تجريم القيادات الفلسطينية في الداخل

تشكّل الملاحقات الجنائية والأحكام القضائية الأخيرة بحق القيادات السياسية الفلسطينية في الداخل مؤشرًا واضحًا على تصاعد سياسة إسرائيلية ممنهجة تستهدف تجريم العمل السياسي الفلسطيني. ويأتي ذلك في ظل استخدام واسع لقانون مكافحة الإرهاب لعام 2016، الذي بات أداة لتقييد الحقوق والحريات الأساسية، بما في ذلك حرية التعبير، وحرية التنظيم، والحق في التظاهر. من خلال تفسيرات فضفاضة وتمييزية لأحكام هذا القانون، تواصل السلطات الإسرائيلية ملاحقة القيادات الفلسطينية بسبب مواقفها السياسية وأنشطتها الاجتماعية، ما يفضي إلى الاعتقال، والاحتجاز المطول، والملاحقات الجنائية ذات الدوافع السياسية، ويحول حرية التعبير المشروعة إلى أساس للتجريم.
 
في مواجهة هذه النهج، يدافع مركز عدالة عن حرية التعبير من خلال توفير التمثيل القانوني في مختلف مراحل الإجراءات، بدءًا من الاعتقال والاستجواب، مرورًا بتقديم لوائح الاتهام والمحاكمات الجنائية، ووصولًا إلى الطعن في هذه الأحكام الجائرة. تكشف هذه القضايا، في مجملها، عن سياسة إسرائيلية قائمة على التطبيق الانتقائي للقانون، تُستخدم لإسكات القيادات والنشطاء وترهيب المشاركة السياسية، وقمع الحق في انتقاد السياسات الحكومية والمطالبة بالعدالة في مختلف مجالات الحياة العامة. تسلط هذه النشرة الضوء على أبرز المستجدات في عدد من القضايا التي يتولى مركز عدالة الترافع فيها دفاعًا عن القيادات والنشطاء.

جبارين وخليفة: هتافات في أول مظاهرة ضد الحرب 

أصدرت محكمة الصلح في حيفا في 23 حزيران 2026 حكمها بحق المحامي أحمد خليفة عضو مجلس بلدية أم الفحم، والقيادي في الحراك الفحماوي محمد طاهر جبارين، بعد تبرئتهم من تهمة التحريض المباشر وإدانتهما بتهمتي التحريض غير المباشر والتماهي مع منظمة مصنفة كإرهابية. قضت المحكمة باحتساب فترة اعتقالهما السابقة ضمن العقوبة من دون فرض عقوبة سجن فعلية مكتفية بفرض غرامة مالية وعقوبة سجن مع وقف التنفيذ. وكان خليفة وجبارين قد اعتُقلا في 19 تشرين الأول 2023 عقب مشاركتهما في مظاهرة سلمية مناهضة للحرب في مدينة أم الفحم، نُظمت إثر المجزرة التي ارتُكبت في المستشفى الأهلي المعمداني في غزة. كانت هذه أول مظاهرة تُنظّم في البلاد احتجاجًا على الحرب على غزة.  ووُجهت إليهما لوائح اتهام بموجب قانون مكافحة الإرهاب، تضمنت تهمتي التحريض على الإرهاب والتماهي مع منظمة مصنفة كإرهابية، على خلفية قيادتهما هتافات احتجاجية وترديد شعارات تقليدية لطالما رُددت في المظاهرات في الداخل. اعتبرت المحكمة أن فترة الاعتقال التي سبقت المحاكمة (أربعة أشهر بالنسبة لخليفة وثمانية أشهر بالنسبة لجبارين) تشكل العقوبة الكافية، الأمر الذي حال دون فرض عقوبة سجن فعلية إضافية.
 
تُعدّ هذه القضية سابقة خطيرة  لتجريم هتافات احتجاجية تاريخية. فرغم أن طاقم الدفاع قدم شهادات خبراء وشهود، إلى جانب تسجيلات مصوّرة تثبت أن هذه الهتافات لا تمت بصلة إلى أحداث السابع من تشرين الأول وإنما هي هتافات تقليدية رُدّدت في المظاهرات الفلسطينية منذ سنوات طويلة قبل تلك الأحداث، خلصت المحكمة أنها تشكل دعمًا لمنظمات وأعمال تصنّف إرهابية، لمجرد أنها رُدّدت بعد السابع من تشرين الأول 2023، من دون أن تعير تلك الوقائع أي اعتبار.

الشيخ كمال خطيب: المحكمة ترفض طلب النيابة بفرض السجن الفعلي المطول

صدرت محكمة الصلح في الناصرة في 20 تموز 2026 حكمها بحق الشيخ كمال خطيب بعد تبرئته من تهمة التماثل مع منظمة إرهابية وإدانته بتهمتي التحريض على العنف والتحريض غير المباشر على الإرهاب، على خلفية منشورين على وسائل التواصل الاجتماعي وخطاب ألقاه في ذكرى النكبة. تناولت هذه المنشورات عنف الشرطة الإسرائيلية في يافا والمسجد الأقصى، إلى جانب اعتداءات مجموعات عنصرية على المصلين الفلسطينيين. رفضت المحكمة طلب النيابة العامة فرض عقوبة سجن فعلية تتراوح بين 30 و50 شهرًا، وقضت بدلًا من ذلك بتسعة أشهر من الخدمة لصالح الجمهور، إضافة إلى غرامة مالية وعقوبة سجن مع وقف التنفيذ. إلا أن الإدانة بحد ذاتها، بسبب تصريحات تندرج في صميم حرية التعبير المصانة دستوريًا، تشكل مظهرًا واضحًا من مظاهر الاضطهاد السياسي. سيستأنف مركز عدالة ومؤسسة ميزان في الناصرة على هذا الحكم.
 
عقب صدور الحكم، هاجم وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير المحكمة على منصات التواصل الاجتماعي، وواصل تحريضه ضد الشيخ كمال خطيب، مطالبًا بفرض عقوبة أشد، في خطوة تعكس الدوافع السياسية الكامنة وراء ملاحقته.

ادانة القيادي رجا اغبارية بتهم التحريض: جلسة النطق بالعقوبة في 8 أيلول 2026

أدانت محكمة الصلح في حيفا، في 13 تشرين الثاني 2025، المربّي رجا إغبارية، العضو السابق في لجنة المتابعة العليا للجماهير العربية والأمين العام السابق لحركة أبناء البلد، بتهمتي التحريض على الإرهاب والتماهي مع منظمة مصنفة كإرهابية. وذلك على خلفية عشرة منشورات نشرها على موقع فيسبوك بين عامي 2017 و2018. وخلال المحاكمة التي استمرت ثماني سنوات، أكد مركز عدالة أن الملاحقة ذات دوافع سياسية، وأثبت أن النيابة اعتمدت ترجمات محرّفة من العربية إلى العبرية جرّدت المنشورات من سياقها السياسي. ومن المقرر أن تُعقد جلسة النطق بالعقوبة في قضيته بتاريخ 8 أيلول 2026.
 
وبالتوازي مع سير الإجراءات الجنائية، صعّدت السلطات ملاحقتها للمربّي رجا إغبارية، إذ أعادت اعتقاله في 9 نيسان 2025، وهو في الثالثة والسبعين من عمره، وأخضعته للاعتقال الإداري لمدة أربعة أشهر، من دون توجيه أي تهمة أو تقديمه للمحاكمة، بحجة استنادها إلى موادٍ سرية. وخلال فترة احتجازه، تعرض إغبارية لظروف قاسية شملت الحبس الانفرادي، والعنف الجسدي مما أدى إلى كسر ساقه، والحرمان من الرعاية الطبية الملائمة، الأمر الذي استدعى تدخلًا قانونيًا عاجلًا من مركز عدالة.

قضايا أخرى لا تزال قيد المحاكمة

لا تقتصر هذه الملاحقات على القضايا السابقة إذ يتولّى مركز عدالة أيضًا الدفاع عن عدد من القيادات والنشطاء. ومن بين هذه القضايا، قضية السيد محمد كناعنة، قيادي في حركة أبناء البلد الذي اعتُقل في حزيران 2021 عقب مشاركته في مظاهرة في حي الشيخ جراح الواقع شرقي مدينة القدس، وذلك في أعقاب محاولات تهجير جديد لعائلات فلسطينية لاجئة من الحي. خلال كلمته في المظاهرة، دعا كناعنة عناصر الشرطة العرب إلى إنهاء خدمتهم في صفوف المؤسسة العسكرية والشرطية الإسرائيلية.

ورغم إقرار المحكمة بأن مضمون الخطاب لا يُرجح أن يرقى إلى مستوى المخالفة الجنائية، استمر احتجاز كناعنة لأكثر من شهر. وفي الأول من تموز 2021، قدّمت النيابة العامة لائحة اتهام ضده نسبت إليه فيها تهم دعم منظمة إرهابية والتحريض، مستندة إلى خطابه وإلى عشرين منشورًا على موقع فيسبوك، تضمنت، من بين أمور أخرى، الترحيب بالإفراج عن أسرى فلسطينيين، والدعوة إلى النضال المشروع ضد الاعتقالات الإدارية. ولا تزال محاكمته مستمرة.

وفي قضية أخرى، يتولّى مركز عدالة، إلى جانب مؤسسة ميزان في الناصرة، الدفاع عن الشيخ الدكتور عكرمة صبري، إمام المسجد الأقصى السابق والمفتي العام السابق للقدس. ويواجه الشيخ، البالغ من العمر 87 عامًا، تهمة التحريض على الإرهاب على خلفية تصريحات نُسبت إليه خلال زيارات لتقديم واجب العزاء، وفي خطب دينية ألقاها أمام المصلين. ورغم أن القضية لا تزال في مراحلها الأولى فإن ملاحقة مثل هذه التصريحات الدينية الاعتيادية تمثل تصعيدًا خطيرًا في تجريم حرية التعبير.

تؤكد هذه القضايا أن ملاحقة القيادات الفلسطينية أصبحت جزءًا من نهج يعتمد توظيف القانون الجنائي وقوانين مكافحة الإرهاب لتجريم الخطاب السياسي الفلسطيني وإخضاعه للملاحقة القضائية. وفي الوقت نفسه، يواصل مسؤولون وشخصيات يهودية إسرائيلية، بمن فيهم مسؤولون حكوميون وقيادات سياسية رفيعة، التحريض علنًا على جرائم خطيرة، بما في ذلك الدعوة الصريحة إلى الإبادة الجماعية في غزة، من دون أن يواجهوا أي مساءلة قانونية، بما يعكس سياسة واضحة من التطبيق الانتقائي والتمييزي للقانون.

للاستفاضة في فهم السياق القانوني والسياسي لهذه القضايا، استمعوا إلى حلقة بودكاست “الميدان” مع المحامية هديل أبو صالح من مركز عدالة، والتي تتناول التحولات في تعامل المحاكم الإسرائيلية مع الفلسطينيين، ودور القضاء في ملاحقة حرية التعبير والعمل السياسي منذ تشرين الأول 2023. وتقدم الحلقة قراءة معمّقة لكيفية توظيف القانون والمؤسسة القضائية في تجريم النشاط السياسي الفلسطيني وتقييد الحقوق والحريات الأساسية. 

عن مركز عدالة

About The Author

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *