بين التيه الفلسطيني والتوحش الإسرائيلي

لا يمكن، أو من الاجحاف، المقارنة بين ما تفعله القيادة الفلسطينية أو ما يمكنها فعله، وبين ما تفعله إسرائيل، علما أن ذلك لا يتعلق فقط بالفجوة الهائلة بين الطرفين في موازين القوى والاستثمار في المعطيات العربية والإقليمية والدولية المختلة كثيرا لصالح إسرائيل، وإنما يتعلق بالفجوة في طريقة إدارة الموارد وانتهاج الخيارات المناسبة والممكنة.

فالقيادة الفلسطينية تركز اليوم على الحق في الاستقلال عبر مراكمة الاعتراف الدولي بالدولة الفلسطينية، التي هي تحت الاحتلال. وبالتوازي تركز أيضا على الشرعية في السيادة بالأراضي المحتلة (1967)، ويأتي ضمن ذلك القرار بالتوجه نحو تنظيم انتخابات للمجلس الوطني الفلسطيني.

بيد أن المسارين المذكورين، على أهميتهما، يحتاجان لتفعيلهما إلى روافع عملية أو إلى إمكانيات، تنقلهما من حيز الورق إلى حيز الواقع، كما يحتاجان من القيادة الفلسطينية، إدراك أن الشرعية الخارجية، على أهميتها، ليست بديلا عن الشرعية الداخلية، على مستوى السلطة والمنظمة، فهذه هي التي تقوي القيادة، وتحصن الوضع الفلسطيني من الابتزاز.

ثمة مفارقة لافتة في وضع الطرفين، فبينما تخطط القيادة الفلسطينية على الورق، فإن إسرائيل تخطط على الأرض، ما يفيد بتعزيز هيمنتها من النهر إلى البحر، لخلق وقائع تؤدي إلى شطب البعد الفلسطيني من المعادلات السياسية.

هذا يفسّر سعي إسرائيل الحثيث لمحو قطاع غزة، ما يكشف الغرض الأساسي من حرب الإبادة الجماعية الوحشية، التي تشنّها ضد الفلسطينيين في تلك المنطقة، منذ قرابة عامين، والتي أدت إلى تقطيع أوصال القطاع، وتحويله إلى مكان غير صالح لعيش البشر، بحيث بات بمثابة أكبر مقبرة وأكبر معتقل في العالم.

وها هي إسرائيل تتوج حربها تلك باستعدادها لما أسمته عملية “عربات جدعون-2″، بحشد أكثر من مئة ألف جندي لاقتحام مدينة غزة، وسط القطاع المدمر، وإجبار مليون من سكانها على النزوح إلى الجنوب، إلى ما يسمى “منطقة إنسانية”، وهي بمثابة معتقلات جماعية تشبه تماما معتقلات النازية، التي نجم عنها “الهولوكوست”، إبان الحرب العالمية الثانية، تمهيدا لإجبار أكبر عدد من فلسطينيي غزة على مغادرة القطاع “طوعا” أو قسرا.

ومعلوم أن إسرائيل تفعل ذلك بعد أن تراجعت “حماس” عن كل مواقفها وثوابتها السابقة، وبعد أن وافقت على صفقة هدنة جزئية، وفي وضع لا تستطيع فيه القيادة الفلسطينية الرسمية أن تفعل شيئا لغزة، لا سلما ولا حربا، وبخاصة مع شعار إسرائيل أن لا “حماسستان” ولا “فتحستان” في غزة، وربما في الضفة، أيضا لاحقا.

أما في الضفة الغربية فإن الوضع ليس أحسن حالا، وإن اختلفت الوسائل، فثمة 147 مستوطنة رسمية، و224 بؤرة استيطانية تقطع أوصالها، بالإضافة إلى الجدار الفاصل، وثمة حوالي 750 ألف مستوطن، باتت لهم ميليشيا منظمة ومسلحة، وتعمل كرديف للجيش الإسرائيلي في الاعتداء على الفلسطينيين، وانتهاك حقوقهم وتصعيب عيشهم.

في حين تعمل القيادة الفلسطينية على ترسيخ وتوسيع خيار الدولة الفلسطينية، لكن على الورق، فإن إسرائيل تقوم عمليا بقضم الدولة الفلسطينية المفترضة على الأرض، ومصادرة أي إمكانيات للسيادة عليها

أيضا، فقد باتت الضفة ترتبط بإسرائيل بشبكة معقدة وقوية، من ناحية إدارية واقتصادية، وعبر البنى التحتية والمعابر، ما يعزز اعتماديتها عليها، وما يجعل الانفكاك مستحيلا ومكلفا، أو غاية في الصعوبة.

على ذلك لا يمكن فصل عملية “عربات جدعون-2″، التي تواصل فيها إسرائيل عملية محو غزة، عن محاولتها الهيمنة على الضفة، وضمن ذلك شروعها بتوسيع مستعمرة “معاليه أدوميم” شرقي القدس، والتي من شأنها فصل أو عزل، القدس نهائيا عن الضفة، وتقسيم الضفة إلى قسمين شمالي وجنوبي، الأمر الذي يجعل من قيام دولة فلسطينية، ذات تواصل وقابلة للحياة، عملية شبه مستحيلة.

يستنتج من ذلك بأنه في حين تعمل القيادة الفلسطينية على ترسيخ وتوسيع خيار الدولة الفلسطينية، لكن على الورق، وفي المحافل السياسية، ما أمكنها ذلك، تبعا لقدراتها وإمكانياتها، فإن إسرائيل تقوم عمليا بقضم الدولة الفلسطينية المفترضة على الأرض، ومصادرة أي إمكانيات للسيادة عليها.

وفي حين تتحرك القيادة الفلسطينية في واقع من حال الضعف والانقسام والتفكك على صعيد الحركة الوطنية الفلسطينية، وكياناتها السياسية بخاصة المنظمة والسلطة والفصائل، وهذا يشمل التفكيك المجتمعي، واختفاء مجتمعات اللاجئين الفلسطينيين في غزة والضفة وسوريا ولبنان، فإن إسرائيل تتغول وتهيمن، ليس بين النهر والبحر فقط، وإنما في محيطها أيضا، من دون أن يخفي رئيس حكومتها حلمه بإقامة “إسرائيل الكبرى”، التي تشمل أجزاء من أراض عربية.

وفيما المعركة تدور على التطبيع مع إسرائيل، بين من مع التطبيع ومن ضده، فإن إسرائيل تلك لا تبالي بكل ذلك، فهي كانت قد رفضت التطبيع بالجملة مع الدول العربية، برفضها “المبادرة العربية للسلام” (مؤتمر القمة العربية- بيروت 2002)، وهي تحاول اليوم فرض التطبيع، وفقا لمفهومها هي، ووفقا لمقولتها عن فرض “السلام بالقوة”، وذلك بتعميم خاصيتها على بلدان المشرق العربي، بوصفها دولة طائفية (يهودية)، بحيث يجري تطبيع تلك البلدان معها، بالتحول نحو دول تتأسس على هويات إثنية وطائفية، وهذا ما تحاوله في سوريا اليوم بدعوى حماية الأقليات.

الفلسطينيون، في ظل نكبتهم الجديدة في غزة، باتوا في حالة توهان ووهن، أكثر من أية فترة في تاريخهم

المشكلة أن الفلسطينيين، في ظل نكبتهم الجديدة في غزة، والقيود التي تكبلهم وتضعفهم في الضفة، وفي ظرف اختفاء مجتمعات اللاجئين الفلسطينيين في الخارج، باتوا في حالة توهان ووهن، أكثر من أية فترة في تاريخهم، يفاقم من ذلك تكلّس واستهلاك حركتهم الوطنية لذاتها، بكياناتها وخياراتها وعلاقاتها وأشكال عملها، ما يعزز من قدرة إسرائيل على الاستثمار في هذه الحالة، ليس فقط لشطب فكرة الدولة الفلسطينية، على الورق، وعلى الأرض، وإنما للمضي في شطب الوجود السياسي للشعب الفلسطيني، في ظل المعادلات الدولية والإقليمية الراهنة.

عن المجلة

About The Author

الفكر 1 على “بين التيه الفلسطيني والتوحش الإسرائيلي

  1. تحية
    بعد قراءة متأنية لما ورد في المقال ، يهمني الإشارة الى ضروروة تعريف العديد من المسميات الواردة و وظيفتها الحالية و خططها الحقيقية و تأثير ذلك على مسار القضية الفلسطينية ،
    – القيادة الفلسطينية : اذا كان الحديث عن القيادة الرسمية التي تعرف عن نفسها بقيادة السلطة الفلسطينية ( قيادة اوسلو)، هنا يجب التدقيق فيما تمارسه القيادة و مؤسساتها على الارض، ليس فقط بالضفة الغربية و القدس ، بل ايضا في تجمعات الشتات و اللجوء الفلسطيني في لبنان و سوريا بشكل خاص،
    ان الدور السلبي و الذي وصل في احيان كثيره الى التواطؤ مع خطط الإدارة الأمريكية، او بتسهيل مهمة الاحتلال عبر التنسيق الأمني.
    استنادا لذلك و حتى يصا المقال الى استنتاجات اقرب ما تكون الى الواقع، ان يتم الدخول بتفاصيل هذا النهج و المنهج المدمر لدور م ت ف كممثل شرعي للشعب الفلسطيني معترف به دوليا و اقليما ، و تدمير مؤسساتها الذي عكس نفسه على الحالة الفلسطينية برمته مما يدفع البعض منا كاتب المقال، الأخ ماجد كيالي ان يصف المجتمعات الفلسطينية في الشتات بأنها تعيش حالة توهان و تشتت و شلل ،
    في الحقيقة من يعيش حالة التوهان هذه هي القيادة الفلسطينية الرسمية و ليس المجتمع الفلسطيني.
    من جهة اخرى ، ماةيحدث في غزة و ما يواجه شعبنا هناك من إبادة و تهجير قصري و قتل و تدمير ، ليس مخططا اسرائيليا بحتاج، بل هو مشروع امريكي بامتياز و بتواصل فعلي دولي من كثير من الاقطاب الدولية بما فيها روسيا و الصين و غيرها ممن يدعون انهم أصدقاء لشعبنا و لقضيتنا، إضافة الى الصمت العربي الذي يرقى الى مستوى التواطؤ عند البعض منهم، لكن أداة التنفيذ لهذه المقاومة الاجرامية ( القاتل المأجور) و كالعادة هي دولة الكيان الصهيوني .
    من لديه اي شك في دور أمريكا و موقعها في هذا الجريمة التاريخية ، يعيش حالة التهاني و التشتت الفكري كما يقول الكاتب كيالي،
    نقطة اهيرة ، هل نحن الفلسطينيين نواجه اليوم المخطط الصهيو – امريكي في وطننا و في الشتات بكامل طاقتنا و قدراتنا؟
    ام ان اكثر من ٥٠% منةهذه الطاقات مشلولة او مكبلة او ما زالت تعيش وهم الحل السلمي، المفاوضات العبثية، مسار اوسلو، حل الدولتين ، بيانات التضامن الرسمية العربية الفارغة من مضمونها ؟
    اي متابع لتصريحات القيادة الفلسطينية الرسمية بما فيها الرئيس ابو مازن تجيب على كثير من هذه التساؤلات اذا أردنا فعلا سماعها ، اما من يرغب في السير مع الحكمة الصينية القديمة ، لا اسمع، لا أرى، لا اتكلم ، سيجد نفسه ينضم تلقائيا الى ٤٠٠ مليون عربي و ٢ مليار مسلم يشاهد ما يجري و يدعو بالنصر للشعب الفلسطيني .
    ان محاور النقاش و القضايا التي يثيرها المقال ، هي محاور هامة جدا و بحاجة الى مزيد من التفاصيل، خاصة فيما يتعلق الوضع الفلسطيني الرسمي و الشعبي،
    لقد أعلن المجرم النتن ياهو ومعه عصابته انهم يواجهون حربا وجودية و نقطة مفصلية في مشروعهم الصهيوني في المنطقة ، و بالتالي نحن الفلسطينيين نواجه لحظة مفصلية بين الانتصار على هذه الحلقة من المشروع الصهيوني ، ام الانكسار و الانكفاء للخلف لسنوات قادمة حتى يتمكن جيل جديد من متابعة المسيرة و تغيير عناصر المعادلة و بناء عوامل النصر .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *