تراجع التجارة الدولية لإسرائيل مقابل ارتفاع صادرات السلاح والتبادل مع دول عربية


شهد الاقتصاد الإسرائيلي تحوّلات جوهرية في بنيته وتركيبته منذ تسعينيات القرن الماضي، بفعل الانتقال إلى نظام اقتصادي ليبرالي والانخراط المتزايد في الاقتصاد العالمي. وقد انعكست هذه التحوّلات في إعادة هيكلة الفروع الاقتصادية وتغيير حصص القطاعات المختلفة داخل الاقتصاد الإسرائيلي.
برزت هذه التغييرات في عدة مستويات: تغيّر حجم وبنية الصادرات والواردات، تبدّل مساهمة الصناعات والخدمات في إجمالي الصادرات، وزيادة الوزن النسبي للصناعات التكنولوجية المتقدمة، مقابل تراجع حصة الصناعات والقطاعات الاقتصادية التقليدية من مجمل الصادرات.
ارتفع حجم الصادرات الإسرائيليّة تقريبًا تسعة أضعاف منذ عام 1992 وحتى عام 2024، من 19.5 مليار دولار إلى قرابة 160 مليار دولار. وطرأ ارتفاع متواصل في الحجم الكلّي وفي الحصّة النسبيّة لفرع الخدمات من مجموع الصادرات، إذ ارتفعت حجم صادرات الخدمات بقرابة 14 ضعفًا، من 5,811 مليون دولار عام 1992 إلى نحو 84,000 عام 2024. بينما كانت حصة الخدمات من مجمل الصادرات عام 1992 نحو 30%، بلغت عام 2024 قرابة 53%. وللمقارنة ارتفع في الفترة ذاتها تصدير السلع والمنتجات بقرابة 5.3 أضعاف، من 13,621 مليون دولار إلى 73,139 مليون دولار. مما يدلّ على التغييرات التي طرأت على المبنى الاقتصاديّ في إسرائيل، وعلى الانتقال المطّرد إلى فروع الخدمات.
بالتوازي، حصل تغير على مبنى الصادرات الصناعية وفقًا للقوة التكنولوجية، بحيث باتت فروع الصناعة التكنولوجيّة المتطوّرة والغنية برؤوس الأموال والمعرِفة تشكّل حصة الأسد من الصادرات الصناعية الإسرائيلية، التي باتت تشكّل أهم رافعات التنمية في الاقتصاد الإسرائيلي، وتشهد على اندماج إسرائيل في الاقتصاد العالميّ.
ارتفعت حصة صادرات الصناعات التكنولوجية من مجمل الصادرات الصناعيّة بين الأعوام 2000 و2024، وتراجعت حصة الصناعات التكنولوجيّة التقليديّة. بهذا بات الاقتصاد الإسرائيلي أكثر تعلقًا بالتجارة الدولية والصادرات كمحرّك أساسي للنمو الاقتصادي. وتحوّل قطاع التقنيات الحديثة وصناعة التكنولوجيا الفائقة، بالإضافة إلى الصناعات الأمنية والعسكرية، إلى محرّك نمو مركزي في الاقتصاد الإسرائيلي في العقدين الأخيرين، وعامل أساسي في الصادرات الإسرائيلية والاستثمارات وإنتاج أماكن عمل.
آثار حرب الإبادة على التجارة الخارجية
في أعقاب أحداث السابع من أكتوبر 2023 والحرب على غزة، شهدت الصادرات الإسرائيلية تراجعًا خلال عامي 2023 و2024، وفقًا لتقرير وزارة الاقتصاد ومعطيات دائرة الإحصاء المركزية.
ففي عام 2023 بلغ حجم الصادرات الإسرائيلية نحو 156 مليار دولار، بانخفاض قدره 6% مقارنة بعام 2022 (أي أقل بحوالي 10 مليارات دولار). أما في عام 2024 فقد تراجع إجمالي الصادرات بنسبة 5.6% مقارنة بعام 2023. ويُعزى هذا الانخفاض بالأساس إلى تداعيات الحرب. غير أن حدّة التراجع الكلي خُفِّفت بفعل الارتفاع الكبير في الصادرات الأمنية، التي سجّلت قفزة بنسبة 13% في العام نفسه، ما ساعد على تقليص أثر التراجع في باقي القطاعات.
ارتفاع الصادرات الأمنية
حطّمت الصادرات الأمنية الإسرائيلية في عام 2023 رقمًا قياسيًا، حيث بلغت نحو 13 مليار دولار، بزيادة نصف مليار دولار مقارنة بعام 2022. وسُجّل الارتفاع الأكبر في صفقات مجال الدفاع الجوي، إذ شكّلت 36% من مجمل الصفقات، مقابل 19% في عام 2022.
وقد قفزت الصادرات الأمنية من إسرائيل بأكثر من 13% عام 2024 لتصل إلى 14.8 مليار دولار. وتكتسب هذه المعطيات أهمية خاصة في ظل السنة الصعبة التي مرّت على مجمل الصادرات الإسرائيلية، والتي انكمشت بنسبة 5.6% في 2024.
خلال خمس سنوات فقط، منذ عام 2019، تضاعفت قيمة الصادرات الأمنية الإسرائيلية. كما أن وتيرة نموها فاقت حتى الزيادة في الإنفاق العسكري العالمي، الذي ارتفع وفقًا للتقرير الأخير الصادر عن معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام (SIPRI) بنسبة 9.4% عام 2024.
تركّز الجزء الأكبر من الارتفاع في الصادرات الأمنية الإسرائيلية نحو أوروبا. ففي عام 2024 شكّلت القارة الأوروبية وجهة لحوالي 54% من إجمالي الصادرات الأمنية، مقارنة بـ35% فقط في عام 2023. غير أنّ هذا الطلب المتزايد يخلق اعتمادًا كبيرًا للصناعة العسكرية الإسرائيلية على السوق الأوروبية، وهو اعتماد ينطوي على مخاطر واضحة. ففي ضوء قرارات بعض الدول الأوروبية، مثل إسبانيا، تجميد صفقات أمنية مع الصناعات الإسرائيلية، تصبح هذه الصادرات عُرضة للتقلبات السياسية. ويزداد احتمال تأثرها بمواقف الدول الأوروبية من الحرب على غزة، بما قد يفتح الباب أمام مقاطعات متزايدة للصناعات الإسرائيلية.
في المقابل، مع الارتفاع الكبير في الصادرات الأمنية الإسرائيلية إلى أوروبا، شهدت الصادرات إلى أميركا اللاتينية وإلى آسيا تراجعًا ملحوظًا في عام 2024. فقد بلغت قيمة الصادرات الأمنية إلى آسيا عام 2023 نحو 6.3 مليار دولار، لكنها انخفضت في 2024 إلى 3.4 مليار دولار فقط. ويُعزى هذا التراجع أساسًا إلى صفقات ضخمة أُبرمت مع الهند وأذربيجان في عام 2023، ولم تتكرر في العام التالي. أما المبيعات الإسرائيلية إلى أميركا الشمالية عام 2024، فقد بقيت مستقرة عند نفس المستوى المسجّل في 2023، إذ شكّلت حوالي 9% من إجمالي الصادرات الأمنية، بقيمة بلغت 1.3 مليار دولار.
كما سُجّلت قفزة إضافية في مبيعات السلاح الإسرائيلية إلى دول “اتفاقيات أبراهام” (الإمارات العربية المتحدة، البحرين، المغرب، والسودان). فقد بلغ إجمالي المبيعات الأمنية إلى هذه الدول نحو 1.8 مليار دولار، أي ما نسبته 12% من مجمل الصادرات الأمنية. ورغم أن هذا الرقم يفوق حجم المبيعات المسجّل في عام 2023، إلا أنه يظل أقل بكثير من مستواها في عام 2022، السنة التي وُقّعت فيها الاتفاقيات، حيث وصل حجم الصفقات الأمنية حينها إلى نحو 3 مليارات دولار.
وتتوقع التقديرات أن يشهد عام 2025 ارتفاعًا إضافيًا في حجم الصادرات العسكرية والأمنية الإسرائيلية، في ضوء استمرار التوترات الإقليمية والدولية وتنامي الطلب في أسواق السلاح.
ماذا عن التجارة مع الدول العربية؟
قدّم تقرير “التجارة بين إسرائيل والدول العربية 2020” (ستاتيسكال رقم 188) الصادر عن دائرة الإحصاء المركزية صورة شاملة عن حالة التجارة البينية بين إسرائيل وعدد من الدول العربية. تناول التقرير تطوّر حركة السلع بين إسرائيل وأربع دول عربية هي: مصر، الأردن، المغرب، والإمارات العربية المتحدة، وذلك في ضوء “اتفاقيات أبراهام” الموقَّعة عام 2020.
وفقًا للمعطيات، بلغت قيمة الصادرات الإسرائيلية إلى الدول الأربع عام 2020 نحو 217 مليون دولار، في حين بلغت قيمة الواردات منها حوالي 416 مليون دولار، ما أسفر عن عجز تجاري قدره 199 مليون دولار.
تركّزت الصادرات الإسرائيلية في قطاعات الحواسيب والمعدات الإلكترونية والبصرية، والكيماويات ومنتجاتها، والآلات والمعدات الصناعية. أما الواردات من هذه الدول فتمحورت هي الأخرى حول الحواسيب والمعدات الإلكترونية والآلات، إضافة إلى المنتجات الغذائية.
التجارة مع مصر
بلغت قيمة الصادرات الإسرائيلية إلى مصر عام 2020 نحو 91.4 مليون دولار، مسجّلة انخفاضًا بنسبة 17.3% مقارنة بعام 2019. في المقابل، وصلت قيمة الواردات من مصر إلى 80.5 مليون دولار، بزيادة نسبتها 6.1%.
تركّزت الصادرات الإسرائيلية أساسًا في قطاع النسيج والكيماويات، بينما انحصرت الواردات المصرية في المنتجات الكيماوية والمواد الغذائية والأسماك.
التجارة مع الأردن
بلغت قيمة الصادرات الإسرائيلية إلى الأردن عام 2020 نحو 39.4 مليون دولار، مسجّلة تراجعًا حادًا بنسبة 60.3% مقارنة بعام 2019. في المقابل، بلغت قيمة الواردات من الأردن حوالي 210.2 مليون دولار، بانخفاض نسبته 28.1% عن العام السابق. وأسفر ذلك عن عجز تجاري لصالح الأردن بلغ 170.8 مليون دولار.شملت الصادرات الإسرائيلية إلى الأردن المركبات والمنتجات البلاستيكية والكيماويات، بينما تركزت الواردات الأردنية في المعادن الأساسية والإلكترونيات والكيماويات والمبرّدات.
التجارة مع المغرب
بلغت قيمة الصادرات الإسرائيلية إلى المغرب عام 2020 نحو 12.4 مليون دولار، مسجّلة زيادة لافتة بنسبة 217.9% مقارنة بعام 2019. في المقابل، بلغت قيمة الواردات من المغرب حوالي 10.2 مليون دولار، بزيادة نسبتها 4.1% عن العام السابق.
تركّزت الصادرات الإسرائيلية إلى المغرب في الكيماويات والطائرات وقطع الغيار، بينما انحصرت الواردات المغربية أساسًا في المنتجات الغذائية مثل الخضروات والأسماك والمعكرونة ومنتجات غذائية أخرى.
التجارة مع الإمارات
بلغت قيمة الصادرات الإسرائيلية إلى الإمارات عام 2020 نحو 74 مليون دولار، في حين بلغت قيمة الواردات من الإمارات حوالي 115 مليون دولار، ما أسفر عن عجز تجاري بلغ 41 مليون دولار.
تركّزت الصادرات الإسرائيلية بشكل أساسي في الألماس (55 مليون دولار)، تلتها الإلكترونيات وأجزاء الهواتف. أما الواردات من الإمارات فتمحورت بالأساس حول الألماس (39 مليون دولار) والهواتف (25 مليون دولار)، إضافة إلى البذور والزيوت والحبوب والمواد العطرية.
مثّلت التجارة مع الدول العربية الأربع المذكورة نسبة صغيرة نسبيًا من إجمالي التجارة الإسرائيلية، إلا أنها اكتسبت أهمية سياسية واقتصادية متزايدة بعد توقيع “اتفاقيات أبراهام” عام 2020. ويبيّن التقرير أن حجم التبادل التجاري بين إسرائيل وهذه الدول ظل محدودًا مقارنة بعلاقاتها مع شركائها الرئيسيين مثل الولايات المتحدة والصين والاتحاد الأوروبي. غير أن التطور اللافت تمثّل في دخول الإمارات والمغرب إلى دائرة الشركاء التجاريين لإسرائيل بعد 2020، إلى جانب استمرار العلاقات الاقتصادية مع مصر والأردن.
أما في عامي 2023 و2024، وبعد أحداث السابع من أكتوبر والحرب على غزة، فقد أظهرت معطيات دائرة الإحصاء المركزية ارتفاعًا في حجم التبادل التجاري بين إسرائيل وعدد من الدول العربية، وذلك على عكس المسار العام للصادرات الإسرائيلية التي تراجعت في تلك الفترة. ويُسجَّل هذا الارتفاع على نحو لافت عند مقارنته بمستويات التبادل التجاري المسجّلة في عام 2020.
مصر: ارتفعت الصادرات من 259 مليون دولار عام 2023 إلى 305 ملايين دولار عام 2024 (بنسبة نمو 18%)، كما ارتفعت الواردات من 182.7 مليون إلى 274.4 مليون دولار (زيادة 50%).
الأردن: زادت الصادرات من 76 مليون دولار إلى 108.3 مليون (نمو 43%)، بينما تراجعت الواردات بشكل طفيف من 371.8 مليون إلى 368.5 مليون (انخفاض طفيف بنسبة 1%).
المغرب: شهدت الصادرات ارتفاعًا من 62.5 مليون إلى 95.5 مليون (زيادة 53%)، بينما انخفضت الواردات من 16.2 مليون إلى 14.4 مليون دولار (تراجع 11%).
الإمارات: تراجعت الصادرات من 626.6 مليون إلى 500.8 مليون (انخفاض 20%)، في حين ارتفعت الواردات من 2,316.3 مليون إلى 2,753.3 مليون دولار (زيادة 19%).
البحرين: قفزت الصادرات من 3.4 ملايين إلى 6.3 ملايين دولار (زيادة 85%)، بينما شهدت الواردات قفزة هائلة من 8.1 ملايين إلى 102.2 مليون دولار (زيادة تفوق 12 ضعفًا).
المجموع الكلي: بلغت قيمة الصادرات الإسرائيلية إلى الدول العربية نحو 1,027.5 مليون دولار عام 2023، مقابل 1,015.9 مليون عام 2024 (تراجع طفيف بنسبة 1%). أما الواردات فارتفعت من 2,895.1 مليون إلى 3,512.8 مليون دولار (زيادة 21%).
تُظهر الأرقام توسعًا ملحوظًا في حجم التبادل التجاري مع بعض دول اتفاقات أبراهام، لا سيما الإمارات والبحرين، إلى جانب نمو في التجارة مع مصر والمغرب، مقابل تباطؤ نسبي في العلاقة التجارية مع الأردن. الزيادة في التبادل التجاري لا تمثل مجرد أرقام اقتصادية، بل تحمل في طياتها مؤشرات حول تنامي دمج إسرائيل في المنظومة الاقتصادية الإقليمية، على الرغم من استمرار إسرائيل في حرب الإبادة وسياسات التجويع في قطاع غزة وتوسيع الاستيطان في الضفة الغربية.
عن عرب 48