تجديد النقاش حول طبيعة إسرائيل

في نقاش طبيعة إسرائيل، سواء في الصراع أو في التسوية معها، ثمة العديد من المحددات الموضوعية، وبالأحرى الحقائق، التي لا يمكن القفز عنها، علما أن حديثنا عن الصراع هنا يأخذ في الاعتبار الطابع الاستخدامي له من قبل بعض الأنظمة، التي تذرّعت به لتعزيز شرعيتها ومكانتها في السلطة إزاء شعبها ولتعزيز نفوذها الإقليمي، وأن حديثنا عن التسوية يميّز بينها وبين السلام، لأن للسلام معاييره، ومرجعياته، التي تتأسس على الندية والتكافؤ، وعلى الحقيقة والعدالة، ولو النسبية، وعلى تقديم كل طرف التنازلات من جهته للقاء الطرف الآخر في حلّ وسط تاريخي.

مثلا، فإن الحاصل في اتفاق أوسلو مع الفلسطينيين وفي غيره من الاتفاقيات، أنها تأسست على حقائق القوة والأمر الواقع، وضغط المعطيات الخارجية، التي تتفق ومصالح إسرائيل، وبالنتيجة فنحن في اتفاق أوسلو إزاء اتفاق مجحف ومهين، وبرغم كل ذلك فإن إسرائيل لم تقدم الاستحقاقات المطلوبة منها ومازالت تعتبر أن فلسطين التاريخية، أو ما تعتبره هي “أرض إسرائيل الكاملة” ملكا خاصا لها، منحه “الربّ” لشعبه المختار، وهو ما شرعه الكنيست الإسرائيلي في قانون وضعي قبل عامين، باعتباره إسرائيل دولة قومية للشعب اليهودي، في تغليب طابعها كدولة يهودية على طابعها كدولة ديمقراطية، وفي تقنين مكانة الفلسطينيين من مواطنيها في درجة ثانية.

القصد من هذه المقدمة، أولا، التأكيد بأن إسرائيل عصية على التسوية، بل وعصية على التطبيع، بمعنى أنها تمانع وتعاند التحول إلى دولة عادية، بدليل أنها بعد سبعين عاما لم تطبع مع مواطنيها الفلسطينيين، ولا يبدو أنها مستعدة للتطبيع مع محيطها العربي، بدليل رفضها للمبادرة العربية للسلام، التي طرحت منذ قرابة عقدين، وبدليل أنها لم تقدم الاستحقاقات المطلوبة للفلسطينيين، حتى في الحل الانتقالي بموجب اتفاق أوسلو، بعد ربع قرن على توقيعه.

هذا يبين أن إسرائيل هي التي تضيع الفرص، فهي ضيعت فرصة تسوية مع الفلسطينيين، الذين طرحوا منذ قرابة نصف قرن فكرة إقامة دولة لهم في 22 في المئة من أرضهم التاريخية، وهي التي أطاحت باتفاق أوسلو منذ عشرين عاما (وفقا لما طرحته في مؤتمر كامب ديفيد 2 لعام 2000)، وهي التي ضربت عرض الحائط بمبادرة الملوك والرؤساء العرب في مؤتمر قمة بيروت (2002).

وفي الواقع فإن الحركة الصهيونية منذ قيامها أضاعت فرصا عديدة، فهي رفضت الكتاب الأبيض لعام 1922، والكتاب الأبيض لعام 1939، لرفضها أي تمثيل فلسطيني، كما أنها رفضت القرار 237 الذي أصدرته الجمعية العامة للأمم المتحدة والذي اعترفت بموجبه بإسرائيل شرط تطبيقها القرارين الأمميين 181 الخاص بالتقسيم والقرار 194 الخاص بحق العودة للاجئين، وقد وافقت إسرائيل، في حينه، على هذين الشرطين لكنها لم تنفذ أيا منهما.

ويمكن إحالة رفض إسرائيل لـ”السلام” وتطبيع وضعها في المنطقة، بالتحول إلى دولة عادية، إلى أسباب عديدة أهمها:

أولا، إدراكها لذاتها، كدولة قامت في ظروف خاصة، على خلاف الدول الأخرى، فهي نشأت من نقطة الصفر بالنسبة لعلاقة الدولة مع الشعب والأرض، إذ أن الدولة كانت وليدة الحركة الصهيونية، التي أتت بالشعب (اليهودي) عبر الهجرة والاستيطان، إذ كان عدد سكان فلسطين من اليهود حوالي 2 في المئة (1920)، وأصبح في العام 1948، أي لحظة قيام إسرائيل، حوالي 30 ـ 35 في المئة، وكل ذلك حصل ليس نتيجة التكاثر، أو التطور الطبيعي وإنما عبر الهجرة والاستيطان، السياسيين، أما في ما يخص العلاقة مع أرض فلسطين فيمكن الإشارة إلى أن ملكية اليهود، لحظة إقامة إسرائيل، كانت لا تتعدى 5 ـ 7 في المئة من أرض فلسطين، جزء كبير منها قدم كمنح من حكومة الانتداب، والجزء الآخر كشراء من كبار ملاك الأراضي فلسطينيين وسوريين ولبنانيين.

ثانيا، لقد قامت إسرائيل بوسائل القوة، وبالاعتماد على دعم الدول الاستعمارية لها، على حساب أهل الأرض الأصليين، فما يميزها أنها دولة استعمارية واستيطانية وعنصرية، لذا فهي تغذي عصبيتها تلك، إزاء اليهود وفي العالم، بادعاء أنها موجودة في محيط دول عربية غير ديمقراطي، يتوخّى محوها عن الوجود، وتلك هي الفكرة المؤسسة للهوية الإسرائيلية، ولصعود اليمين القومي والديني فيها، علما أن تلك الفكرة تتناقض، ولو شكلا، مع الفكرة الأخرى الموجهة للرأي العام الغربي باعتبار أن إسرائيل مجرد ضحية في هذا المحيط العربي، في حين أن إسرائيل، كما نعلم، هي التي ظلت تشكل تهديدا عسكريا للدول المجاورة، وهي التي تتعامل بوسائل القوة مع الفلسطينيين.

ثالثا، حتى الآن، لا يوجد لإسرائيل دستور (ثمة قوانين أساس بمكانة دستورية)، وهي دولة لم تعرف حدودها الجغرافية والبشرية بعد، على خلاف دول العالم، إذا استثنينا اعتبارها أن “أرض إسرائيل الكاملة” هي “أرض الميعاد”، في حين أن حدودها البشرية تصل إلى أي يهودي في أي بلد من بلدان العالم، والمعنى من ذلك أنها دولة أيديولوجية، ودينية، وتقوم مرجعيتها الدنيوية على أسطورة دينية، وتلك حالة شاذة في قيام الدول في العصر الحديث.

رابعا، تقدم إسرائيل ذاتها للغرب باعتبارها ضحية سواء للهولوكوست، ما يفترض من الغرب استمرار دعمه لها للتكفير عن المظالم التي ارتكبت بحق اليهود في أوروبا، أو كضحية للعداء العربي لها، لذا فإن التحول إلى دولة عادية يضر بالصورة التي تحاول ترويجها لتعزيز التعاطف معها في الغرب، والإبقاء على اعتبارها كجزء من الغرب في الشرق.

الخلاصة من كل ذلك أن التطبيع، أو “السلام”، الذي تتوخّاه إسرائيل، يمكن إيجازه بتسوية وضعها، أي الاعتراف بها، وبحقها في الوجود، وبروايتها التاريخية، وإقامة علاقات تعاون معها في مجالات البنى التحتية والتجارة وفي المجال الأمني، وطمس حقوق الفلسطينيين، ما يحفظ لها الحفاظ على طابعها كدولة يهودية (استعمارية واستيطانية وعنصرية ودينية)، وهذا أمر يتناقض مع السلام الحقيقي الذي يقوم على التكافؤ وعلى الحقيقة والعدالة.

(المصدر: العرب)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *