بِيَدٍ أتوكأ على عصاي

بِيَدٍ أتوكأ على عصاي، وباليد الأخرى أجر عربة الخضار.

.. ليس لي يد ثالثة لأحمل مظلة تقيني المطر.

أستخدم المواصلات العامة، الحافلة والمترو. لا سيارة لدي تقلني ولا حصان يحملني، أحمل على كاهلي 68 عاماً، وفي قدمي 60 شظية، من الأعداء.. الحمد لله!

لا بأس، المهم أنني، كما قالت لي أمي وهي تتأمل وجهي المشوه الدامي وأنا مصاب في فمي ورقبتي وقدمي، في “مشفى عالية” في الخليل في 5 حزيران عام 1969وعمري 17 عاماً، بعد أن طعنتُ 3 جنود إسرائيليين بسيخ كباب صنعته في مدرسة الأمير محمد الإعدادية:

– معلش يما، المهم إنك عايش!

.. والمهم أنني أتكلم وأمشي.

فَرِحاً من تساقط ماء السماء عليَّ. فَرِحاً فَرَحَ سجين سابق.

ما دام الماء ليس فيضاناً يجرفك، وليس ماءً بارداً يهيلونه عليك في ليالي الشتاء، بينما يستجوبونك وراء القضبان، فهو ماء خير.

.. السماء فوقي كاملة.

نحن الأسرى، كنا نشعر بالغضب والتعاسة حين كنا ندور في باحة سجن الخليل الصغيرة التي على شكل مستطيل على جوانبه أربعة جدران عالية، ننظر فوقنا فنرى قطعة صغيرة من السماء، قطعة على شكل مستطيل.

ها أنا الآن في منفى جديد، في أحد شوارع تولوز الفرنسية، في نعمة يغبطني عليها كثيرون، أسير بلا قيود ولا سجان، في الهواء الطلق، بِيَدٍ أتوكأ على عصاي، وباليد الأخرى أجر عربة الخضار، يسّاقط عليّ ماء السماء.

.. السماء فوقي كاملة!

البرد لا يزعجني، قدمي التي تستوطنها الشظايا منذ خمسين عاماً، يناسبها البرد أكثر..

في حر الصيف، أو عندما أكون قرب مدفئة، تسخن الشظايا وتتحرك، فتلسعني كالكهرباء.. نعم، البرد يناسب قدمي العزيزة، كما أنني أفضل الشتاء، فيه أكون أكثر نشاطاً.

أستعين بعصاي في كل الفصول، وليس لي فيها مآرب أخرى..

.. عصاي هي قدمي الثالثة!

أحب قدمي وأحترمها، ولا أخجل من ذلك. في لحظات حرجة وخاصة أُقْسِمُ بها. هي زميلتي ورفيقتي وصديقتي، بيننا عِشرة ورحلة عمر وصمود، رافقتني في السجون والمنافي، في السراء والضراء، تفهمني وتتحملني. بعد 14 عملية جراحية ما زال وضعها “أفضل من الوضع السياسي”، وما زالت تواسيني: احمد ربك أنه رصاص الأعداء. وعندما تراني شارداً مهموماً، تقول لي: بسيطة يا أبو شْريك، بعد الشدة الفرج.

هذه الشظايا، رفيقتي حتى القبر، ترسل إلى رأسي، من حين لآخر، رسائل ساخنة: هيه.. أنت يا رجل.. انتبه!

.. أنا رجل لا ينسى!

ماء السماء يسَّاقط عليَّ، ولا مظلة في يدي.

.. السماء مظلتي.

Author: عدنان جابر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *