ترامب، سموتريتش وغنيمة غزة: قراءة في عقلية الاستشراق الاستعمارية


يُظهر الخطاب السياسي الإسرائيلي في سياق الحرب على قطاع غزة أبعادًا استعمارية – اقتصادية تتجاوز مجرد العمل العسكري، لتكشف عن مشاريع طويلة المدى ذات صلة بإعادة تشكيل الفضاء العمراني والديمغرافي للقطاع. تصريح وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش قبل يومين حول تحويل غزة إلى “غنيمة عقارية” يمثل نموذجًا واضحًا لهذه الذهنية الاستعمارية، خاصة إذا ما وُضع في سياق النظريات الكلاسيكية للاستشراق كما عرضها الراحل إدوارد سعيد.
أولاً: غزة كـ “غنيمة عقارية”
صرّح سموتريتش بأن إسرائيل، بالشراكة مع الولايات المتحدة، وضعت خطة تهدف إلى تحويل غزة إلى مشروع استثماري ضخم، مشيرًا إلى أن “إسرائيل دفعت كثيرًا في هذه الحرب”، وبالتالي من “المنطقي” – على حد تعبيره – أن تستعيد أرباحًا من خلال السيطرة على الأراضي. هذه الخطة، التي يؤكد أنها مطروحة على “طاولة ترامب”، تبدأ بمرحلة الهدم الواسع، الجاري تنفيذه منذ بداية الحرب، وصولًا إلى إعادة البناء وفق منطق عقاري يعرف إسرائيليًا بمفهوم פינוי בינוי (الهدم من أجل البناء).
وفي الإطار نفسه، تحدث سموتريتش عن نقاشات مع الجانب الأمريكي تتعلق بإعادة الإعمار عبر استثمارات عقارية وتجارية، وهو خطاب يتقاطع مع تصريحات وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير، الذي بشّر بخطة لبناء مدينة مخصصة للشرطة على شواطئ غزة.
ثانياً: البعد الاستشراقي – قراءة في خطاب القوة
من منظور نقد الاستشراق، يمكن قراءة هذه التصريحات باعتبارها امتدادًا للعقلية الغربية التي وصفها إدوارد سعيد في كتابه المهم الاستشراق ، والتي تنطلق من افتراض “عجز الشرق عن حكم ذاته أو تطوير نفسه”، وبالتالي تبرّر التدخل الاستعماري بوصفه واجبًا “أخلاقيًا” وحتميًا. وفق هذا المنظور، تُصوَّر ثروات الشرق وموارده كحق مشروع للرجل الغربي الأبيض، الأكثر “تطورًا” والأجدر بامتلاكها.
يتضح هنا أن خطاب سموتريتش يتناغم مع تصريح سابق للرئيس الأمريكي دونالد ترامب حين قال: “سنمتلك غزة ونحوّلها إلى ريفييرا الشرق الأوسط”. هذا التناغم ليس صدفة، بل يعكس توافقًا أيديولوجيًا بين التيار السياسي الترامبي في الولايات المتحدة والنخب الاستعمارية في العالم وإسرائيل، حيث تقوم الأخيرة بدور الوكيل التنفيذي لمشروع استعماري – ديني ذي بعد عالمي.
ثالثاً: الشراكة الأمريكية – الإسرائيلية
لا يمكن فصل هذه الرؤية عن الدعم الأمريكي المتواصل عسكرياً وفي مجلس الأمن لإسرائيل ، حيث استخدمت الولايات المتحدة حق النقض (الفيتو) ست مرات لإسقاط مقترحات وقف الحرب على غزة. هذا السلوك يؤكد أن الولايات المتحدة ليست مجرد حليف سياسي، بل شريك كامل في المشروع الاستعماري الذي يستهدف إعادة هندسة غزة جغرافيًا وديمغرافيًا واقتصاديًا.
خلاصة القول:
إن الحرب الدائرة على قطاع غزة لا يمكن قراءتها فقط كعملية عسكرية، بل كجزء من مشروع استعماري – استثماري متكامل يستند إلى عقلية استشراقية استعمارية ترى في الهدم والتهجير شرطًا لإعادة البناء وفق مصالح القوة المهيمنة.
وبناءً على ذلك، تبدو المقاومة – بكل أشكالها التي يقرّها القانون الدولي – الخيار الوحيد أمام الفلسطينيين لمواجهة هذا المشروع، وإحداث ضغط شعبي وسياسي عالمي يفضي إلى إعادة الاعتبار للحق الفلسطيني في تقرير المصير وإقامة الدولة المستقلة كما يحدث في هذه الأيام عالمياً شعبياً وسياسياً بفعل المقاومة.