل هي نتيجة تراكمات سياسية وأخلاقية وقانونية، تتقاطع جميعها عند لحظة فقدان العالم ثقته بإسرائيل كدولة راغبة في السلام وكدولة تقودها حكومة يمينية متطرفة، هي الأكثر تطرفًا في تاريخها، ويمارس وزراؤها خطابًا وممارسات عنصرية ضد الفلسطينيين، ويجاهرون برفض الدولة الفلسطينية والدعوة لضم الضفة الغربية بالكامل.
مكونات الحكومة الإسرائيلية الحالية (2022–2025):
تتكون حكومة بنيامين نتنياهو من تحالف بين حزب “الليكود” وعدد من الأحزاب الدينية والقومية المتطرفة. فيما يلي أبرز الأحزاب المشاركة والملفات التي يتولاها كل منها:
- الليكود (بنيامين نتنياهو)
- رئيس الحكومة
- ملف الأمن القومي والسياسة الخارجية
- قيادة التنسيق مع الولايات المتحدة .
يتحالف مع باقي مكونات الحكومة حفاظاً على بقائه السياسي والقانوني، رغم إدراكه لتكلفة هذه السياسات دولياً.
- الصهيونية الدينية (بتسلئيل سموتريتش)
- وزير المالية
- مسؤول عن الإدارة المدنية في الضفة الغربية (من داخل وزارة الدفاع)
- يدفع لضم الضفة وشرعنة المستوطنات .
يؤمن بسيادة يهودية كاملة على ما يسميه “أرض إسرائيل الكبرى”، ويقود عمليات توسع استيطاني مكثف.
- عوتسما يهوديت – قوة يهودية (إيتمار بن غفير)
- وزير الأمن القومي
- مسؤول عن الشرطة والسجون والأمن الداخلي
- يشجع سياسة اليد الحديدية ضد الفلسطينيين والتحريض على الترانسفير .
معروف بتاريخه العنصري ودعواته لطرد العرب، وبدعمه لجماعات “شبيبة التلال” التي تمارس إرهاباً منظماً ضد الفلسطينيين في الضفة الغربية .
- شاس (أرييه درعي)
- حزب ديني شرقي (اليهود الشرقيين ) .
- يدير وزارة الداخلية والخدمات الاجتماعية
- يركز على قاعدة شعبوية دينية، ويدعم بقاء نتنياهو على رأس الحكومة .
- يهدوت هتوراة
- حزب الحريديم الأشكناز
- يدير ملف التعليم الديني والمخصصات الاجتماعية
- لا يهتم بالصراع السياسي، لكنه يصوت مع المستوطنين .
== ممارسات الحكومة: من الضم الزاحف إلى التهجير والتجويع: - الضم الفعلي للضفة: مشاريع قوانين في الكنيست تهدف إلى بسط السيادة الإسرائيلية تدريجياً على الضفة الغربية، بتواطؤ قانوني وإداري.
- حصار وتجويع غزة: استخدام سياسة التجويع والقصف والقتل كأداة حرب في القطاع المحاصر.
- تهويد القدس : تسريع الاستيطان وتغيير الطابع الديموغرافي للمدينة
وتصعيد التهويد وتقييد المقدسيين. - القمع في الداخل: تمييز ممنهج ضد فلسطينيي 1948، عبر سياسات الشرطة والعنصرية الممنهجة والتشريعات العنصرية.
في هذا السياق، لم يعد الصمت الدولي مقبولًا.وما كان يمكن غضّ الطرف عنه سابقًا، بات اليوم مفضوحًا أمام الإعلام والرأي العام العالمي.
وفي هذه الاثناء تحوّلت الحكومة الإسرائيلية الحالية إلى حكومة “كشف نوايا” أمام العالم. سياساتها المتطرفة دفعت كثيراً من الدول إلى إدراك أن حل الدولتين على وشك الانهيار، وأن السبيل الوحيد لمنعه هو الاعتراف الفوري بدولة فلسطين .
الموقف الدولي، وخصوصاً الأوروبي، من حل الدولتين :
يقوم على رؤية عامة مفادها أن إقامة دولة فلسطينية مستقلة إلى جانب إسرائيل هو السبيل الوحيد لتحقيق سلام عادل ودائم في المنطقة.
الموقف الدولي: - الأمم المتحدة: منذ 1947 (قرار التقسيم 181) تؤيد إقامة دولتين، وأعادت تأكيد ذلك مراراً بقرارات مثل 242 و338 و1397 و2334، التي تدعو لإنهاء الاحتلال وحل الدولتين.
- روسيا والصين: تؤيدان حل الدولتين كسياسة رسمية، وترفضان الخطوات أحادية الجانب الإسرائيلية.
الموقف الأوروبي: - الاتحاد الأوروبي : يعتبر حل الدولتين حجر الزاوية في سياسته تجاه الصراع. يؤيد إقامة دولة فلسطينية على حدود 1967، مع القدس الشرقية عاصمة لها.
- الدول الأوروبية الكبرى مثل:
- فرنسا وألمانيا: تدعمان الحل بقوة، لكنهما لم تعترفا رسمياً بعد بدولة فلسطين .
بريطانيا : تبدي ميلاً للاعتراف بفلسطين في سياق سياسي دولي مناسب، خاصة مع تزايد الاعتراف الأوروبي. - إسبانيا، إيرلندا، النرويج، بلجيكا، وسلوفينيا: اعترفت مؤخراً بدولة فلسطين، في خطوة تهدف لإعادة التوازن وتفعيل حل الدولتين عملياً.
لماذا يدعم العالم حل الدولتين؟ : - لأنه يُنظر إليه كحل عادل يلبي الحقوق الوطنية للفلسطينيين ويضمن الأمن لإسرائيل.
التحدي الحالي: - إسرائيل في ظل حكومتها الحالية ترفض عملياً حل الدولتين.
- بعض الدول بدأت ترى أن الاعتراف بالدولة الفلسطينية أولاً قد يُرغم إسرائيل على التعامل مع الواقع، بدل انتظار “مفاوضات لن تأتي”.
تسونامي الاعترافات لا يأتي فقط تضامناً، بل كرد فعل عملي على انسداد الأفق السياسي، ولإبقاء حل الدولتين حياً كخيار قابل للتحقق. ومن المفارقة أن التطرف الإسرائيلي قد يكون العامل الحاسم في تقوية الرواية الفلسطينية وشرعنة الدولة.
رد الفعل الدولي: تحوّل في المواقف
مع تصاعد الممارسات الإسرائيلية وبشكل خاص في غزة بدأت دول عديدة تتبنى مواقف أكثر وضوحاً لصالح الاعتراف بالدولة الفلسطينية . موجة الاعترافات الأخيرة من دول أوروبية وأمريكا اللاتينية ليست سوى البداية.
ما يدفع العالم لهذا الاتجاه هو فقدان الثقة بأي نية إسرائيلية للسلام، خاصة بوجود حكومة تعمل ضد حل الدولتين عملياً، وتدير ظهرها حتى لحلفائها الغربيين.
الرد الإسرائيلي – الأمريكي ومحاولات العرقلة :
إسرائيل، بدعم أميركي، تحاول مواجهة هذه الموجة بالضغط السياسي والمالي، سواء عبر التلويح بالعقوبات أو عبر شيطنة القيادة الفلسطينية. إلا أن هذا السلوك يُظهر أزمة حقيقية في الخطاب الإسرائيلي، الذي بات يعتمد على نزع الشرعية بدل تقديم حلول.
القيادة الفلسطينية، وعلى رأسها منظمة التحرير الفلسطينية والسلطة الوطنية، تتحرك وفق مرجعية القانون الدولي، لا بل تُعتبر الأكثر التزامًا بمبدأ السلام وحل الدولتين . وأي اتهام لها بالسعي لـ”تقويض السلام” هو تزوير سياسي، يهدف إلى إضعاف الخيار السلمي لصالح الاحتلال الدائم.
الاعتراف الدولي المتسارع بدولة فلسطين ليس حدثًا عابرًا. إنه لحظة تحول تاريخية، تضغط باتجاه إعادة التوازن الأخلاقي والسياسي للصراع. وإذا استمرّت إسرائيل في غيّها، فقد تجد نفسها في عزلة متزايدة، لا سيما إذا استثمرت القيادة الفلسطينية هذا الزخم بشكل استراتيجي ومنسق.
من هنا، فإن السلطة الفلسطينية ومنظمة التحرير مدعوتان إلى استثمار هذا التحول الدولي لتوسيع الاعتراف، وفرض الحقيقة الفلسطينية على الطاولة الدولية، في وجه الاحتلال واليمين الفاشي.