تخيلوا أنهم أطفالكم وأسرتكم !


اشترك معنا في قناة تلغرام: اضغط للاشتراك حمل تطبيق الملتقى الفلسطيني على آندرويد: اضغط للتحميل

أكلت لقمة في حدود الثالثة بعد الظهر، وأخبرت نائلة أنني بحاجة للراحة قليلاً ، فأنا أشعر بتعب عميق منذ بدء العدوان على أهلنا في غزة، فلا أكاد أنام أكثر من أربع ساعات ليلياً على مدار الليالي الثمانية عشر الماضية، بل إن ليلة أمس لم يغمض لي جفن في نوم عميق. حاجتي للراحة ضرورة كي أتمكن من استخدام عقلي في بعض المقابلات الاعلامية مع التلفزة العربية والصحافة الاجنبية. لم أضع نفسي على السرير بعد ، و إذ بنائلة تصرخ ولم أميز صرختها، خاتلت نفسي ربما مجد الذي اعتاد أن يتصل بنا في هذا التوقيت كي نتحدث مع حفيدي جود/ بشير . إلا أنني وخلال ثانية أدركت من الصراخ الذي بات عويلاً لم اعهده من نائلة سوى ليلة وفاة والدها، ولم تكن قد مضت على مغادرة بيته سوى وقت قليل. نهضت من السرير راكضاً نحوها وهي تبكي بينما كان يحدثها محمد ابن شقيقتها.
شو في … شو في .. شو في يا نائلة
مات ..مات هكذا اجابتني، وهي تبكي بحرقة من فقد عزيزاً
مين اللي مات مين يا نائلة
قصفوهم وقتلوهم يا الله يا الله
مين يا نائلة وين؟ شو؟
كان لسانها قد توقف على كلمة قتلوهم المجرمين.. قصفوهم وقتلوهم!
وهي تواصل تسمع محمد الذي يتحدث على الجانب الآخر
أخذت هاتفها عنوة وحاولت أن أُهدئ روعها


وأن أتحدث لمحمد : شو في يا عمو
لم أسمع سوى بكاءً ونحيباً من شاب كان دوماً مليئاً بالفرح والنكتة
شو يا عمو احكيني قلت له؛
رجاء اشرب ماء وغسل وجهك يا محمد
بالكاد نطق : مات ابراهيم أخوي وما بعرف شو صار في أهلي الذين قصف البيت على رؤوسهم.
حاولت عبثاً تهدأته
أرجوك يامحمد حبيبي ؛ هل أنت لوحدك، فمحمد غادر إلى تركيا لاكمال دراسته يوماً واحدا قبل الحرب
لم أسمع اجابته إلا بتكرار سؤالي أكثر من عشر مرات.
آه ياعم عندي صديقي.
اضطررت لاغلاق الهاتف لانه من الواضح منهار نفسياً ولا يستطيع الكلام من البكاء الذي يحمل ليس فقط الشعور بالفقد بل وبالخوف على والدته و والده وباقي أخوته وأخواته.
عدت أحاول تهدأة روع نائلة التي لم تعد قادرة على الكلام غارقة في بكاء وهي الانسانة القوية والتي طالما كانت قادرة على مواساة الجميع .
هدأ روع نائلة قليلاً، وامتلكت شجاعتها لتتصل بابنة أختها تسنيم .
وفجأة تنفجر مرة أخرى بالصراخ
شو في يا نائلة مالها تسنيم
وبدموع غطت وجهها وليس فقط عيونها
هذا مش بس ابراهيم كمان اخته سميّة طبيبة الاسنان قتلت بالقصف
البكاء والنحيب على جانبي الهاتف بين نائلة وتسنيم الصيدلانية.
كنت للتو تلقيت مكالمة من رغد، حيث أدركت أنها قد علمت بأن ابن خالتها قد استشهد . وفجأة سمعت رغد اسم تسنيم فبدأت تصرخ من على بعد آلاف الأميال، وكانها في بيت خالتها
شو كمان تسنيم يا الله يا الله
هدأت من روعها، ولم أجرؤ على اخبارها أن سمية هي التي قد استشهدت أيضاً.
فهؤلاء حميعاً كشقيقتها و من عمرها.
بكل ما لدي من صبر حاولت تهدأة روع نائلة ورغد.
وظل السؤال ماذا حل بباقي الأسرة رندة شقيقة نائلة زوجها الانسان اللطيف باسم باقي أطفال ابراهيم و زوجته وسمية وزوجها وأطفالهما .
تمر ثواني قليلة و إذ بنائلة تتحدث مع باسم
و يعود النحيب والبكاء
أخذت الهاتف من نائلة .
شو يا باسم شو صار
يا جمال قتلوهم جميعاً
مين ؟ كيف شو صار
قصفوا البيت الذي لجأنا له عند أختي في النصيرات. ذهبت للصلاة في المسجد ومعي حفيدي ابن بنتي .
عدت ووجدتهم جميعا قد استشهدوا


شو أخبار رندة؟ نجت من الموت وأصيبت بجراح لانها كانت على درج البيت ، حيث أرادت أن تطمئنه على واليّ في الطابق الأرضي.
يخيم الصمت كالصاعقة ونائلة تحبس دموعها
واسيت باسل المكلوم بابنه وزوجته وابنته وزوجها وأطفالهما وشقيقتيه ووزوجيهما وأطفالهما.
سقط كل الكلام بل لم يعد للحياة قيمة
اثنى عشر ضحية من بين سبعمائة ضحية من صباح هذا اليوم الذي لم ينتهي بعد .
هذا نموذج من حرب الابادة على حياة الانسان والعائلات في غزة الذي يقتلون على مدار الساعة بل كل دقيقة في محزرة ابادة مفتوحة بدم بارد فقط لانهم فلسطينيين.
نتانياهو الهارب من التاريخ والذي بعد كل حروب الاحتلال على شعبنا منذ النكبة، لم يفلح في الغاء التاريخ و فلسطين و جذور الفلسطينين الضاربة في أرضها . فيقرر اعلان حرب الابادة على غزة وأهلها امحوها من الجغرافيا بتدمير بيوتها على ساكنيها حتى يُهجَّروا بالقوة القاتلة والدامية .لان غزة التي كلما حاولوا تغييب فلسطين تنهض لتستعيد فلسطينيتها والوطنية الفلسطينية التي كادتا أن يغيبا في صراع الاخوة الاعداء ، لتضع قضية شعبنا وحقه في العدالة والحرية والكرامة وانهاء الاحتلال وممارسة حقه في تقرير المصير على جدول الأعمال غصبن عن عالم النفاق والانحياز والموت ..
غزة تتحدى الموت وآلة الدمار وستحظى بحرية فلسطين والحياة لأطفالها كما لكل أطفال شعوب العالم

اشترك معنا في قناة تلغرام: اضغط للاشتراك

حمل تطبيق الملتقى الفلسطيني على آندرويد: اضغط للتحميل

Author: جمال زقوت

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *