بُنية السيطرة والهيمنة الإسرائيلية على المسجد الأقصى وأشكالها بعد حرب السابع من تشرين الأول/ أكتوبر 2023

ملخص

لا يكاد يمضي يوم من أيام القدس منذ السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023 إلا ويتعرض المسجد الأقصى لانتهاكات إسرائيلية متتالية ومتزايدة ومتعددة الأشكال والأدوات. وتسعى إسرائيل، عبر ذراعها التنفيذي المتمثل في الشرطة الإسرائيلية وبدعم من وزراء متطرفين في حكومتها، من وراء هذه الانتهاكات إلى تغيير الوضع الراهن في المسجد الأقصى، وذلك بعد أن نجحت في فرض هيمنتها وسيطرتها على محيطه القريب.

لقد عملت إسرائيل، منذ احتلال مدينة القدس عام 1967، على تغيير المشهد العمراني المحيط بالمسجد الأقصى، ولا تزال هذه الأعمال مستمرة حتى الآن، بوتيرة متصاعدة وتراكمية وممنهجة، لتسهيل عملية الهيمنة على المسجد الأقصى بوجه خاص، وعلى المشهد العمراني العربي والإسلامي في المدينة بوجه عام. وعلى الرغم من محدودية المعطيات المكتوبة فيما يتعلق بهذه الانتهاكات في المصادر المتنوعة، باستثناء بعض التقارير الإخبارية الصحافية، فإن الباحثين من أبناء المدينة المختصين بتاريخ القدس وشؤونها قادرون على رصد السياسات الممنهجة التي تتبعها إسرائيل منذ السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023، وما تنفذه من إجراءات تستهدف تغيير الوضع الراهن في المسجد الأقصى ومحيطه القريب.

وتعتمد بيانات هذه الدراسة على المشاهدات اليومية الميدانية في هذه الفترة، التي تُظهر أن الحكومة الإسرائيلية ووزراءها المتطرفين يسعون إلى الهيمنة والسيطرة على الفضاء الثقافي الديني للمسجد الأقصى وتغيير وضعه التاريخي والقانوني. وتنفذ هذه الانتهاكات من خلال أدوات عدة، في مقدمها الشرطة الإسرائيلية التي تلعب دوراً رئيسياً في تنفيذ هذه السياسات. ويبرز ذلك في التواجد الكثيف للشرطة على أبواب المسجد، والتضييق على المصلين المسلمين أثناء دخولهم، والتدخل في شؤون إدارته من خلال اعتقال موظفي الأوقاف، من حراس ومصورين وإداريين، وإبعاد بعضهم عن المسجد، إلى جانب تسهيل دخول المقتحمين اليهود المتطرفين إلى ساحاته، ورعايتها لصلواتهم وممارساتهم التلمودية، وتشجيع دخولهم بأعداد كبيرة، فضلاً عن التلاعب في أوقات دخول غير المسلمين، وفرض إغلاق المسجد بذريعة “حالة الطوارئ”، وغيرها من الإجراءات التي ساهمت مجتمعة في تعزيز السيطرة الإسرائيلية على المسجد الأقصى.

تقدم هذه الورقة رصداً موسعاً للسياسات الإسرائيلية تجاه المسجد الأقصى بعد السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023، مبينة كيف تحول “الوضع القائم” لمصلحة إسرائيل عبر أدوات أمنية وإدارية ودينية. كما تكشف عن تصاعد السيطرة الشرطية، وتهميش الأوقاف الأردنية، وتكريس الطقوس التلمودية اليهودية كجزء من المشهد اليومي في المسجد الأقصى.

لمحة تاريخية

بالرغم من أن موضوع هذه الورقة هو الانتهاكات الإسرائيلية للمسجد الأقصى منذ السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023 وحتى مطلع أيلول/سبتمبر 2025، فإنه من المفيد التذكير بتاريخ الانتهاكات الإسرائيلية الممنهجة للمسجد الأقصى ومحيطه في الفترة التي سبقت السابع من أكتوبر 2023، إذ إن محيط المسجد في معظمه وقفٌ له، ولا يمكن فصل الانتهاكات التي ترتكبها إسرائيل في هذا المحيط عن تلك التي يتعرض لها المسجد نفسه.

والمقصود بالمسجد الأقصى مكانياً تلك المساحة التي تغطي 144 دونماً (144,000 م²)، وتشمل الجامع القبلي وجميع الأبنية في الجهة الجنوبية، وقبة الصخرة والقباب المحيطة بها، والمساطب والأروقة، والجدران المحيطة بهذه المساحة وما تتضمنه من بوابات. وقد بدأت ملامح هذه المساحة بالتشكل منذ فتح القدس سنة 638 م، ثم بناء قبة الصخرة عام 692 م في عهد عبد الملك بن مروان (685-705 م)، وإعادة بناء الجامع القبلي في عهد ابنه الوليد (705-715 م). وظل المسجد الأقصى عبر التاريخ وحتى اليوم مكاناً عربياً إسلامياً مقدساً، باستثناء فترة الاحتلال الفرنجي للقدس (1099-1187 م). فهذا المكان مُعلن منذ أكثر من 1400 عام أنه القبلة الأولى للمسلمين، وموقع الإسراء والمعراج، وإليه يشد المسلمون الرحال كما يشدونها إلى المسجد النبوي في المدينة والمسجد الحرام في مكة.[1] وبالتالي، فإن الوضع التاريخي والديني للمسجد الأقصى هو المرجعية التي يجب أن يقوم عليها الوضع الراهن، بما يمنح الجهة القائمة على إدارته الشرعية التاريخية والدينية. ومن أبرز القضايا الخطرة التي تمس الوضع التاريخي والديني والثقافي والاجتماعي للمسجد الأقصى انتهاك حرمته الدينية العربية الإسلامية، وإقامة الصلوات التلمودية في ساحاته. وقد حُظر على غير المسلمين أداء الصلاة في المسجد الأقصى، كما يشترط لدخولهم إليه الحصول على موافقة دائرة الأوقاف الإسلامية الأردنية في القدس.[2] أمّا محيط المسجد الأقصى، فهو يشمل الأماكن والمناطق المرتبطة به والملاصقة لجدرانه، مثل حارة المغاربة، ومنطقة القصور الأموية، وساحة الجدار الغربي للمسجد الأقصى (ساحة البراق)، ومقبرة باب الرحمة، ورباط كرد، وباب المغاربة، والمدرسة التنكزية، والممرات المؤدية إلى بوابات المسجد الأقصى وساحاته.

إن الانتهاكات الصهيونية للمسجد الأقصى ومحيطه قديمة، وقد وقعت في فترات مبكرة من تاريخ القدس الحديث. ولا يمكن في هذه الورقة سرد تاريخ تلك الانتهاكات كلها، لكن يمكن الإشارة إلى أن بدايتها كانت في ساحة البراق خلال فترة الانتداب البريطاني عام 1928.[3] وبعد احتلال المدينة سنة 1967، عملت إسرائيل ولا تزال حتى اليوم على هندسة المشهد الثقافي والديني في المحيط القريب من المسجد الأقصى، من خلال تغييرات ممنهجة موجهة إلى ماهية هذه الأماكن وصورتها الثقافية والدينية.

فقد بدأت إسرائيل مباشرة بعد الاحتلال سنة 1967 بتدمير حارة المغاربة لتوسعة الساحة الملاصقة لجدار المسجد الأقصى الغربي (ساحة البراق/المبكى) ،[4] وشرعت في سنة 1968 في إجراء تنقيبات أثرية في الجهة الجنوبية، وهي ما زالت مستمرة حتى اليوم بمحاذاة الجدران الجنوبية في منطقة القصور الأموية، والجنوبية الشرقية عند البوابات المغلقة في جدار المسجد الأقصى الجنوبي (الحرم المرواني)، والجنوبية الغربية في منطقة باب المغاربة وساحة البراق،[5] بالإضافة إلى الأنفاق التي ما زالت تُفتح من سلوان باتجاه المناطق الملاصقة للجدران الجنوبية والغربية للمسجد الأقصى.[6] وقد أوكلت إسرائيل إدارة هذه التنقيبات إلى منظمات دينية متطرفة، ففتحت فيها الكنس اليهودية والمتاحف.[7] وتسلط هذه الورقة الضوء على الانتهاكات الإسرائيلية المتصاعدة منذ السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023 وحتى مطلع أيلول/سبتمبر 2025، وعلى الأدوات التي تستخدمها إسرائيل والسياسات التي تنفذها لتغيير الوضع الراهن وفرض الهيمنة والسيطرة على المسجد الأقصى، علماً بأن جزءاً من هذه الانتهاكات ليس سوى استمرار وتصعيد وتكثيف للانتهاكات السابقة.

سياسات إسرائيلية ممنهجة موجهة لتغيير الوضع الراهن

تصاعدت انتهاكات سلطات الاحتلال الإسرائيلية والجماعات اليهودية المتطرفة للمسجد الأقصى منذ السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023 بشكل غير مسبوق، إذ يقود هذه الانتهاكات وزراء في الحكومة الإسرائيلية يصرحون علناً بأن الهدف هو تغيير الوضع التاريخي والثقافي والديني والقانوني القائم للمسجد الأقصى، وفرض واقع جديد يعكس تطلعات الحكومة الإسرائيلية في السيطرة الشاملة عليه وإدارته، فيما يُعرف بفرض “السيادة الإسرائيلية”، أو تحقيق تطلعات الجماعات الصهيونية الدينية المتطرفة في إعادة بناء الهيكل المزعوم. ويمكن لأي مقدسي يعيش في المدينة ملاحظة هذه التحولات المتواترة في السياسات الممنهجة التي تتبعها الحكومة الإسرائيلية لفرض الهيمنة والسيطرة على المسجد الأقصى منذ اندلاع الحرب في السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023.

التواجد الكثيف للشرطة الإسرائيلية في المسجد الأقصى وتحويله إلى ثكنة عسكرية

يلاحظ المقدسيون والقادمون للصلاة في المسجد الأقصى من المدن الفلسطينية الأُخرى التحولات في بنية السيطرة والهيمنة على المسجد منذ تشرين الأول/أكتوبر 2023. فقد شهد المسجد الأقصى ومحيطه حضوراً كثيفاً للشرطة الإسرائيلية، وتحولت المنطقة في هذه الفترة إلى ثكنة عسكرية تعج بأفراد الشرطة والقوات الخاصة وحرس الحدود المدججين بالسلاح داخل ساحات المسجد، وبين المصلين، وعلى أبوابه. ويمثل هذا التواجد الأمني شكلاً من أشكال التحولات في سياسات الحكومة الإسرائيلية تجاه المسجد الأقصى وإدارته والمصلين المسلمين.

كما ساهمت الحكومة الإسرائيلية في زيادة عدد أفراد الشرطة المنتشرين في الطرق المؤدية إلى المسجد الأقصى وعند أبوابه، حيث نصبت الحواجز لتفتيش المصلين وتقييد دخولهم، وفي الممرات المؤدية إلى أبواب المسجد وفي المناطق المطلة على ساحاته ركبت كاميرات فائقة الدقة لمراقبة المصلين والزوار المسلمين في أثناء سيرهم في الطرق المؤدية إلى المسجد أو عند دخولهم ساحاته. ويُراد من هذه الإجراءات تحقيق ما يلي:

  1. فرض السيطرة الأمنية على المسجد الأقصى والتدخل بالقوة في إدارته، بوصف ذلك شكلاً من أشكال فرض السيادة الإسرائيلية عليه، والحد من أي نشاط ديني أو ثقافي أو اجتماعي داخله.
  2. منح الشعور بالأمان للمقتحمين المتطرفين في المسجد والطرق المؤدية إليه.
  3. تعزيز شعور المصلين ورواد المسجد الأقصى الفلسطينيين بأنهم تحت المراقبة الدائمة، وزرع الخوف في نفوس المصلين والموظفين، بما يؤدي إلى ترددهم في ارتياد المسجد، وبالتالي إفراغه من أهله وإبراز الهيمنة اليهودية.

ويظهر للعيان في القدس التواجد المكثف للشرطة الإسرائيلية، وهي تنفذ سياسات موجهة يقودها وزراء في الحكومة وأعضاء كنيست متطرفون، على رأسهم وزير الأمن الداخلي المتطرف إيتمار بن غفير، زعيم حزب “عظمة يهودية”. فمنذ تعيينه في هذا المنصب عام 2022، سعى بن غفير ولا يزال يعمل على فرض واقع جديد في المسجد الأقصى. وقد عمل على تسهيل الانتهاكات للمسجد، ويصرّح علناً أنه يعمل على إلغاء الوضع التاريخي القائم للمسجد الأقصى وفرض السيطرة الدينية اليهودية الإسرائيلية عليه. ولتسهيل هذه التوجهات وتنفيذها على أرض الواقع، تتبع الحكومة الإسرائيلية، عبر ذراعها التنفيذية المتمثلة في الشرطة الإسرائيلية، إجراءات ممنهجة تجاه المسجد الأقصى يمكن حصرها على النحو الآتي:

  1. قام بن غفير، بصفته وزيراً لما يُعرف بالأمن القومي الإسرائيلي، بتعيين قائد جديد للشرطة الإسرائيلية في القدس هو اللواء أمير أرزاني، وفق ما تفيد به التقارير الصحافية العبرية. ويلعب أرزاني دوراً رئيسياً في تغيير الوضع الراهن في المسجد الأقصى، إذ يقود منذ تعيينه تحولاً ملحوظاً في سلوك الشرطة الإسرائيلية تجاه المصلين المسلمين وزوار المسجد، من خلال التعامل معهم بعنف وقهر.[8] ويفيد شهود عيان من موظفي الأوقاف الذين يدخلون المسجد يومياً بأن الشرطة الإسرائيلية تدقق في بطاقات هوية المصلين الفلسطينيين وتعرقل في كثير من الأحيان دخولهم، كما تمنع غالبية الشباب من الدخول، وإذا سمحت لهم بذلك فإنها تصادر بطاقاتهم الشخصية حتى خروجهم من المسجد. ويطال السلوك العنيف للشرطة أيضاً منع معظم المسلمين الوافدين من خارج البلاد من الصلاة في المسجد الأقصى، ولا سيما القادمين من تركيا وماليزيا وأندونيسيا وجنوب أفريقيا.
  2. وتقوم الشرطة والقوات الخاصة بملاحقة المصلين المسلمين المتواجدين داخل باحات المسجد وطردهم بالقوة إلى الخارج خلال فترات الاقتحامات اليهودية المتكررة للمسجد. ويمكن القول إنه منذ السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023 أصبح دخول المتطرفين اليهود المقتحمين للمسجد الأقصى أكثر يسراً بكثير من دخول الفلسطينيين أو القادمين من خارج فلسطين.
  3. وفي مقابل هذه السياسات العنيفة القاهرة ضد الزوار والمصلين المسلمين، تقوم الشرطة الإسرائيلية، بتوجيه من قادتها، بتسهيل اقتحامات اليهود للمسجد والتغاضي عن ممارستهم الطقوس التلمودية، بما في ذلك “صلاة اليهود” في ساحات المسجد الأقصى. وقد سمحت الشرطة الإسرائيلية، بأوامر من بن غفير وقائد شرطة لواء القدس أمير أرزاني، للمقتحمين اليهود يوم 9 آب/أغسطس وفق التقويم العبري لسنة 2024،[9] بأداء الصلاة بصوت عالٍ والغناء وإلقاء دروس التوراة داخل ساحات المسجد الأقصى.[10]

اعتقالات موظفي الأوقاف

ومن الانتهاكات الخطرة التي تمارسها الشرطة الإسرائيلية لفرض هيمنتها والسيطرة الأمنية والإدارية على المسجد الأقصى، وتغيير وضعه التاريخي والقانوني، اعتقال بعض الحراس والمصورين والإداريين من موظفي الأوقاف الإسلامية الأردنية في القدس. ويمكن القول إن ما يُشاهد يومياً منذ تشرين الأول/أكتوبر 2023 هو السيطرة المحكمة على بوابات المسجد وساحاته، وملاحقة موظفي الأوقاف من خلال الاستدعاءات المتكررة للتحقيق والاعتقال.

وتفيد مصادر الأوقاف الإسلامية في القدس بأن الشرطة الإسرائيلية تتخذ قرارات جائرة بحق موظفي الأوقاف من حراس وإداريين، من بينها إبعادهم عن المسجد الأقصى لفترات مختلفة تصل إلى عدة أشهر. ومنذ السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023، منعت الشرطة الإسرائيلية عدداً من موظفي الأوقاف، مثل المصورين والحراس والسدنة، من دخول المسجد الأقصى أو حتى الاقتراب منه إطلاقاً. وتشير مصادر الأوقاف الإسلامية الأردنية في القدس إلى أن عدد الحراس والموظفين المبعدين عن المسجد الأقصى خلال النصف الأول من عام 2025 بلغ 31 موظفاً، بينهم 20 لا يزالون مبعدين حتى الآن.

التلاعب في أوقات الزيارة واقتحامات بحماية الحكومة الإسرائيلية

ضمن الإجراءات التي تتبعها الشرطة الإسرائيلية على أبواب المسجد الأقصى وفي ساحاته، يبرز التلاعب في أوقات دخول اليهود إلى المسجد، ولا سيما من جهة باب المغاربة، وهو المنفذ الذي يقتحم منه المتطرفون اليهود المسجد. فمنذ تشرين الأول/أكتوبر 2023، بدأت الشرطة الإسرائيلية بالتلاعب في أوقات ما يُسمى “زيارة” المتطرفين اليهود للمسجد الأقصى.

وتفيد مصادر الأوقاف الإسلامية في القدس بأن الشرطة سمحت لمجموعات من المتطرفين اليهود المنتمين إلى التيار الصهيوني الديني باقتحام المسجد بما يعادل ست ساعات يومياً، بعد أن قامت بتمديد فترة الاقتحامات من جهة باب المغاربة تدريجياً. فمنذ عام 2003، كان باب المغاربة يُفتح في التوقيت الصيفي صباحاً من الساعة 7:30 حتى 10:30، ومساءً من 13:30 حتى 14:30، وفي التوقيت الشتوي صباحاً من 7:00 حتى 10:00، ومساءً من 12:30 حتى 13:30. لكن، منذ السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023 وحتى اليوم، بات باب المغاربة يُفتح صباحاً من الساعة 7:00 حتى 11:30 في كل من التوقيتين الصيفي والشتوي، وفي الفترة المسائية يُفتح في التوقيت الصيفي من 13:30 حتى 15:00، وفي التوقيت الشتوي من 12:30 حتى 14:00، أي بواقع أربع ساعات ونصف صباحاً وساعة ونصف مساءً.

ويُضاف إلى ذلك أن المتطرفين اليهود لا يلتزمون بالخروج من المسجد عند إغلاق باب المغاربة، بل يستمرون في جولاتهم داخل ساحاته لدقائق إضافية. وهذه المعلومات الواردة من الأوقاف الإسلامية تُعدّ أولية وميدانية، ما يجعلها بحاجة إلى توثيق إمّا عبر مقابلات وإمّا من خلال وثائق رسمية.

ويتبع التلاعب في أوقات الزيارة لساحات المسجد الأقصى تسهيل اقتحام أعداد كبيرة من المتطرفين اليهود، ويأتي في مقدمهم وزير الأمن القومي الإسرائيلي المتطرف إيتمار بن غفير، زعيم حزب الصهيونية الدينية “عظمة يهودية”، الذي اقتحم المسجد عشر مرات منذ توليه منصبه وزيراً للأمن القومي عام 2022. وقد نفذ بن غفير خلال عام 2025 أربعة اقتحامات، كان آخرها يوم الأحد 3 آب/أغسطس 2025، في ذكرى ما يُعرف بـ”خراب الهيكل” الذي يوافق التاسع من آب/أغسطس، حين اقتحم المسجد برفقة نحو 1300 مستوطن، وتحت حماية الشرطة الإسرائيلية.[11]

اقتحام المسجد الأقصى بمجموعات كبيرة من المتطرفين

تقوم الشرطة الإسرائيلية، بإيعاز من بن غفير، بالسماح لمجموعات كبيرة من المتطرفين اليهود، وعلى رأسهم غلاة المتطرفين، باقتحام باحات المسجد الأقصى يومياً، ولا سيما في مواسم الأعياد والمناسبات الدينية اليهودية، مثل ما يُعرف بـ”يوم القدس” أو ذكرى التاسع من آب/أغسطس وغيرها من المناسبات، التي تستغلها الشرطة الإسرائيلية لتمكين أكبر عدد من المتطرفين اليهود من اقتحام المسجد بأعداد ضخمة.

وقد بلغ عدد المتطرفين اليهود المقتحمين للمسجد الأقصى في عام 2023 نحو 54,684 مستوطناً،[12] وفقاً لمصادر الأوقاف الإسلامية في القدس. وتشير المصادر نفسها إلى أن أعداد المقتحمين شهدت ارتفاعاً ملحوظاً منذ السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023. أمّا في عام 2024 فقد بلغ عدد المقتحمين 53,655 متطرفاً، بحسب إحصاءات الأوقاف الإسلامية الأردنية في القدس. وفي النصف الأول من عام 2025 سجلت دائرة الأوقاف الإسلامية اقتحام 28,636 متطرفاً، بينما يلاحظ المقدسيون والمراقبون للشأن المقدسي أن أعداد المقتحمين تشهد ارتفاعاً متزايداً في الأشهر الأولى من النصف الثاني من العام نفسه.

ومنذ السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023 وحتى اليوم، يلاحظ بوضوح تصاعد وتيرة اقتحامات المتطرفين اليهود للمسجد الأقصى، ودخولهم بأعداد متزايدة مع كل اقتحام، حتى إن أعدادهم تفوق أحياناً أعداد المصلين المسلمين في المسجد. إن التلاعب في أوقات اقتحام المتطرفين اليهود المنتمين إلى التيار الصهيوني الديني للمسجد الأقصى ليس سوى أحد أشكال السياسات اليومية التي تنتهجها الشرطة الإسرائيلية في المسجد، في مسعى منها إلى تغيير الوضع القانوني القائم وفرض ما يُعرف بـ”السيادة الإسرائيلية” على إدارة المسجد، والسيطرة على فضائه الثقافي والديني.

السماح لليهود بالصلاة في المسجد ومحاولات ذبح القرابين

من أخطر الانتهاكات التي يتعرض لها المسجد الأقصى السماح، من قِبل الشرطة الإسرائيلية ووزراء متطرفين في الحكومة الإسرائيلية، وبوتيرة متصاعدة، للمقتحمين المتطرفين بممارسة الصلوات والطقوس التلمودية في ساحاته. وتقوم الشرطة الإسرائيلية بمرافقة هؤلاء المقتحمين في أثناء تجوالهم في ساحات المسجد، وفي الأماكن التي يؤدون فيها طقوسهم التلمودية، في مشهد تظهر فيه الشرطة وكأنها الراعي والحامي لهذه المجموعات المتطرفة التي تقتحم المسجد يومياً منذ السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023.

ومن مشاهدات ما قبل عام 2023، كان المتطرفون اليهود يكتفون بالوصول إلى سوق القطانين والوقوف على درجات الباب من الخارج قبالة قبة الصخرة، حيث كانوا يبدأون طقوسهم أمام عتبة باب القطانين من دون اقتحامه، حتى تولي إيتمار بن غفير منصبه وزيراً لما يُعرف بالأمن القومي الإسرائيلي. ويُعد هذا الانتهاك انقلاباً على الوضع القائم في المسجد الأقصى الذي فرضه وزير الأمن الإسرائيلي موشيه ديان بعد احتلال المدينة عام 1967، والذي نص على أن يكون حائط البراق مكاناً لصلاة اليهود، وأن يبقى المسجد الأقصى مخصصاً للمسلمين وحدهم، مع منح اليهود حق زيارته في الأوقات المخصصة لزيارة السياح.[13] ومع تنامي نفوذ أحزاب الصهيونية الدينية ووصول ممثليها إلى الكنيست والحكومة في السنوات الأخيرة، تضاعفت انتهاكات المتطرفين للمسجد، وأصبحت فعلاً يومياً منظماً يجري برعاية وحماية الشرطة ووزراء في الحكومة الإسرائيلية، سعياً لفرض الهيمنة والسيطرة على المسجد. ولا يخفي الوزير المتطرف إيتمار بن غفير وزملاؤه في الحكومة توجهاتهم العلنية لفرض هذه الهيمنة، إذ تفيد الصحافة العبرية بأن بن غفير أعلن في مقابلة إذاعية على “إذاعة الجيش” عن وجود سياسة جديدة لا تقيد صلاة اليهود في المسجد الأقصى، قائلاً: “لن تكون هناك سياسة تمييزية في الحرم القدسي، يُسمح لكم بالصلاة”، في إشارة إلى اليهود تحديداً. كما أعلن رغبته في إنشاء كنيس يهودي داخل المسجد الأقصى.

ويواصل وزراء هذه الحكومة انتهاك الوضع القائم بشكل صارخ، في إطار سعيهم لفرض الهيمنة الثقافية والدينية في ساحات المسجد. وقد زار بن غفير برفقة وزير ما يُعرف بتنمية النقب والجليل، يتسحاق فاسرلاوف، المسجد الأقصى في ذكرى التاسع من آب/أغسطس، حيث صلى مئات اليهود آنذاك في الساحات، في انتهاك واضح للوضع الراهن، بينما كانت الشرطة حاضرة ترعى وتحمي المقتحمين. وقال بن غفير في تلك المناسبة: “لقد أحرزنا تقدماً ملحوظاً في سيادة إسرائيل هنا. سياستنا هي السماح لليهود بالصلاة.”[14]

يسعى بن غفير، بحسب تصريحاته، إلى أن يصبح تغيير الوضع الراهن توجهاً رسمياً للحكومة الإسرائيلية، لا مجرد اتفاق ضمني. وقد عبر عن ذلك خلال خطاب ألقاه في تموز/يوليو في مؤتمر بعنوان “عودة إسرائيل إلى الحرم القدسي الشريف”، حين صرح قائلاً: “الحرم القدسي الشريف يشهد تغييراً. ودائماً ما يقولون لي إن القيادة السياسية تعارض ذلك. أنا القائد السياسي.” وأضاف الوزير اليميني المتطرف: “القيادة السياسية تسمح بالصلاة اليهودية في الحرم القدسي الشريف.”[15]

وتفيد الأوقاف الإسلامية في المسجد الأقصى، إلى جانب شهادات عيان من المصلين المسلمين، بأن الشرطة الإسرائيلية منذ السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023 بدأت بتسهيل نشاط المتطرفين اليهود في أثناء اقتحامهم للمسجد، متغاضية عن انتهاكاتهم. فقد سمحت الشرطة للجماعات اليهودية المتطرفة المقتحمة بممارسة صلواتها وطقوسها التلمودية، والقيام بحركات الانبطاح الفردي والجماعي في ساحات المسجد، بالإضافة إلى عقد حلقات للرقص والغناء والتصفيق داخل مواقع متعددة بشكل غير مسبوق. وتؤكد الأوقاف الإسلامية أن الشرطة الإسرائيلية تتواطأ بشكل واضح مع هؤلاء المتطرفين، إذ ترافقهم وتشكل حامية لهم خلال أدائهم طقوسهم التلمودية في ساحات المسجد، من دون أن تمنعهم أو تردعهم، في انتهاك صارخ للوضع الراهن.

وما يؤكد ما تسجله الأوقاف الإسلامية يومياً من انتهاكات وطقوس تلمودية تُمارس في ساحات المسجد لإظهار السيطرة والهيمنة على الفضاء الديني والثقافي العربي الإسلامي، وما يمثله المسجد الأقصى من رمزية دينية وثقافية ووطنية، وتحويله إلى ما يُعرف بالفضاء اليهودي التوراتي المرتبط بما يسمونه “الهيكل الثالث”، هو ما قاله وزير الأمن القومي بن غفير خلال اقتحامه المسجد الأقصى برفقة زميله وزير ما يُعرف بتنمية النقب والجليل، يتسحاق فاسرلاوف، من حزب “عوتسما يهوديت”، في ذكرى التاسع من آب/أغسطس 2024، إذ صرح قائلاً: “إن سياسة وزير الأمن القومي هي السماح بحرية العبادة لليهود في كل مكان، بما في ذلك الحرم القدسي الشريف.” وأضاف: “الحرم القدسي الشريف أرض ذات سيادة إسرائيلية. لا يوجد قانون يسمح بالتمييز العنصري ضد اليهود في الحرم القدسي الشريف أو في أي مكان آخر في إسرائيل.”[16] وقد كرر بن غفير هذه التصريحات التي تجسد الانتهاكات الخطرة للمسجد الأقصى خلال اقتحامه له مع أعضاء حزبه، في 26 أيار/مايو 2025 فيما يُعرف بـ”يوم القدس”، قائلاً: “نشهد احتفالات القدس. هناك بالفعل العديد من اليهود يملؤون الحرم القدسي الشريف – يا له من فرحة غامرة.” كما أعرب عن امتنانه لما وصفه بالقدرة المتزايدة على أداء الصلاة اليهودية في المسجد الأقصى.[17]

ولا تقتصر انتهاكات المقتحمين المتطرفين من التيار الصهيوني الديني على ممارسة الصلوات والطقوس التلمودية في ساحات المسجد الأقصى، بل تشمل أيضاً محاولات خطرة لتقديم القرابين في باحاته. وتخطط المنظمة الصهيونية الدينية المتطرفة “أمناء جبل الهيكل”[18] وتحرض على تنفيذ هذه المحاولات، باعتبارها خطوة نحو التسريع في بناء ما يُسمى بالهيكل الثالث.

وقد حاول متطرفون من جماعة “حوزريم لاهار” (عائدون إلى الجبل) تهريب ماعز داخل صندوق أخفي تحت ثياب امرأة صهيونية متطرفة. وفي أثناء التفتيش، اكتشف رجال الشرطة أن المرأة أخفت عنزة صغيرة في صندوق تحت ثوبها لتبدو كأنها حامل.[19] ولا شك في أن هذه المحاولات المتكررة من قِبل المنظمات الصهيونية الدينية تهدف إلى بناء الهيكل الثالث، وإزالة أي أثر عربي إسلامي في المسجد الأقصى، وإحلال المشهد الديني التوراتي مكانه.

إغلاق المسجد الأقصى والتحكم العددي بالمصلين

أفرغت الحكومة الإسرائيلية المسجد الأقصى وساحاته من أهله ورواده من المصلين الفلسطينيين المسلمين والوافدين من خارج فلسطين، ليصبح المسجد الأقصى، الذي يُمثل رمزاً دينياً وثقافياً ووطنياً، منطقة خالية من المصلين لمدة 12 يوماً خلال الهجوم الإسرائيلي على إيران من 13 حزيران/يونيو 2025 حتى 25 حزيران/يونيو 2025.

ففي فجر يوم الجمعة الموافق 13 حزيران/يونيو 2025، اقتحمت الشرطة الإسرائيلية المسجد وأخرجت جميع المصلين من المصليات والساحات، وأبقت فقط على موظفي دائرة الأوقاف الإسلامية داخله. وأفادت دائرة الأوقاف بأن القوات أغلقت جميع أبواب المسجد الأقصى باستثناء باب السلسلة، تحت ذريعة “حالة الطوارئ”. وبعد ستة أيام من الإغلاق، وتحديداً يوم الخميس الموافق 19 حزيران/يونيو، بدأت الشرطة الإسرائيلية بتطبيق سياسة “المصلين بالعدد”، إذ سمحت بدخول 450 مصلياً فقط عبر باب حطة لأداء صلاة الظهر، كما سمحت لموظفي الأوقاف بالدخول عبر بابي السلسلة وحطة تحت رقابة مشددة.[20] ويمثل هذا الانتهاك، المتمثل في التدخل بالقوة في إدارة المسجد الأقصى وشؤونه وإلغاء دور دائرة الأوقاف الأردنية، تمريراً لفكرة جديدة هدفها تكريس الهيمنة الأمنية والسيطرة على الفضاء الثقافي الديني، والتلاعب بالسردية التاريخية والوضع القانوني للمسجد الأقصى، مستغلة أجواء الحرب الإقليمية لتنفيذ مخططاتها. وخلال الهجوم الإسرائيلي على إيران، شُلت الحياة في البلدة القديمة، ومُنع دخول أي شخص لا يحمل هوية تُثبت أنه من سكانها.

وتُعتبر هذه الإجراءات غير المسبوقة خطرة للغاية، إذ تمس حقوق الفلسطينيين الدينية والإنسانية وحرية العبادة وزيارة المسجد الأقصى. ويُعد إغلاق المسجد الأقصى وإفراغه من المصلين والزوار المسلمين لمدة اثني عشر يوماً سابقة خطرة وانتهاكاً صارخاً للوضعين القانوني والتاريخي للمسجد الأقصى. ولا يمكن النظر إلى هذا التعدي والانتهاك على أنه حدث اعتيادي شبيه بإغلاق المسجد خلال جائحة كورونا الذي استمر حينها لشهرين ونصف،[21] إذ إن الإجراءات الوقائية للجائحة شملت جميع المرافق في أنحاء العالم، بينما جاء إغلاق المسجد في 13 حزيران/يونيو 2025 استغلالاً من الحكومة الإسرائيلية لحالة إقليمية استثنائية، بهدف تمرير مساعيها الدؤوبة للسيطرة والهيمنة على الفضاء الديني والثقافي للمسجد الأقصى وتغيير وضعه التاريخي والقانوني.

وزارة التراث ومخططات خطرة لتغيير الوضع الراهن

تسعى وزارة التراث، شأنها شأن باقي الوزارات في الحكومة الإسرائيلية، إلى تغيير الوضع التاريخي والقانوني للمسجد الأقصى، ويبدو أنها تتطلع أيضاً إلى الهيمنة على الفضاء الثقافي الديني وعلى السردية التاريخية للموقع. ولا تخفي الوزارة هذه التطلعات، إذ تعلن صراحة رغبتها في السيطرة على الرواية التاريخية وإسكات الأصوات التي تردد السردية العربية والإسلامية عن المسجد الأقصى. فقد صرحت الوزارة للصحافة بقولها: “إن الزيارات ستُقام بالتزامن مع جولات يقودها مرشدون سياحيون خاصون، وسيُخضع محتواها للمراقبة لتجنب إدخال حقائق بديلة وروايات فلسطينية كُتبت بهدف الترويج لأجندة معادية لإسرائيل ولليهود.”[22] وإذا نجحت الوزارة في الحصول على موافقة الحكومة لتنفيذ هذا المخطط، فإنها ستفرض هيمنة كاملة على الرواية، ويبدو أنها ستعاقب بالقانون كل من يخالف السردية اليهودية التوراتية عن المسجد الأقصى، وقد تشمل العقوبات ما يلي:

  1. منع المرشدين الذين يخالفون السردية الصهيونية التوراتية من ممارسة الإرشاد وإبعادهم عن المسجد.
  2. سحب تراخيص المرشدين الذين يتعارض خطابهم مع السردية الصهيونية التوراتية.
  3. فرض عقوبات مالية محتملة.

وتفيد مصادر إخبارية عبرية أن وزارة التراث الإسرائيلية، التي تخطط لهذه “الجولات” للمقتحمين المتطرفين من المستوطنين الصهاينة (بصفتهم سياحاً) في المسجد الأقصى، تسعى إلى تنفيذها قبل حلول رأس السنة العبرية. وتقول الوزارة إن الهدف من هذه الخطة هو تشجيع اليهود والسياح الأجانب على “زيارة” المسجد الأقصى.

ويبدو أن الحكومة الإسرائيلية موافقة ضمنياً على هذا المشروع، إذ منح نائب قائد شرطة منطقة القدس، العميد أمير أرزاني، وزارة التراث الإذن بتنظيم هذه الجولات. فقد كتب أرزاني إلى المدير العام للوزارة، إيتاي غرانيك: “لا مانع من تنظيم جولات مصحوبة بمرشدين في الحرم القدسي الشريف، مع الالتزام باللوائح وأوقات الزيارة هناك، وبالتنسيق مع منطقة داود.”[23] وتؤكد وزارة التراث، استناداً إلى قرار حكومي بتنظيم جولات في البلدة القديمة، أنها تعتزم تنظيم جولات إرشادية في المسجد الأقصى، بما يتيح لعشرات الآلاف من اليهود ومئات الآلاف من السياح الذين يفدون إليه سنوياً الاطلاع على ما تصفه بـ”التراث اليهودي للحرم القدسي الشريف في صورة تاريخية دقيقة.”[24]

لم تكتفِ سلطات الاحتلال بتغيير الوضع الراهن فحسب، بل استجابت في مطلع أيلول/سبتمبر 2025 لضغوط منظمات “الهيكل” الصهيونية، فقامت بتغيير اسم حائط البراق إلى حائط المبكى على الحافلات العامة التي تجوب شوارع المدينة،[25] وذلك في إطار سياسة إسرائيلية متكاملة تهدف إلى تغيير الوضع القائم، وتبديل المسميات بما يتلاءم مع الرواية الإسرائيلية المشبعة بالبعد التوراتي.

استنتاجات ختامية

منذ السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023، تنفذ إسرائيل سياسات ممنهجة تهدف إلى تغيير الوضع الراهن، وكذلك الوضع التاريخي والقانوني للمسجد الأقصى. وقد شهدت هذه الفترة تحولات واضحة في السياسات الإسرائيلية أفضت إلى بنية سيطرة جديدة فُرضت على المسجد الأقصى. فمنذ السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023، فرضت إسرائيل واقعاً جديداً داخل المسجد، إذ لم يعد الوضع الراهن قائماً.

فقد أصبح اقتحام اليهود للمسجد شبه يومي ومرتبطاً بأداء طقوس الصلاة في ساحاته. وكان أداء هذه الصلوات والطقوس التلمودية، مثل الغناء وقراءة التوراة، في السابق يُواجَه بالمنع من الشرطة وبمتابعة من حراس الأوقاف، غير أن هذه الطقوس أصبحت اعتيادية وفعلاً منظماً يُشاهد بشكل شبه يومي منذ ذلك التاريخ وحتى الآن، مع تصاعد ملحوظ في الأعياد والمناسبات الدينية اليهودية. ففي 21 آب/أغسطس 2025، اقتحم المسجد الأقصى عشرات المتطرفين الصهاينة ومارسوا صلواتهم التلمودية في ساحاته تحت حماية الشرطة ورعايتها، وفي يوم الأحد 31 آب/أغسطس 2025 اقتحمت مجموعة أُخرى المسجد وأدت صلواتها التلمودية بالطريقة نفسها، وبرعاية الشرطة وحمايتها.

ولا تقتصر مساعي السلطات الإسرائيلية على تغيير الوضع الراهن الذي نجحت فعلياً في تغييره، بل تتجاوز ذلك إلى محاولة تغيير الوضع التاريخي والديني للمسجد الأقصى المبارك من خلال السيطرة على فضائه الثقافي الديني، ومحو وإلغاء السردية العربية والإسلامية عن الموقع. وقد ظهرت هذه المؤشرات في محاولات وزارة التراث وبعض الجماعات المتطرفة ذبح القرابين في مسعى للتسريع في بناء الهيكل الثالث.

ومن الضروري تعزيز التوثيق لما يجري في المسجد الأقصى من انتهاكات، والعمل على دعم دائرة الأوقاف وتمكين موظفيها من أداء مهماتهم داخل المسجد، بما يعزز التواجد الفلسطيني والعربي فيه. كما تبرز الحاجة إلى الحشد والتحرك العربي والدولي لمنع تحويل هذه السياسات إلى وقائع ثابتة ومتكاملة، إذ إنها تجسد بشكل حقيقي فكرة التقسيم المكاني والزماني للمسجد الأقصى.

* أعدت ورقة السياسات هذه ضمن مشروع مشترك مع مؤسسة التعاون، وتعبر محتويات هذا الورقة عن آراء المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي مؤسسة التعاون ووجهة نظرها.

[1] خليل عثامنة، “القدس والإسلام: دراسة في قداستها من المنظور الإسلامي” (بيروت: مؤسسة الدراسات الفلسطينية، 2013)، ص 35-47.

[2] لمزيد عن الانتهاكات المبكرة والوضع القائم للمسجد الأقصى انظر: وصفي كيلاني، “لماذا المسجد الأقصى المبارك – الحرم القدسي الشريف ليس هيكل اليهود: ثلاثة عشر سؤالاً”، “المقدسية”، العدد 15، مركز دراسات القدس، جامعة القدس (2022)، ص 51 – 52.

[3] المصدر نفسه، ص 42-48؛

سيمونه ريكا، “التراث والوطنية/القومية والرمزية المتغيرة لحائط المبكى“، “مجلة الدراسات الفلسطينية”، العدد 64 (خريف 2005)، ص 128-136.

[4] انظر: فانسان لومير، “تحت وطأة الحائط: حارة المغاربة في القدس: حياتها وموتها 1187-1967“، ترجمة داود تلحمي (بيروت: مؤسسة الدراسات الفلسطينية، 2024).

[5] نظمي الجعبة، “المسجد الأقصى: تجليات الصراع والسيطرة“، “مجلة الدراسات الفلسطينية”، العدد 105 (شتاء 2016)، ص 164-177.

[6] عن الانتهاكات الإسرائيلية في حقل الآثار في منطقة حارة المغاربة والتنقيبات في القصور الأموية والأنفاق، انظر:

Emek Shaveh, “The Temple Mount/Haram al-Sharif – Archaeology in a Political Context”, 14/3/2017.

وانظر كذلك عن نفق ما يسمى بطريق الحج: نظمي الجعبة، “تحويل مجاري القدس الرومانية إلى ʾدرب الحجاجʿ: مسعى يميني صهيوني وإفنجيلي جديد لتزوير التاريخ“، “مجلة الدراسات الفلسطينية”، العدد 126 (ربيع 2021)، ص 65-69.

[7] Emek Shaveh, op,cit.

[8] Josh Breiner, “Ben-Gvir Names Police Officer Who Led Status-quo Change on Temple Mount as Jerusalem Chief,” Haaretz, 12/9/2024.

وأمير أرزاني، هذا كما يشير التقرير الصحافي، كان يشغل منصب قائد شرطة المدينة بالإنابة، ورُقي من رتبة عميد إلى رتبة لواء مؤخراً ليصبح تعيينه الآن دائماً.

[9] التاسع من آب/أغسطس: يعتقد اليهود أن هذا اليوم يوافق ذكرى تدمير هيكلهم المزعوم في المرتين اللتين هُدم فيهما، ويُعدّ عندهم يوم حداد وصوم يستمر 25 ساعة. ويُلاحظ في الآونة الأخيرة، ومنذ السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023، أن المتطرفين اليهود من التيار الصهيوني الديني يبدأون بالتحريض على اقتحام المسجد الأقصى بأعداد كبيرة قبل أسبوع أو أسبوعين من حلول هذه الذكرى، لأداء صلواتهم في ساحات المسجد إحياءً لها. وقد دأب بن غفير على اقتحام المسجد الأقصى في ذكرى التاسع من آب منذ توليه منصب وزير الأمن القومي. ويمكن القول إن المتطرفين من الصهيونية الدينية يستغلون هذه المناسبة لحشد أكبر عدد ممكن من المقتحمين إلى ساحات المسجد، لتُظهر للعيان الهيمنة اليهودية على المشهد، في خطوة من الخطوات التي سبق ذكرها، والرامية إلى تغيير الوضع التاريخي والقانوني للمسجد الأقصى.

[10] Josh Breiner, op.cit.

[11] Ikram Kouachi, “Far-right Israeli minister leads mass illegal settler incursion into Al-Aqsa Mosque,” Anadolu Ajansı, 3/08/2025.

[12] عبد الباسط خلف، “فلسطين في 3 أشهر: مجازر ومجاعة في غزة“، “مجلة الدراسات الفلسطينية”، العدد 138 (ربيع 2024)، ص 184.

[13] محمود محارب، “سياسة إسرائيل تجاه الأقصى”، “سياسات عربية”، العدد 19 (آذار/مارس 2016)، ص 6.

[14] Jonathan Lis, “Israeli Ministry Planning Temple Mount Guided Tours; National Security Council Yet to Respond,” Haaretz, 27/8/2024.

[15] Rachel Fink, “What Is the ‘Status Quo’ at Jerusalem’s Temple Mount/Al Aqsa, and Why Is It So Precarious?,” Haaretz, 28/8/2024.

[16] Josh Breiner, op.cit.

[17] “Ben-Gvir visits Temple Mount for Jerusalem Day,” Israel National News,26/5/2025.

[18] هي منظمة صهيونية دينية متعصبة، تهدف إلى إزالة المسجد الأقصى المبارك وبناء الهيكل الثالث على أنقاضه، انظر:

أمناء جبل الهيكل“، “عرب 48”.

[19] “Attempt to bring a sacrifice | Goat smuggled under activist’s dress dies of asphyxiation,” Israel National News, 22/5/2024.

[20] “الاحتلال يغلق أبواب المسجد الأقصى ويمنع وصول المصلين للجمعة الثانية“، المملكة”، 20/6/2025.

[21] “السلطات الإسرائيلية تغلق المسجد الأقصى تحت ذريعة ʾحالة الطوارئʿ“، “روسيا اليوم”، 13/6/2025.

[22] Jonathan Lis, op.cit.

[23] Ibid.

[24] Ibid.

[25] “الاحتلال يستبدل تسمية حائط البراق على حافلات القدس والمحافظة تحذر من تداعياته“، وكالة “وفا”، 7/9/2025.

1

عن المؤلف: 

عمر عبد ربه: باحث في علم الآثار والتراث الثقافي الفلسطيني، ورئيس دائرة العلوم الإنسانية في جامعة بيت لحم، ومؤسس ورئيس برنامج الآثار والتراث الثقافي في جامعة بيت لحم.

عن ورقة سياسات – مؤسسة الدراسات الفلسطينية

About The Author

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *