بين التجدّد والتعدّد والتبدّد .. فلسطينيا

في حديث شائق مع الصديق محمد أبو ميزر (أبو حاتم) الذي عمل مسؤولًا للعلاقات الخارجية في حركة فتح، ورافق خليل الوزير (أبو جهاد) في مكتب الحركة في الجزائر بعد استقلالها، وتولّى مسؤولية المكتب من بعده في منتصف الستينيات، قال إن نقاشًا دار في أروقة جبهة التحرير الوطني الجزائرية بعد استقلال البلاد، وطرد المستعمر الفرنسي منها، بشأن مصير الجبهة ومستقبلها، حيث سادت وقتها مقولة في أوساط كوادر الحركة مفادها بأن الجبهة “إما أن تتجدّد أو تتعدّد أو تتبدّد”، وأظن أن هذه هي سنة الحياة في الجماعات والحركات والأحزاب السياسية.

على الرغم من أن الفصائل الفلسطينية لم تجتز بعد مرحلة التحرّر الوطني، ولم تُحرّر فلسطين أو جزءًا منها، بل وفشلت حتى في إنجاز ما وعدت به في برنامج النقاط العشر الذي طرحته عام 1974، حين استبدلت إقامة سلطةٍ على جزء من الأرض الفلسطينية بهدف التحرير الكامل، وعجزت عن تحقيق دعواها بأن اتفاق أوسلو، والاعتراف بحق إسرائيل في الوجود، سيؤدّيان إلى حل الدولتين، ووُسم ذلك البرنامج بالمشروع الوطني الفلسطيني، إلا أن فصائلها تعدّدت مرارًا وتكرارًا؛ فالجبهة الشعبية، ومنذ بداياتها، خرجت من رحمها الجبهة الديمقراطية والقيادة العامة التي ما لبث أن غادرها أبو العباس ليؤسس جبهة التحرير الفلسطينية. أما حركة فتح، فقد انشق عنها صبري البنا وأسس فتح – المجلس الثوري، وانشقّ عنها أبو صالح وأبو موسى، وأسّسا “فتح الانتفاضة”. وبعد “أوسلو”، تناسخت بعض التنظيمات الفلسطينية، ليصبح لكل منها نسختان أو أكثر تحمل الاسم ذاته، إحداهما في الخارج والثانية في رام الله. وينطبق هذا على جبهة النضال الشعبي، وجبهة التحرير الفلسطينية التي زاد عدد نسخها على اثنتين. أما جبهة التحرير العربية التي أسسها حزب البعث، في جناحه العراقي، فقد استقرّت نسختاها في مناطق السلطة الوطنية الفلسطينية. وهذا حال الحزب الشيوعي الفلسطيني الذي تولدت عنه نسخ عدة، منها الحزب الشيوعي الثوري، والمبادرة الوطنية، وأصبح حزب الطبقة العاملة حزبًا للشعب. في حين خرج ياسر عبد ربه وصالح رأفت من الجبهة الديمقراطية ليشكلا حزب فدا. أما حركة فتح، بعد إعادة إنتاج أوسلو في عهد الرئيس محمود عباس، فقد تشكّل منها تياران؛ الأول التيار الإصلاحي (محمد دحلان)، والثاني ملتقى ناصر القدوة ومروان البرغوثي.

هذا عن التعدّد، أما عن التجدّد، إيجابيًا كان أم سلبيًا، فقد تجدّدت بنية منظمة التحرير الفلسطينية بعد حرب يونيو/ حزيران 1967، إذ سيطرت الفصائل الفلسطينية المؤمنة بالكفاح المسلح على هيئاتها القيادية. لاحقًا، تحوّل برنامجها من التحرير الكامل إلى الحل المرحلي، ومن ثم حدث الانقلاب الأكبر بتوقيع اتفاق أوسلو، وجنحت أكثر، حين أُعيد إنتاجه بنسخة أشد سوءًا بعد وفاة ياسر عرفات.

ثمّة تجدد آخر في بنية الحركة الوطنية الفلسطينية، نشأ عن بروز تيارات أخرى، مثل حركتي المقاومة الإسلامية (حماس) والجهاد الإسلامي، وتمثيلهما قطاعًا واسعا من الشعب الفلسطيني، لكن الحقيقة أن الفصائل الفلسطينية الأخرى عجزت، خلال الفترة الماضية، عن تجديد بنيتها التنظيمية، وبرامجها السياسية، أو حتى نقد تجربتها الماضية بما حملته من سلبيات وإيجابيات، وعجزت نتيجة لذلك عن استشراف طبيعة المرحلة وحلقتها المركزية، وبناء استراتيجيتها، ووسائلها النضالية، وما برحت تعيش على ذكرى تاريخٍ مجيدٍ تعجز عن استخلاص دروسه وعبره.

يقودنا هذا إلى التساؤل عما إذا كانت الانتخابات التشريعية الفلسطينية (إن تمت) ستجدّد من واقع الحركة الوطنية الفلسطينية، أو ستنتشلها من مأزقها وتُنهي انقسامها. 36 قائمة ترشّحت للانتخابات، منها قائمة حركة حماس التي ستتجاوز نسبة الحسم، وقد تحصد ما يزيد على ثلث مقاعد المجلس التشريعي، وأربع قوائم لليسار (الجبهة الشعبية، والجبهة الديمقراطية، وحزب الشعب، والمبادرة الوطنية) الذي أخفق في توحيد صفوفه، ويُتوقع أن تحوز قوائمه عددًا محدودًا من المقاعد لن يزيد على ما نسبته 5% من إجمالي مقاعد المجلس التشريعي، تُضاف إليها قائمة يقودها حسن خريشة قد تحصل على مقعد أو اثنين، وغاب عن المشهد من تبقى من مسميات الفصائل، بعد أن تلاشت فكرة القائمة الوطنية الموحدة، فانعدمت الحاجه إليها.

ستُمثَّل حركة فتح رسميًا بثلاث قوائم: اللجنة المركزية، والتيار الإصلاحي، وائتلاف ناصر القدوة ومروان البرغوثي، ويُتوقع أن تحصد مجتمعة أيضًا ما يزيد على ثلث مقاعد المجلس. بينما بعض القوائم المتبقية تشكّل امتدادًا لاتجاهات عشائرية أو مناطقية، كانت تتنافس على المقاعد الفردية في ظل قانون الانتخابات القديم، واضطرّت إلى تأليف قوائم، في محاولة للحصول على تمثيل ملائم لزعامات عشائرها أو وجهاء مناطقها. أما القوائم الأخرى فقد لجأ مستقلون وناشطون إلى تشكيلها، وهؤلاء في غالبيتهم كانوا يشكلون جزءًا من قاعدة حركة فتح وأنصارها. ويلاحظ أن عددًا من أعضاء الحركة الحاليين أو السابقين قد انضموا إلى هذه القوائم، أو بادروا إلى تشكيلها، بعد تهميشهم وإقصائهم عن القائمة الرسمية، في تكرار لما حدث على مستوى المقاعد الفردية في انتخابات عام 2006، حيث جاءت انتخابات هذا العام على صورة قوائم نسبية.

في هذا السياق، ما الجديد الذي ستنبئنا به هذه الانتخابات على مستوى حركة فتح والسلطة الفلسطينية؟ على مستوى البرنامج السياسي، لا يبدو أن شيئًا سيتبدل، فالحقيقة الجلية أن من اعترض على قائمة “فتح” الرسمية لم يعترض على برنامجها السياسي المستمر منذ اتفاق أوسلو، واقتصر اعتراضه على الأشخاص والأداء والأسلوب، وليس على البرامج والسياسات. يذكّرنا هذا بموقف الرئيس محمود عباس، حين انصبّ نقده وهجومه على أداء ياسر عرفات وأسلوبه والأشخاص المحيطين به، في ذروة خلافه معه. وهذا يتجدد الآن، ولكن في مواجهة محمود عباس، فثمّة وهم بأن نتيجة المفاوضات كان من الممكن أن تتغير لو قادها فلان بدلًا من علان، في تجاهل للبرامج والاستراتيجيات وموازين القوى، وانعدام الرغبة في تغييرها، أو القدرة على صوغ برامج ثورية وتطبيقها.

لم تقدّم أي من قوائم “فتح” الثلاث برنامجًا مختلفًا من حيث الجوهر، فثلاثتها تمسّكت بما تزعم أنه المشروع الوطني المتمثل بحل الدولتين، وبالمفاوضات والشرعية الدولية وسيلة للحصول عليه، وإن كان منسوب الدعوة إلى تنظيم الطاقات، والوصول بالمواجهة الشعبية إلى حدودها الدنيا، قد تفاوت بينها، لكن جوهر المشروع ظل واحدًا، وكذلك السبل المتوهمة لتحقيقه، واقتصرت الانتقادات على الأداء والأسلوب والممارسات الفردية.

لم يخرج ناصر القدوة، مثلًا، في إطلالاته الإعلامية، على المستوى السياسي، عن البرنامج الحالي، وإن انتقد وبشدة أسلوب تطبيقه، وهاجم الإسلاموية التي يقصد بها الإسلام السياسي، وأرسل بذلك رسالة واضحة إلى الخارج، مفادها بأن ثمة بديلا من داخل معسكر فتح، وأنه مستعد للتعاون إن أُسندت إليه مهمة قيادة المرحلة المقبلة بعد رحيل الرئيس محمود عباس أو غيابه عن المشهد. الجانب الثاني في أمره، وهو يخدم الأول ويكمله، تمثل بتركيزه على أن حركة فتح، مع تعدّد قوائمها، لن تخسر أصواتًا أو مقاعد، إذ إن الأعضاء الذين سيُنتخبون، بمن فيهم كتلة التيار الإصلاحي (محمد دحلان)، وأنصارهم من القوائم المستقلة، هم الذين سيشكلون معًا كتلة فتح البرلمانية. يعني ذلك أن هذه الكتلة هي التي سترسم ملامح السلطة القادمة، وستطالب بنصيبها في المواقع التنظيمية للحركة أو في السلطة وأجهزتها، بما يتلاءَم مع حجمها وقوتها، من دون أن يتمكّن أحد من فصلها أو إقصائها، وهذا سيتطلب وجود توازناتٍ جديدةٍ مختلفة. ومهما كان حجمها ونتيجتها، فإن محمود عبّاس سيكون الخاسر الأكبر فيها، إذ سيضطر إلى مشاركة بعض صلاحياته مع خصومه داخل “فتح”. وإذا استمر ذلك إلى حين انتخابات الرئاسة (ما لم تتأجل) وترشّح مروان البرغوثي مقابل محمود عباس، فقد نشهد نهاية مرحلة وبداية أخرى تحمل في داخلها كثيرا مما مضى، لكنها تنطق بقرب نهايته.

هل ثمّة فصائل تبددت؟ في الحقيقة، لم يتبقَ من التراث الفصائلي السابق سوى “فتح” والجبهتين الشعبية والديمقراطية، وبنسب أقل بكثير مما كانتا عليه. أما بقية الفصائل فقد تبدّدت في الواقع، ولا يزيد عدد المنتسبين إلى أي فصيل منها على عشرات، إن غلبت المبالغة على التقدير الواقعي. وأضحى معظمها أدوات تستخدمها قيادة “فتح” والسلطة في إطار المحاصصة والمناكفة، فهي فصائل قد تبدّدت تنظيميًا وجماهيريًا، وأضحت عبئًا على الحركة الوطنية الفلسطينية. أما “فتح”، فقد تبدّد فيها ما هو أخطر من ذلك، إذ غابت فكرتها الأولى، وأصبحت حركةً تعيش على مجد تليد وباهر في زمان مضى، فهي أول الرصاص وأول الحجارة، أما اليوم فلا رصاص ولا حجارة.

عن العربي الجديد
اللوحة للفنان نبيل عناني

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *