بين انتزاع الحقوق والاندماج: أيّ سياسة للفلسطينيين في زمن الإبادة؟

في لحظة تاريخية تتعرّض فيها غزة للإبادة، ويواجه الشعب الفلسطيني في مختلف أماكن وجوده واحدة من أشدّ المراحل قسوة وخطورة، لا يمكن التعامل مع النقاش السياسي داخل المجتمع الفلسطيني في إسرائيل وكأننا أمام انتخابات عادية، أو خلاف مألوف حول إدارة السلطات المحلية، أو حول مَن يستطيع انتزاع ميزانية أكبر من حكومة إبادية فاشية. إن ما يجري يفرض علينا إعادة التفكير في معنى السياسة نفسها، وفي حدود المشاركة، وفي العلاقة بين حقوقنا المدنية وموقعنا الوطني، وفي الثمن الذي يمكن أن ندفعه مقابل ما يُقدَّم لنا تحت عنوان “التأثير” و”البراغماتية”.

من هنا، فإن نقد المشروع السياسي الآخذ بالتبلور لدى د. منصور عباس والقائمة العربية الموحدة ليس ترفًا فكريًا، ولا ينبغي أن يتحول إلى نزع الشرعية عن جمهور الموحدة وناخبيها. فهذا الجمهور جزء أصيل من مجتمعنا وشعبنا، وله هموم حقيقية ومطالب مشروعة وحق كامل في اختيار ممثليه. لكنّ احترام الجمهور لا يعني تعليق النقد السياسي، بل يجعل هذا النقد أكثر ضرورة، ولا سيّما في اللحظات التاريخية الكارثية. فالمجتمعات التي تتعرض لصدمة جماعية عميقة، ولتهديد مستمر وتفكك في مؤسساتها وعلاقاتها الاجتماعية، لا تتغير فقط في شروط وجودها المادية، بل تتغير أيضًا علاقتها بالزمن والمستقبل، وتصوّراتها لما هو ممكن وما هو عقلاني وما ينبغي فعله من أجل البقاء.

ينبغي أن يكون النقاش مع مشروع الموحدة أكثر جدية ومبنيًا على نقد جوهري، لا أكثر تخوينًا أو إقصاءً. فالسؤال ليس لماذا يبحث الناس عن الحماية أو عن حلول ملموسة لمشكلاتهم اليومية؛ فهذا مفهوم اجتماعيًا وسياسيًا، ولا يجوز التعامل معه باستخفاف. السؤال الأهم هو ما إذا كانت استجابة سياسية وُلدت أو تعززت تحت ضغط الخوف وفقدان الأفق، يمكن أن تتحول من تكتيك للتعامل مع واقع استثنائي إلى إستراتيجية طويلة المدى، ومن استخدام أدوات المواطنة لتحصيل الحقوق إلى إعادة تعريف لموقع الفلسطيني وعلاقته بالدولة الكولونيالية. وهنا تكمن خطورة ليس فقط في أن نخاف، فالخوف في هذه الظروف حقيقي ومبرر، بل في أن يتحول الخوف نفسه إلى حدّ يرسم لنا سقف الممكن، وأن يصبح التكيف مع علاقات القوة القائمة هو التعريف الوحيد لـ”البراغماتية”. لذلك، فإن مساءلة المشروع الآخذ بالتبلور ليست رفضًا للبراغماتية أو لحاجات الناس اليومية، بل دعوة إلى التمييز بين براغماتية تستخدم الممكن من أجل تغيير شروطه، وبراغماتية تقبل شروط الممكن كما يرسمها المستعمِر. والسؤال الذي ينبغي أن نطرحه هو: كيف نحمي مجتمعنا ونحصّل حقوقه في الحاضر، من دون أن يتحول الخوف على بقائنا إلى قوة تعيد تشكيل وعينا السياسي، وهويتنا الوطنية، وقدرتنا على تخيل مستقبل يتجاوز الواقع الكولونيالي الاستيطاني نفسه؟

حين تتحول “الخدمة المدنية” إلى مشروع داخل منظومة كولونيالية استيطانية

وتظهر هذه المعضلة بوضوح في النقاش حول “الخدمة المدنية”، فلا خلاف على حاجة مجتمعنا إلى الميزانيات والمواصلات والسكن والبنى التحتية، وإلى مكافحة الجريمة وتطوير بلداتنا وتوسيع فرص العمل. هذه ليست قضايا ثانوية أمام “القضية الوطنية”، بل هي جزء من شروط صمود المجتمع وقدرته على البقاء والتنظيم. لذلك، فإن الخلاف مع المشروع الذي يطرحه د. منصور عباس والموحدة لا يتعلق بأهمية تحصيل الموارد، وإنما بالسؤال السياسي الذي يسبق ذلك: من أي موقع نطالب بحقوقنا، وداخل أي بنية من علاقات القوة، وماذا يحدث عندما تتحول المشاركة في مؤسسات الدولة من أداة لانتزاع الحقوق إلى أفق سياسي يعيد تعريف علاقتنا بالدولة الكولونيالية وبباقي أجزاء شعبنا؟

لا يمكن تقييم أي مشروع سياسي فقط بمقدار الموارد التي يستطيع الحصول عليها؛ ينبغي أن نسأل أيضًا عن نوع العلاقة السياسية التي ينتجها تحصيل هذه الموارد: هل يعزز قدرة المجتمع الفلسطيني على التنظيم وانتزاع حقوقه وتحدي علاقات القوة القائمة وتفكيكها، أم يجعل الاندماج المتزايد في مؤسسات الدولة اليهودية شرطًا للحصول عليها؟

ويصبح هذا السؤال أكثر إلحاحًا إذا أخذنا بجدية تحليل النظام القائم بوصفه نظامًا يقوم على الفصل العنصري، وعلى تفوق بنيوي لليهود الإسرائيليين على الفلسطينيين. فمن داخل واقع الأبارتهايد، لا يكفي أن يكون السؤال كيف يحصل الفلسطينيون على توزيع أكثر عدلًا للموارد داخل النظام؛ إذ ينبغي أن يمتد إلى العلاقة بين تحسين شروط الحياة داخل البنية القائمة وبين العمل على تغيير البنية التي تنتج التفاوت أصلًا.

وهذا يعيدنا إلى مسألة الحقوق، فالتعليم والمسكن والأمن الشخصي والبنية التحتية ليست مكافآت تمنحها الدولة مقابل شكل معين من السلوك السياسي، وإنما حقوق للمواطنين الفلسطينيين وموارد عامة يساهمون في إنتاجها وتمويلها. كما أن تاريخ الفلسطينيين في إسرائيل يبين أن تحصيل الحقوق والموارد لم يكن نتيجة القرب من السلطة، بل جاء عبر التنظيم الجماعي والاحتجاج والعمل البرلماني والقانوني والمجتمعي والنضال السياسي. لذلك، ينبغي التمييز بين استخدام مواقع القوة ومؤسسات الدولة لانتزاع الحقوق، وبين تحويل القرب من السلطة نفسه إلى مصدر للحقوق والشرعية السياسية. في الحالة الأولى تبقى المشاركة أداة؛ أما في الثانية، فثمة خطر أن تتحول الأداة تدريجيًا إلى مشروع يعيد صياغة موقع الفلسطيني داخل النظام الكولونيالي القائم.

وتستحق تجربة أبناء شعبنا الدروز أن تدخل هذا النقاش بوصفها تجربة تاريخية ينبغي دراستها، لا شعارًا لإغلاق النقاش. فالتجنيد الإجباري والمشاركة الطويلة في المؤسسة العسكرية لم يؤديا إلى إزالة أوجه التمييز البنيوي التي تواجه البلدات الدرزية، بما فيها قضايا الأرض والتخطيط والسكن. ولا يعني ذلك أن تجربة الدروز مطابقة لمسألة الخدمة المدنية المطروحة اليوم، لكنّها تكشف حدود الافتراض القائل إن زيادة الاندماج المؤسسي تقود، بحد ذاتها، إلى المساواة البنيوية. فالنظام يستطيع أن يدمج أفرادًا و”أقليات” بدرجات متفاوتة، وأن يمنحهم أشكالًا من المشاركة، من دون أن يفكك بالضرورة علاقات القوة التي تنتج علاقات القوة الهرمية.

ومن هذا المنطلق، أعتقد أن علينا التمييز أيضًا بين الخدمة بوصفها أداة لتعزيز مجتمعنا، وبين تحوّلها إلى أداة إضافية للسيطرة عليه وتدجينه. فمجتمعنا بحاجة فعلًا إلى آلاف الشابات والشبان الذين يساهمون في مدارسنا ومؤسساتنا الاجتماعية والثقافية والصحية، وفي جمعياتنا ولجاننا الشعبية ومؤسساتنا السياسية. لكنّ هذا يفتح أمامنا إمكانية سياسية مختلفة: لماذا لا نطوّر إطارًا فلسطينيًا مستقلًا للتطوع والخدمة المجتمعية، تتبنّاه لجنة المتابعة رغم إشكالياتها، وينطلق من احتياجات مجتمعنا ومؤسساته، ويعزّز التضامن والتنظيم والصمود؟ المسألة هنا ليست رفض التطوع، بل تحديد الإطار المؤسسي الذي يحدث من خلاله، والغاية السياسية والاجتماعية التي يخدمها: تعزيز قدرة مجتمعنا على الفعل، أم إخضاعه لمزيد من آليات الضبط والاندماج؟

ولا يمكن فصل هذا النقاش تمامًا عن موقع المؤسسة العسكرية في المجتمع الإسرائيلي، ولا أدّعي أن الخدمة المدنية تقود حتميًا إلى الخدمة العسكرية، فهذه علاقة لا ينبغي تبسيطها بهذه الصورة، لكن في دولة تتداخل فيها المؤسسات المدنية والعسكرية والأمنية على مستويات متعددة، يصبح من الضروري فحص المسارات التي تجعل “خدمة الدولة” قيمة سياسية وأخلاقية بحد ذاتها، والحدود التي نريد، كمجتمع فلسطيني، أن نرسمها بين المساهمة في مجتمعنا وبين الاندماج في مؤسسات دولة تمارس السيطرة العسكرية، والتطهير العرقي، والإبادة ضدنا وضد أبناء شعبنا وبناته.

وهنا يعود النقاش إلى النقطة التي بدأت منها: البراغماتية السياسية ليست مفهومًا محايدًا؛ فالخلاف مع د. منصور عباس والموحدة ليس بين من يريدون تحصيل الموارد ومن يتمسكون بالشعارات الوطنية، كما لا ينبغي اختزاله في ثنائية البراغماتية مقابل المبدئية، إذ إن الخلاف الحقيقي هو بين تصوّرات مختلفة لما يعنيه تحصيل الموارد، ولموقع المواطنة داخل المشروع السياسي الفلسطيني. يمكن أن نستخدم المواطنة ومؤسسات الدولة ومواردها باعتبارها أدوات لانتزاع الحقوق وتعزيز قدرة مجتمعنا على الصمود والتنظيم، ويمكن، في المقابل، أن تتحول الأدوات نفسها تدريجيًا إلى أفق للاندماج يعيد تشكيل تصوّرنا لأنفسنا ولما نعتقد أنه ممكن سياسيًا.

حين يصبح الخوف من فقدان الموارد أو الأمان قادرًا على تضييق تصوّرنا للسياسة، فقد نبدأ بالتعامل مع الحدود التي تضعها المنظومة الكولونيالية أمامنا باعتبارها حدود الواقع نفسه. لذلك، فإن السؤال الذي أعتقد أن علينا أن نناقشه مع د. منصور عباس والموحدة ليس ما إذا كنا نريد خدمة الناس، بل كيف نخدمهم ونحمي مصالحهم اليومية من دون أن تتحول الحاجة إلى الأمان والحقوق إلى آلية لإعادة تعريف موقعنا الوطني، ومن دون أن يتحول الممكن الذي تتيحه المنظومة المهيمنة إلى الحد النهائي لمطالبنا المستحقة.

حقوقنا ليست ثمنًا للصمت

تزداد هذه المعضلة حدة في زمن الإبادة، لأن حدود “البراغماتية” لا تُختبر فقط في تحصيل الموارد، بل أيضًا في ما يصبح ممكنًا أو غير ممكن قوله سياسيًا. في مقابلة باللغة العبرية، سُئل د. منصور عباس عمّا إذا كانت هناك إبادة في غزة، فأجاب بأن هذه مسألة قضائية. لا تكمن أهمية هذه الإجابة في المصطلح وحده، بل في السؤال السياسي الذي تثيره: ماذا يحدث حين يصبح تسمية ما يتعرض له شعبك بالإبادة التي يمر فيها، أمام الجمهور الإسرائيلي، مُحمّلًا بكلفة سياسية يُخشى أن تهدد القدرة على الائتلاف أو تحصيل الموارد؟ هنا يظهر أحد أبعاد التواطؤ السياسي حين لا تعمل علاقات القوة فقط على تحديد ما يمكننا فعله، بل أيضًا على إعادة تشكيل ما نستطيع قوله، وما نجرؤ على تسميته، كيف نعبّر عن الألم والتضامن مع أبناء شعبنا وبناته، وكيف نعمل سياسيًا من أجل وقف ما يتعرّضون له؟

لهذا لا ينبغي أن تتحول الموارد التي تحصل عليها بلداتنا إلى مقابل سياسي، صريح أو ضمني، يفرض خفض سقف الموقف تجاه ما يجري لشعبنا. الفلسطينيون مواطنون/ات يدفعون الضرائب، وهم في الوقت نفسه أبناء الشعب الأصلاني في هذه البلاد وبناته، والتي تم الاستيلاء على مواردهم وسيادتهم، ومن حقهم/ن الحصول على الموارد العامة على أساس المساواة. الحق يفقد معناه السياسي عندما يُعاد تقديمه بوصفه ثمرة للقرب من السلطة، أو مكافأة على “الاعتدال السياسي”؛ عندها يصبح الخطر أن تتحول الحاجة اليومية المشروعة إلى آلية تواطؤ.

وفي زمن الإبادة تحديدًا، يصعب بناء سياسة تقوم على الفصل الصارم بين “المدني” و”الوطني”؛ فالدولة التي نطالب مؤسساتها بالموارد ومكافحة الجريمة، هي نفسها الدولة التي تتخذ القرارات المتعلقة بالحرب والحصار والاستيطان والتهجير وفي عدم مكافحة الجريمة. هذا لا يعني الامتناع عن انتزاع الموارد، فهي ليست مِنّة من الدولة، بل جزء من حقوقنا في الموارد العامة التي نساهم فيها من خلال الضرائب التي ندفعها، بل يعني العكس: استخدام أدوات المواطنة إلى أقصى حد لتحصيل الحقوق، من دون تحويل هذا الاستخدام إلى شراكة سياسية تستوجب الصمت عن سياسات الدولة الإبادية. وهنا ينبغي تقييم مشروع “الشراكة” أو الائتلاف: ليس فقط بما استطاع تحصيله، بل أيضًا بما قد يفرضه من إعادة رسم لحدود الموقف الوطني الفلسطيني.

حين تتحول البراغماتية إلى إعادة تعريف للذات السياسية

وهذا يقود إلى المسألة الأعمق: الفرق بين تغيير الأدوات السياسية، وإعادة تعريف الجماعة التي تُستخدم هذه الأدوات باسمها. من حق أي قيادة أن تفاوض من أجل تحقيق مكاسب ملموسة؛ هذه هي السياسة، لكنّ البراغماتية تصبح مشروعًا مختلفًا عندما تتطلب، بصورة تدريجية، تغييب الهوية الوطنية أو دفعها إلى الهامش لكي يصبح “الائتلاف” أكثر قبولًا وإمكانًا.

الفلسطينيون في إسرائيل مواطنون ومواطنات، لكنهم في الوقت نفسه جزء من الشعب الفلسطيني الأصلاني. والمواطنة والانتماء الوطني ليسا بالضرورة موقعين متناقضين: إذ يمكن استخدام حقوق المواطنة وأدواتها للمطالبة بالمساواة الفردية والجماعية، ولمواجهة الامتيازات البنيوية وتفكيك علاقات السيطرة الكولونيالية، من دون التخلي عن الانتماء إلى الشعب الفلسطيني، وهذا ما قام مجتمعنا الفلسطيني داخل إسرائيل بفعله تاريخيًا. والمشكلة تبدأ عندما يصبح المطلوب، ضمنيًا أو صراحة، الاختيار بين الاثنين: حقوق مدنية أكثر مقابل حضور وطني أقل.

لذلك، فإن جوهر النقاش مع مشروع منصور عباس لا ينبغي أن يكون تصريحًا منفردًا هنا أو موقفًا هناك، بل المنطق السياسي الذي يتبلور من تراكم هذه المواقف. السؤال هو ما إذا كنا أمام استخدام براغماتي للمواطنة من أجل تعزيز قوة المجتمع الفلسطيني وحقوقه، أم أمام تحول أعمق يعيد تعريف الفلسطيني من ابن أو ابنة لشعب أصلاني ذي قضية وحقوق جماعية إلى مواطن فرد تتمحور سياسته حول تحسين شروط اندماجه في نظام كولونيالي فاشي قائم. وبالمثل، هل وظيفة القيادة السياسية تنظيم المجتمع وبناء قوته وتمثيل حقوقه المدنية والوطنية، أم التوسط بين الفرد الفلسطيني ومؤسسات الدولة؟

هذا هو الخلاف الذي يستحق النقاش مع منصور عباس والموحدة: ليس بين الحقوق والهوية، ولا بين البراغماتية والوطنية، بل حول نوع البراغماتية التي نريدها، والمشروع السياسي الذي تخدمه، والحدود التي ينبغي ألا تتحول عندها أداة المشاركة إلى إعادة تعريف للذات السياسية الفلسطينية.

لا نريد العودة إلى منطق الحكم العسكري

لهذا تثير تجربة الموحدة سؤالًا تاريخيًا وسياسيًا أعمق، يتجاوز الخلاف حول المشاركة في ائتلاف حكومي أو طريقة تحصيل الميزانيات: أي نموذج للعلاقة بين المجتمع الفلسطيني والدولة نريد أن نبني؟ ثمة ما يدعو إلى القلق من إعادة إنتاج بعض ملامح منطق سياسي عرفه الفلسطينيون في الداخل خلال فترة الحكم العسكري، حين سعت الدولة الكولونيالية الناشئة إلى إدارة المجتمع الفلسطيني الأصلاني بوصفه أقلية ينبغي ضبطها واحتواؤها، وإلى إنتاج علاقات وساطة بينه وبين مؤسساتها، بحيث تمر الحقوق والخدمات والموارد، في كثير من الأحيان، عبر قنوات مرتبطة بالولاء والتكيف والقدرة على التوسط لدى السلطة.

والمقارنة هنا لا تعني أن واقعنا اليوم مطابق لفترة الحكم العسكري، ولا أن تجربة الموحدة هي استنساخ لها؛ فالظروف التاريخية والسياسية مختلفة جذريًا، لكنّ التاريخ يتيح لنا طرح سؤال نقدي حول منطق العلاقة مع السلطة. ففي السنوات التي أعقبت النكبة، بعد استلاب معظم الوطن والسيادة وتحويل الفلسطينيين الذين بقوا في وطنهم إلى أقلية خاضعة للحكم العسكري، وفي ظل عزلهم عن بقية أبناء شعبهم وبناته، وفرض منظومة الرقابة والقيود على الحركة والتنظيم السياسي، لم تكن استجابة الفلسطينيين مجرد التكيف مع الواقع الجديد. لقد احتجوا، ونظموا أنفسهم سياسيًا ونقابيًا وثقافيًا، وطالبوا بحقوقهم بوصفها حقوقًا تحت أشد الظروف قمعًا، وفي ظل النكبة رفضوا اختزال المواطنة في الطاعة أو تحويلها إلى علاقة ولاء مقابل خدمات. وقد راكمت هذه النضالات، إلى جانب عوامل وتحولات سياسية أخرى، ضغطًا ساهم في إنهاء الحكم العسكري عام 1966.

هذه التجربة التاريخية تستحق أن تكون حاضرة في النقاش مع منصور عباس والموحدة اليوم. والسؤال ليس: لماذا تتفاوضون مع المؤسسات الحكومية؟ فكل عمل سياسي يقتضي، في لحظات معينة، المواجهة وانتزاع الموارد واستخدام المؤسسات القائمة. السؤال الأصعب هو: متى يكون التعامل مع مؤسسات الدولة أداةً لتحصيل الحقوق، ومتى يتحول تدريجيًا إلى مشروع سياسي يعيد تعريف علاقتنا بالدولة وموقعنا داخلها وليس إلى تفكيك بنيتها؟ ومتى تكون البراغماتية وسيلة تخدم مشروعًا سياسيًا، ومتى تصبح هي المشروع نفسه؟

ليس المطلوب تحويل الاختلاف مع الموحدة ومنصور عباس إلى تخوين أو إخراجها وجمهورها من الجماعة الوطنية، بل المطلوب هو نقاش أكثر جوهرية حول المرجعية السياسية لهذا المشروع: هل نقطة الانطلاق هي أننا جزء من شعب فلسطيني أصلاني له حقوق وطنية وجماعية، ونستخدم أدوات المواطنة الكولونيالية الاستيطانية لتحصيل حقوقنا ومواجهة علاقات القوة القائمة؟ أم أن المواطنة تتحول تدريجيًا إلى مشروع للاندماج في هذه العلاقات كما هي ودون تفكيكها؟

هنا يقع، في تقديري، جوهر الخلاف. حقوقنا يجب أن تبقى حقوقًا لا مكافآت، والمشاركة أداة سياسية لا معيارًا للولاء، والهوية الوطنية نقطة انطلاق لا عبئًا ينبغي تخفيفه باسم “التأثير”. والتحدي الحقيقي أمام الموحدة، كما أمام بقية القوى السياسية الفلسطينية، هو أن تثبت انتزاع حقوقهم/ن لا يتطلب التخلي عن موقعهم بوصفهم جزءًا من الشعب الفلسطيني، بل يمكن أن تكون جزءًا من مشروع سياسي يجمع بين الحقوق المدنية والجماعية والانتماء الوطني.

نحن نعيش لحظة تاريخية لا يمكن أن تبقى فيها السياسة الفلسطينية محكومة بالأدوات والتصوّرات التي سبقت الإبادة. فالإبادة، وما خلّفته وتخلّفه من آثار سياسية واجتماعية وأخلاقية، لا تقع خارج أزمة المشروع الوطني الفلسطيني، بل تكشف عمقها وتفرض إعادة التفكير في أسئلته وأدواته وأشكال تنظيمه. وفي الوقت الذي يواجه فيه الفلسطينيون، باختلاف مواقعهم، الإبادة والتهجير والاستيطان والقمع والتهميش والعنف والجريمة، تصبح التجزئة السياسية نفسها جزءًا من المشكلة التي ينبغي مواجهتها. وهذا لا يعني إلغاء الاختلافات أو القفز فوق الخلافات الجوهرية باسم الوحدة، بل يقتضي البحث عن كيفية إدارة هذه الخلافات داخل إطار وطني قادر على إعادة بناء المشترك، وتعزيز الصمود، وتحديد الخطوط الحمراء، وفي الوقت نفسه إبقاء المجال مفتوحًا أمام المراجعة والتغيير وإعادة بناء الشراكة السياسية.

يمكن أن نختلف جذريًا حول الانتخابات، وحول حدود العمل البرلماني، وهذا اختلاف مشروع وضروري. لكن ينبغي أن يبقى هناك سقف يجمعنا: نحن لسنا أفرادًا يبحثون عن مكان داخل المشروع الكولونيالي الذي ينهش في أجسادنا وفي وطننا؛ نحن جزء من شعب أصلاني له حقوق مدنية وقومية، وله ذاكرة ومستقبل ومصير مشترك.

د. منصور عباس ومنتخبو الموحدة أمام خيار تاريخي: إما المضي في مشروع خطير علينا وعلى شعبنا في هذه اللحظة التاريخية، مشروع يجعل الاندماج في المؤسسة الإسرائيلية غاية سياسية، مهما كان الثمن الوطني؛ وإما مراجعة هذا المسار.

هنا، في تقديري، تقع المسؤولية التاريخية أمام د. منصور عباس ومنتخبي الموحدة: أن يعيدوا مساءلة المسار الذي يتبلور، لا من زاوية ما إذا كان قد نجح في تحصيل هذه الميزانية أو تلك، بل من زاوية المشروع السياسي الذي ينتجه على المدى البعيد. فلنفترض، جدلًا، أن خطاب “الاندماج” نجح في انتزاع الميزانيات والموارد التي يستحقها مجتمعنا أصلًا؛ ماذا يحدث في اليوم التالي؟ هل يعني هذا تحسين شروط حياتنا داخل النظام أم أن علاقات القوة التي تحكم موقعنا فيه قد تغيرت؟ وهل يؤدي الاندماج الأعمق في مؤسسات الدولة إلى تفكيك طابعها اليهودي، أم يمكن أن تتحسن بعض شروط حياتنا فيما تبقى البنية التي تنتج التمييز العنصري والسيطرة على حالها؟

هنا تكمن الحدود البنيوية لمشروع الاندماج. فالصراع مع الصهيونية لا يُحسم بتحسين شروط الحياة، ولا يُقاس بمقدار الموارد التي ننجح في تحصيلها، لأن جوهره يكمن في بنية الدولة نفسها وفي علاقات القوة والسيادة والامتياز التي تقوم عليها. قد ينجح هذا المشروع في توسيع هامش الخدمات والحقوق داخل هذه البنية، لكنّ ذلك لا يعني أبدًا تغييرها أو تفكيك علاقات القوة التي تنتج اللامساواة أصلًا. ويبدأ الخطر حين يتحول تحسين شروط الحياة من أداة لتعزيز صمود المجتمع وقوته وقدرته على مواجهة هذه البنية، إلى بديل عن تغييرها؛ وحين يصبح ثمن الاندماج أن نعيد تعريف أنفسنا وفق الحدود التي ترسمها لنا الدولة، لا انطلاقًا مما نحن عليه تاريخيًا وسياسيًا. عندها قد نكسب بعض الموارد، لكنّنا نخاطر بخسارة ما هو أكثر جوهرية: قدرتنا على تعريف ذاتنا السياسية، وعلى بناء مشروع يغيّر شروط النظام الكولونيالي القائم.

عن عرب48

About The Author

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *