بين إرث إدارة ترامب وعكسه: توجهات ادارة بايدن بشأن قضية فلسطين

في دراستين للعددين الأخيرين من مجلة ” سياسات” (عدد ٤٨ وعدد ٤٩-٥٠) تطرق الباحث إلى الانتخابات الامريكية لعام ٢٠٢٠ من حيث برامج المرشحين والأحزاب وتفاعلاتها مع الوضع الداخلي في الولايات المتحدة الأمريكية وأثرها على الإقليم العربي وبشكل خاص على فلسطين. تأتي هذه الورقة كمتابعة لسياسة الإدارة الأمريكية الديمقراطية الجديدة تجاه فلسطين، وفي هذا الإطار تحلل الدراسة بداية إرث إدارة ترامب السابقة بشأن القضية الفلسطينية، ثم تناقش كيف ستتعامل معه الإدارة الجديدة بناء على تصريحاتها وسلوكها حتى لحظة كتابة هذا النص ، وكيف ستتكيف مع التطورات الداخلية والخارجية التي حصلت منذ انتقلت الرئاسة من أوباما إلى ترامب ؟ وما هي الجوانب التي ستبقيها الإدارة الجديدة من قرارات ترامب في التعامل مع القضية الفلسطينية وما هي الجوانب التي ستلغيها ولماذا في ضوء أولًا التفاعلات داخل الحزبين الديمقراطي والجمهوري والمجتمع الأمريكي وعوامل الدفع والكبح التي ستقدمها أمام أية مبادرة للإدارة الجديدة للتعامل مع الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، ونتائج الصراع بين التيارات المختلفة داخل الحزب الديمقراطي وتأثير هذا الصراع على طبيعة التصويت الكونغرس بشأن القضية الفلسطينية سيما في مجلس الشيوخ . وفي ضوء ثانيا العوامل الإقليمية والفلسطينية والإسرائيلية والدولية وتأثيراتها خلال السنوات الأربع القادمة لحكم بايدن على طبيعة التوجهات الأمريكية نحو القضية الفلسطينية والشرق الاوسط الجديد الجاري انشاؤه مع دور محوري لإسرائيل فيه مع تقلص أهمية المنطقة بالنسبة لأمريكا مع زيادة إنتاج الزيت الصخري في الولايات المتحدة .

بعد هذا التحليل لهذه العوامل الثلاث تذهب الورقة إلى استشراف المواقف الامريكية تجاه فلسطين في ضوء الحراك بين هذه العوامل، حيث ترجح الدراسة تعزز التوجه الامريكي إلى إدارة الصراع او الانسحاب منه إلا إذا حدثت انتفاضة فلسطينية أو تغيرات كبرى في المنطقة يمكن أن تجبر الادارة الامريكية على التدخل من أجل تسوية الصراع . بعد ذلك تفحص الورقة ممكنات إحداث  التغيير في المواقف الامريكية تجاه القضية الفلسطينية والمنطقة والطرق التي يمكن استخدامها وتوظيفها من خلال أجندة عمل فلسطينية للتعامل مع الساحة الامريكية الرسمية وغير الرسمية في آن معا . وفي هذا الإطار تطرح  الورقة  انطلاقا من رؤيتها لتحويل النزاع لا انتظار ما يخططه الآخرون لفلسطين الخيارات الفلسطينية الممكنة لتحويل المواقف الامريكية باتجاه فلسطين رسميا وشعبيا وتطرح لائحة بالقضايا المقترحة للحوار مع الادارة الامريكية والمجتمع الامريكي تتضافر فيه جهود القيادة الفلسطينية مع جهود الجالية الفلسطينية وحلفائها داخل الولايات المتحدة الأمريكية. وتنتهي الورقة بخاتمة تلخص بعض ما جاء بها وتقترح أن  أوراق تعطيل الحل موجودة عند أمريكا وهو ما يستوجب تغييره، عبر طرح أفق للعمل يقوم على شحذ الدور الفلسطيني تجاه قضيته داخل الوطن وخارجه  كمحفز للآخرين كي يتحركوا بشأنها .

إرث إدارة ترامب واتجاهات ادارة بايدن بشأن فلسطين

تسلم الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب مسؤولياته في مطلع عام ٢٠١٧ على وقع فشل إدارة الرئيس الديمقراطي السابق باراك أوباما في تحقيق اتفاق تسوية للقضية الفلسطينية بين المفاوضين الفلسطيني والاسرائيلي . وتعددت أسباب هذا الفشل بين موقف حكومة اليمين الاسرائيلي المتطرف بزعامة بنيامين نتنياهو، وبين المواقف الامريكية التي عبر عنها جون كيري وزير الخارجية الأمريكي آنذاك والتي رغم تناقض رئيس الحكومة الاسرائيلية بنيامين نتنياهو مع بعض مكوناتها سيما فيما يتعلق بالعاصمة الفلسطينية في ضواحي القدس والاستيطان الصهيوني  ، فإنها قد تقاطعت مع مواقف الحكومة الاسرائيلية في طرح ضرورة اعتراف الفلسطينيين بيهودية دولة إسرائيل ، ورفض عودة اللاجئين الفلسطينيين إلى داخل إسرائيل ، واعتبار القدس عاصمة موحدة لدولة إسرائيل ، والقبول فقط بإقامة عاصمة فلسطينية في ضواحيها إما  داخل الحدود البلدية المفروضة على المدينة منذ احتلال ١٩٦٧ كمنطقة بيت حنينا ، أو خارج هذه الحدود كمنطقة ابوديس الواقعة في محافظة القدس، واخيرا القبول بضم الكتل الاستيطانية إلى إسرائيل مع تبادل أراض. ومع هذا الفشل انتقل جون كيري للتفاوض ثنائيا مع إسرائيل على بنود اتفاق إطار للتسوية بدلا من اتفاق للتسوية ابتداء من نوفمبر / تشرين أول ٢٠١٣، وذلك بدون إشراك الرئيس الفلسطيني محمود عباس في هذه المفاوضات ، والتي شكلت نتائجها صدمة للرئيس محمود عباس عندما أطلعه جون كيري على نتائجها أثناء لقائهما في باريس في آذار ٢٠١٤ نظرا لعدم توافقها مع الحد الادنى المقبول فلسطينيا( رافيد ، ٢٠١٤). بقية القصة بعد ذلك معروفة حيث رفضت حكومة نتنياهو اطلاق دفعة رابعة من الاسرى كان متفقا عليها ، مما أدى إلى توقف المفاوضات . وحمل كيري إسرائيل مسؤولية فشل المفاوضات ، ولكن لم يترتب عن هذا التحميل أية عقوبات أو ضغوطات امريكية جادة لثني إسرائيل عن مواقفها.

مع ذلك ، لم ييأس جون  كيري من  توقف المفاوضات ، فقد استمر في محاولاته عام ٢٠١٦ بعد أن كرس عام ٢٠١٥ لانجاز الاتفاق النووي مع إيران . ففي شباط ٢٠١٦ عقد مؤتمر رباعي في مدينة العقبة الاردنية شارك فيه رئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتنياهو والملك عبد الله ملك الأردن والرئيس عبد الفتاح السيسي رئيس مصر ، وجون كيري وزير الخارجية الأمريكي . ناقش المؤتمر اطلاق مبادرة اقليمية أعدها جون كيري لحل النزاع الفلسطيني الاسرائيلي تتضمن الاعتراف بإسرائيل كدولة يهودية ، ووجود دولتين لشعبين فلسطينية واسرائيلية مع تعديلات حدودية متفق عليها ، وحل قضية اللاجئين الفلسطينيين في إطار الدولة الفلسطينية ، وعاصمتين للشعبين في القدس ، على أن يتلو هذه التسوية تطبيع عربي مع اسرائيل وعدت الاردن ومصر أن تشمل السعودية والامارات العربية المتحدة ، وخلال الاجتماع رفض نتانياهو خطة كيري وطرح خطة بديلة من جانبه تتضمن بعض التحسينات للفلسطينيين مثل توسيع البناء في المنطقة ج، ولكن مقابل قبول توسيع الكتل الاستيطانية الاسرائيلية الكبرى في الضفة ، وهكذا فقد انتهى الاجتماع إلى الفشل ( رافيد ، ٢٠١٧).

شكل المؤتمر الإقليمي الذي عقد في مدينة العقبة أساسا للبناء عليه من قبل إدارة الرئيس ترامب اللاحقة . ولكن مع تغيير هذه المرة ، فإذ نصت مبادرة كيري على مواكبة عربية من قبل الاردن ومصر، ودول  الخليج  بدرجة معينة للمفاوضات الفلسطينية الاسرائيلية حتى نجاحها ليتلو ذلك تطبيع عربي مع إسرائيل ، فإن ادارة ترامب قد أرادت بناء على نصائح نتنياهو أن تجعل التطبيع العربي الاسرائيلي يأتي أولا ، على أن تتم تسوية (او تصفية) الموضوع الفلسطيني في مرحلة لاحقة بعد هذا التطبيع . وقد صرح نتنياهو بعد لقائه بالرئيس ترامب في واشنطن إثر تنصيبه قائلا : ” لأول مرة في حياتي ولاول مرة في حياة بلدي ، فإن الدول العربية لم تعد ترى بإسرائيل عدوا وإنما حليفا”( رافيد ، ٢٠١٧). ويبدو أن هذا التصريح كان كشفا لما كان يجري من محادثات تطبيع سري وعلني مع الإمارات والبحرين والسودان والمغرب والتي أنتجت علاقات دبلوماسية كاملة مع إسرائيل في حالات الإمارات والبحرين والسودان تحت إسم ” اتفاقيات إبراهيم ” وعلاقات جزئية على مستوى مكاتب تمثيل بين المغرب وإسرائيل عام ٢٠٢٠. مثلت هذه التحولات تغييرا للمبادرة العربية للسلام والتي اشترطت حدوث التطبيع بانسحاب اسرائيل أولا  من الأراضي الفلسطينية والعربية المحتلة عام ١٩٦٧. وبهذا التحول تكون إدارة ترامب قد وضعت مسارا جديدا أمام إدارة بايدن لن تستطيع هذه الاخيرة سوى دعمه ، فلم تقول لا للتطبيع العربي الذي تم مع إسرائيل خارج سقف المبادرة العربية للسلام ؟ ولم لا ترحب به كما فعلت منذ ايامها الاولى في الحكم ؟ ولم لا تسعى لاحقا للمزيد من تطبيع دول عربية إضافية  مع إسرائيل بدون حل القضية الفلسطينية ؟. مثلت هذه المسألة النقطة الاولى التي تركها ترامب لبايدن ولن يستطيع الأخير تجاوزها.

اما المسألة الثانية التي خلفها ترامب لبايدن فهي تتعلق بنقل السفارة الامريكية من تل أبيب إلى القدس تنفيذا لقرار اتخذه الكونغرس عام ١٩٩٥، وعكفت الادارات الامريكية السابقة على تأجيل تنفيذه لعدة شهور مرة بعد مرة من خلال أوامر رئاسية ، حيث جاء ترامب ونفذ القرار مزيلا بذلك عثرة كانت قائمة في العلاقات بين البيت الأبيض وبين الكونغرس بديمقراطييه وجمهورييه الذين أيدوا جميعا نقل السفارة إلى القدس . لذا سيجد الرئيس بايدن نفسه بتوافق مع الكونغرس في هذا النقل الذي تم للسفارة إلى القدس ولن يعيدها إلى تل أبيب. في المقابل طرحت إدارة بايدن اعادة فتح القنصلية الأمريكية في القدس للتعامل مع الفلسطينيين وهي القنصلية التي كان قد أغلقها ترامب. حتى لحظة انهاء هذا النص لم يكن قد اعيد فتح القنصلية الامريكية في القدس ، فيما استمرت وحدة الشؤون الفلسطينية في السفارة الامريكية في القدس المقاطعة فلسطينيا تتابع الشؤون الفلسطينية حتى انهاء كتابة هذا النص.

وهنالك ثلاثة مسائل أخرى خلفها ترامب لبايدن ، ولم يغيرها الاخير وهي : ثالثا : قرار ادارة ترامب بوسم منتجات المستعمرات الإسرائيلية ومنتجات المنطقة ج من الضفة الغربية  المصدرة إلى الولايات المتحدة الأمريكية على أنها منتجة في إسرائيل . ورابعا : قرار إدارة ترامب وسم المنتوجات الفلسطينية الواردة إلى أمريكا من الضفة بعبارة ” الضفة الغربية ” والاخرى الواردة من غزة بعبارة ” قطاع غزة ” على إعتبار أن الضفة وغزة هما وحدتان اداريتان منفصلتان لا تجمعهما فلسطينيتهما تحت تسمية واحدة . وقد تم اعلان القرارين المذكورين في ثالثا ورابعا أثناء زيارة مايك بومبيو الوداعية لإسرائيل في نوفمبر / تشرين أول ٢٠٢٠. ( بومبيو ٢٠٢٠). وخامسا القرار الذي صدر في تشرين أول / أكتوبر ٢٠٢٠ بمنح الأمريكيين المولودين في القدس حق كتابة عبارة ” مولود في إسرائيل ” في جوازات سفرهم بدلا من عبارة ” مولود في القدس ” كما كان عليه الحال في قرارات الادارة السابقة ، وما ينطوي على ذلك من تعزيز الاعتراف بالقدس كعاصمة لإسرائيل.  وعندما سؤل السيد نيد برايس الناطق بلسان وزارة الخارجية في عهد الرئيس جو بايدن في مؤتمره الصحفي في شباط ٢٠٢١ عما إذا كانت ادارة بايدن تنوي تغيير هذا الترتيب المتعلق بجوازات سفر الأمريكيين المولودين في القدس ، أجاب :” ليس لدينا تغييرات بشأن هذه النقطة “.  ( برايس ، شباط ، ٢٠٢١).

بناء على ما تقدم فإن هنالك خمسة أمور متعلقة بفلسطين حدثت في عهد ترامب ، ولم تقرر ادارة بايدن تغييرها : الاولى تتعلق بعكس مسار التطبيع العربي مع إسرائيل ليستند مجددا إلى نص المبادرة العربية للسلام بأن لا تطبيع قبل انسحاب إسرائيل من كافة الأراضي العربية المحتلة ، والثاني يتعلق بنقل السفارة الامريكية من تل ابيب إلى القدس ، والثالث يتعلق باعتبار المستعمرات والمنطقة ج من الضفة الغربية  ومنتجاتها جزءا من إسرائيل، والرابع : اعتبار الضفة وغزة وحدتان اداريتان منفصلتان  ، ولا عجب بناء على ذلك أن يرد في تقرير صدر عن مؤسسة راند البحثية الامريكية خيار يدعو إلى الكونفدرالية بين اسرائيل ودولتين فلسطينيتين واحدة في الضفة والاخرى في غزة ( ايجل وسي روس وآخرين  ، ٢٠٢١).  وخامسا : النظر إلى القدس كعاصمة موحدة لإسرائيل عبر تسجيل مكان الولادة للأمريكيين المولودين في القدس على أنه إسرائيل.

عدا هذه المسائل الخمس اعلنت إدارة بايدن أنها ستغير  ثلاثة أخرى ، ولكنها تركتها للمقايضة مع الجانب الفلسطيني حولها وهذه المسائل الخمس هي : أولا : إعادة المساعدات الامريكية للسلطة الوطنية الفلسطينية التي بقيت مشروطة بموافقة السلطة الوطنية الفلسطينية على التوقف عن دفع مساعدات لعائلات الشهداء والاسرى . ثانيا : إعادة فتح مكتب منظمة التحرير الفلسطينية في واشنطن حسب الترتيب السابق قبل اغلاقه من قبل ادارة ترامب ، أي  بقرارات مؤقتة تجدد مرة  كل ستة أشهر من أجل التحايل على قرار للكونغرس اتخذ في نهاية الثمانينيات من القرن الماضي يعتبر م ت ف منظمة ارهابية . والثالث يتعلق باعادة تمويل وكالة الغوث الدولية الذي لم ينفذ حتى الآن رغم تخصيص الميزانيات لذلك من قبل الكونغرس  . وما عدا ذلك لم تشر الادارة الجديدة أيضا  إلى إعادة دعم مستشفيات القدس الشرقية التي أوقف ترامب دعمها.

تصريحات الإدارة الجديدة

وإذا ما أتى المرء إلى تصريحات الإدارة الجديدة وأقطابها بعد تنصيبها ، فلن يجد تصريحا رسميا يقول بشكل جلي لا لبس فيه بأن إدارة بايدن قد قررت إلغاء خطة صفقة القرن المسماة ب” خطة السلام من أجل الازدهار” ، وبمراجعة الصفحة الالكترونية  الرسمية للبيت الأبيض ، وكذلك الصفحة الرسمية لوزارة الخارجية لم يجد الباحث أي نص من هذا القبيل ، وفي المقابل وجد أحاديثا عن أن المستوطنات الاسرائيلية هي عقبة في طريق السلام ، بدلا من لغة اعتبارها غير شرعية كما جاء في قرار مجلس الأمن  ، ووجد أحاديث أخرى  عن أن الحل للنزاع يتم من خلال التفاوض المباشر بين الطرفين وليس استنادا لقرارات الشرعية الدولية  . أي العودة إلى السياسة التقليدية للولايات المتحدة التي تمنح إسرائيل حق التقرير بشأن الدولة الفلسطينية حدودا ومساحة وسلطات وكأنه لا توجد قرارات أممية مرجعية تحدد هذه الامور.

وإذ لم يتطرق الرئيس بايدن في خطابه الأول الى القضية الفلسطينية ،  وأعطى الاولوية لقضايا الصراع مع الصين وروسيا ، ولمعالجة الملف النووي الإيراني ، فقد ترك ذلك لوزير خارجيته أنتوني بلينكن الذي تحدث عنها في مرات عديدة لعل اهمها أثناء لقائه مع وولف بليتزر على قناة سي إن أن ، حيث رحب الوزير بلينكن باتفاقيات إبراهيم ، كما تحدث عن إمكانية الانخراط الأمريكي في الصراع الفلسطيني الاسرائيلي على أن تنخرط الأطراف ذاتها قبل ذلك ، وقال أن ” الحقيقة الصعبة هي أننا على مسافة بعيدة ، ورؤية انطلاقة وحل نهائي للمشاكل بين الفلسطينيين والاسرائيليين ، وإنشاء دولة فلسطينية “( بلينكن ، شباط ٢٠٢١). وأضاف أن توجه وزارته بناء على ذلك مبني على مقاربة عدم إحداث الضرر ( do no harm) ، وذلك عبر مطالبة الطرفين بعدم القيام بأية إجراءات أحادية تعطل العمل من أجل خلق ظروف مواتية لإعادة استئناف مفاوضات السلام ، واضاف أنه لن يتم اعادة نقل السفارة الأمريكية من القدس إلى تل أبيب ، وردا على سؤال مقدم البرنامج بليتزر بشأن دعم أمريكا لإقامة عاصمة فلسطينية في القدس ، فقد استنكف الوزير عن تقديم دعم امريكي كهذا وقال بأن هذا الأمر يتعلق بالمفاوضات النهائية بين الطرفين ( بلينكن ، شباط ٢٠٢١). وكان المتحدث باسم وزارة الخارجية الامريكية نيد برايس قد صرح أيضا بأنه قد تقرر إعادة الدعم الامريكي للفلسطينيين ، وأنه تجري عملية فحص الكيفية التي ستتم بها إعادة هذه المساعدات بالاستناد الى القيم والمصالح والقانون الأمريكي . وفيما يتعلق بقرار الصندوق القومي اليهودي الشروع بشراء أراضي للاستيطان في الضفة الغربية قال السيد برايس أن على الطرفين التوقف عن القيام بأية إجراءات تصعد التوتر وتعقد جهود إحياء عملية السلام مثل ضم الأراضي والنشاط الاستيطاني وعمليات الهدم من قبل اسرائيل ، والتحريض على العنف وتقديم مساعدات للافراد المسجونين بسبب انشطة إرهابية من قبل الفلسطينيين( برايس ، شباط ٢٠٢١). وفي سياق آخر علق السيد برايس على قرار محكمة الجنايات الدولية بدء تحقيق ضد الجرائم الإسرائيلية المرتكبة في الأراضي الفلسطينية المحتلة عام ١٩٦٧)، قائلا : ” فلسطين ليست دولة مستقلة ، لذا فإن تحقيق المحكمة الجنائية الدولية غير مناسب ، وقد عارضت الولايات المتحدة صلاحية المحكمة الجنائية الدولية لفحص جرائم الحرب الاسرائيلية “. ( نيد برايس A: شباط ٢٠٢١). واخيرا فقد صوت مجلس الشيوخ الأمريكي في أوائل شباط ٢٠٢١ على إبقاء السفارة الامريكية في القدس بمصادقة ٩٧ من أعضاء المجلس مقابل معارضة ٣ فقط هم بيرني ساندرز واليزابيث وارين وتوم كاربر( لازاروف ، شباط ٢٠٢١).

يترتب عما سلف أننا نشهد حالة عودة إلى السياسة الأمريكية التقليدية تكررت في التصريحات أعلاه ، وفي مبادرة كيري ٢٠١٣-٢٠١٤وسياسة الرئيس الديمقراطي السابق باراك أوباما وثقها كلها الدكتور المرحوم صائب عريقات في كراساته عن تطورات العملية السياسية والتفاوضية منذ ٢٠١٩ وحتى وفاته العام الماضي ( عريقات ٢٠٠٩- ٢٠٢٠).  ووردت كذلك  في برنامج الحزب الديمقراطي للانتخابات الاخيرة ( صفحة الحزب الديمقراطي )، وتقضي هذا السياسة بدعم غير مشروط لإسرائيل والتحالف الاستراتيجي  والعضوي معها كونها جزءا لا يتجزأ من السياسة الأمريكية الداخلية المرتبطة بالتوجهات الأنجليكانية وبنفوذ اليهود الاقتصادي والسياسي هناك   ، وضمان وجود إسرائيل  واستمرارها والاعتراف بها ضمن حدود آمنة ورفض فرض أي عقوبات عليها بما في ذلك من مجلس الأمن الدولي  ، أو رفع قضايا ضدها في المحاكم الدولية ، أو وقف المساعدات لها ، وفي المقابل إقرار دولة فلسطينية مشروطة بموافقة اسرائيل على حدودها وطبيعة سلطاتها ومناطق سيادتها ، وتكون منزوعة السلاح وتعترف بدولة اسرائيل كدولة يهودية ، وتمتنع عن المطالبة باعادة اللاجئين الفلسطينيين إلى داخل إسرائيل ، وتقبل بالقدس عاصمة موحدة لدولة إسرائيل مع ترتيبات عاصمية فلسطينية في أطرافها ، وقبول ضم الكتل الاستيطانية الكبرى إلى إسرائيل وبقاء الجيش الاسرائيلي في غور الأردن لفترة طويلة ، وتمتنع عن إشراك أية أطراف فلسطينية لا تعترف بحق اسرائيل في الوجود ولا تنبذ الإرهاب ولا تعترف بالاتفاقيات الموقعة مع إسرائيل في الحكومة الفلسطينية، وتقبل وقف المساعدات لعائلات الشهداء والاسرى وتوقف التحريض ضد إسرائيل داخليا وخارجيا.

فرضت صفقة القرن بعض المتغيرات على السياسة الامريكية التقليدية تجاه القضية الفلسطينية يمكن استنباطها من الفوارق بين ” خطة السلام من أجل الازدهار “( صفقة القرن ) وتلك السياسة التقليدية  . ولكن لعل الفوارق تتعلق بجوانب كمية وليس نوعية ، ففي الحالتين هناك دولة فلسطينية تقام بشروط مفروضة إسرائيليا ودوليا وبدون سيادة على القدس ولا عودة للاجئين إلى داخل إسرائيل ولكن هذه الدولة في السياسات الامريكية السابقة لصفقة القرن تتمتع بمساحة  أكبر في الضفة الغربية مما جاءت عليه في صفقة القرن إذ كانت تزيد عن تسعين بالمئة من الأراضي المحتلة عام ١٩٦٧ مضافا لها عملية تبادل أراض ، فيما لم تزدد النسبة المعطاة لفلسطين في صفقة القرن عن سبعين بالمئة من الضفة يضاف إليها مناطق من النقب قرب غزة والخليل تبقى خاضعة للسيطرة الامنية الاسرائيلية . عوضا عن ذلك فإن السيطرة الامنية الاسرائيلية على الدولة الفلسطينية في صفقة القرن أكبر مما هي عليه في المبادرات الامريكية السابقة ، كما أن الدولة الفلسطينية في صفقة القرن تخضع للسيادة الاسرائيلية فيما لا تتعدى صلاحياتها  الشؤون المدنية وخدمة السكان فيما يحق للجيش الاسرائيلي أن يدخل أي رقعة منها لدواع أمنية في أي وقت ( نصوص صفقة القرن ). يضاف لذلك أن الادارات الامريكية السابقة اعتمدت أسلوب الضغط على الفلسطينيين باستخدام القوة الناعمة أكثر من القوة الخشنة وذلك من خلال استخدام لغة التهديد والوعيد والضغط ، فيما لجأت ادارة ترامب أكثر إلى القوة الخشنة من خلال قطع المساعدات وفرض الوقائع على الأرض في سياق ما عرف في حينه باسم استراتيجية ” تحقيق الانتصار  التام على الفلسطينيين ” التي طرحها دانييل بايبس وشكل لها كتلتي مناصرين في كل من الكونغرس الأمريكي والكنيست الاسرائيلي ( بايبس ٢٠١٦ و ٢٠١٧). واخيرا فإن صفقة القرن قد عززت التطبيع العربي مع إسرائيل بمعزل عن تطبيقها المسبق لبنود مبادرة السلام العربية ، وذلك بعكس ما كانت عليه السياسات الامريكية السابقة التي طلبت تطبيعا جزئيا من العرب مع إسرائيل خلال المفاوضات ولكن لا يصبح كاملا إلا بعد التوصل إلى حل تفاوضي شامل.

بناء على ما تقدم يمكن الاستخلاص أن السياسة الامريكية التقليدية لحل القضية الفلسطينية ستشهد بعض الخطوات إلى الخلف والتي تجعلها غير مواتية أكثر للحقوق الفلسطينية، فمدخل التطبيع العربي الإقليمي على حساب حل القضية الفلسطينية وعلى حساب الالتزام بالمبادرة العربية للسلام هو متغير جديد دخل خلال فترة ترامب وستستمر تداعياته خلال فترة بايدن ، كما أن الانتخابات الاسرائيلية لنهاية آذار ٢٠٢١ هي انتخابات يكتنفها الصراع بين اليمين واليمين وليس متوقعا منها أن تنتج حكومة مستعدة لحل القضية الفلسطينية بشكل عادل ، زد على ذلك التفكك العربي وانهيار النظام القومي العربي والانقسام الفلسطيني والسكون المسيطر على الساحة الفلسطينية لجهة غياب أية مقاومة فعالة لا يخلق ضغوطا تدفع العالم وامريكا للتحرك من أجل حل القضية الفلسطينية ، وأخيرا هنالك رؤية الإدارة الامريكية الحديدة بأن الصراع الفلسطيني الاسرائيلي هو صراع بعيد عن الحل حاليا كما عبر عن ذلك انتوني بلينكن في تصريحه الوارد أعلاه وأن الاولوية هي لملفات الصين وروسيا وإيران، يضاف لذلك تقلص أهمية الشرق الأوسط لديها في ضوء تراجع قوة الإسلام السياسي فيه وتراجع احتياج الولايات المتحدة لنفطه في ضوء نمو إنتاج النفط الصخري الأمريكي ، هذا ناهيك أن الادارة الامريكية الجديدة قد تكون معنية بتجميد الملف الفلسطيني الاسرائيلي لأسباب داخلية أمريكية بحتة يقع على رأسها أن تفعيل العمل لحل هذا الصراع ربما يترتب عليه تصعيد الانشقاق بين اليمين واليسار داخل الحزب الديمقراطي ذاته حول طرق ومقاربات حل هذا الصراع ، كما قد يترتب عليه في المقابل إطلاق حملة مضادة من القوى الانجليكانية  التي دعمت ترامب ومن ترامب نفسه ضد السياسات الجديدة للرئيس بايدن  في وقت تحتاج فيه أمريكا إلى تعزيز الوحدة الداخلية بعد الانقسام العميق الذي شهده المجتمع الامريكي وتتوج بالهجوم على الكابيتول من قبل أنصار ترامب يوم السادس من كانون ثاني ٢٠٢١ وما خلفه هذا الهجوم من تداعيات.  في هذا الإطار قد تفضل الادارة الامريكية الجديدة تعزيز التطبيع العربي الجاري مع إسرائيل عبر جلب أطراف عربية أخرى له مثل السعودية كما يرشح من بعض الانباء  وربما حتى سوريا ( بالتعاون مع روسيا)، ولكن مقابل صفقات إنسانية واعادة قبول النظام السوري دوليا وليس اعادة الجولان، وربما ايضا بما يشمل أطراف من العراق واليمن وليبيا عبرت مرارا عن رغباتها في التطبيع مع إسرائيل، هذا ناهيك عن موريتانيا ، واستئناف المفاوضات اللبنانية الاسرائيلية حول ترسيم الحدود البحرية وحقول الغاز.

في ظل هذا التجميد للقضية الفلسطينية وتفعيل التطبيع العربي الاسرائيلي ستقوم الإدارة الامريكية الجديدة بادارة النزاع بين الفلسطينيين والاسرائيليين ، ومن أجل ذلك استنكفت الادارة الجديدة عن تعيين مبعوث خاص لحل الصراع الفلسطيني الاسرائيلي ،  ولكنها في المقابل قامت بتعيين السيد هادي عمرو المعروف بمهاراته في مجالات ادارة النزاع نائبا لوزير الخارجية الأمريكية للشؤون الفلسطينية الإسرائيلية . والسيد عمرو هو فلسطيني ولد في بيروت عام ١٩٦٧ وترعرع في نيوجيرسي وفيرجينيا في الولايات المتحدة الأمريكية وهو اقتصادي عمل في وزارة الدفاع في عهد الرئيس بيل كلينتون ، ولاحقا في القطاع الخاص ، ثم  عمل في فرع معهد بروكينغز في الدوحة ، تلى ذلك عمله كسكرتير مساعد للشؤون الإسرائيلية الفلسطينية في عهد الرئيس باراك أوباما حيث اشتغل على مسائل إنسانية مثل محاولة إدخال نظام 3G لقطاع غزة ودعم إغاثي لها ، وانظمة مجاري للضفة . وضمن مهماته في الادارة الامريكية الحالية فإنه يعمل على تنظيم صرف ٧٥ مليون دولار خصصها الكونغرس لمشاريع تنموية في فلسطين ، والاعداد لمؤتمر المانحين للسلطة الوطنية الفلسطينية في ٢٣ شباط ، وإعداد ورقة سياسات مقترحة حول الانتخابات الفلسطينية ، وسيقوم السيد هادي بتمثيل الولايات المتحدة مع الفلسطينيين في ظل غياب وجود قنصل أمريكي في القدس حتى الآن  ، كما سيمثل أمريكا في اللجنة الرباعية في ضوء عدم تعيين الرئيس بايدن لمبعوث أمريكي خاص لعملية السلام ( رافيد، ٢٠٢١). وفيما يتم العمل على هذه الجوانب الانسانية في اطار استمرار الاحتلال والتوسع الاستيطاني وعمليات الضم الزاحف ، يستمر توسع التحالف العضوي الامريكي الاسرائيلي حيث قررت الحكومة الاسرائيلية في شباط ٢٠٢١ شراء طائرات دفعة جديدة من طائرات F 35 وطائرات التزود بالذخيرة في الجو ، وذخيرة  من أمريكا بقيمة تسعة بلايين دولار تمول من المساعدات الامريكية لإسرائيل  ( اسرائيل اليوم ، شباط ، ٢٠٢١) وبدأت إسرائيل والولايات المتحدة من جهة اخرى مشروعا مشتركا لتطوير نظام حيتس ٤ الصاروخي الدفاعي الذي يشمل أنظمة رادار  و اعتراض صواريخ متطورة ( الجروساليم بوست ، شباط ٢٠٢١). ، كما اتفق الرئيس بايدن مع نتنياهو أثناء اتصاله به رغم مجيء هذا الاتصال متأخرا يوم ١٧ شباط ٢٠٢١ على توثيق التحالف الاستراتيجي والتشاور بين البلدين في كافة المجالات بما فيها الملف الإيراني ( صفحة البيت الأبيض) ، هذا فيما رفضت ايران في المقابل فكرة فرنسية بضم السعودية واسرائيل ودول إقليمية أخرى  لمجموعة الدول المتحاورة مع إيران بشأن ملفها النووي ( تايمز أوف إسرائيل ، شباط ٢٠٢١)، ولا يعرف بعد ماذا سيكون مصير هذه الفكرة في ضوء ما يرشح من اخبار حول تنسيق سعودي – اسرائيلي بشأن سياسة ادارة بايدن في الملف الايراني ( عرب ٤٨، شباط ٢٠٢١).

لا يعني التحليل السابق أن التوجه الأمريكي لادارة النزاع سيرافق إدارة بايدن طيلة فترة ، فهنالك عوامل فلسطينية واسرائيلية وإقليمية ودولية متحركة يمكن أن تدفع الإدارة للتدخل مجددا لمحاولة حل أو تسوية النزاع ، وستصبح الادارة أكثر عرضة لأثر هذه العوامل بعد تخلصها من أولوية معالجة آثار جائحة كورونا على المجتمع والاقتصاد الأمريكيان خلال الشهور القادمة ، وادناه محاولة لتحليل هذه العوامل بإيجاز.

حراك العوامل وتغيير الموقف الأمريكي

تتحرك الدول إما بفعل مصالحها الداخلية كما تقول النظرية الواقعية في العلاقات الدولية ، وإما بفعل رغبتها في الحفاظ على موقعها العالمي والإقليمي في ظل حالة الفوضى  التي يتسم بها النظام الدولي وما ينتج عنها من حالات صراع ومنافسة بين الدول لاحتلال المواقع الأولى في العالم كما تقول نظرية الواقعية البنيوية ، وإما تتحرك بفعل مصالحها ولكن بالاخذ بعين الاعتبار في الوقت ذاته أهمية التعاون مع دول وكتل أخرى في العالم من أجل تحقيق القيم والمصالح المشتركة كما تقول نظريتا الليبرالية الدولية والليبرالية المؤسساتية في العلاقات الدولية . ومن تصريحات المسؤولين في ادارة الرئيس بايدن يمكن استشفاف أن هذه الادارة تأخذ بالنظرية الثالثة لذا تهتم بالتعاون مع اليابان والهند والاتحاد الأوروبي من أجل احتواء الصين وروسيا، كما تهتم باعتماد القوة الدبلوماسية الناعمة مع إيران بمشاركة دول أخرى وذلك من أجل إحتواء المشروع النووي الايراني بما يوقف تهديد هذا المشروع لإسرائيل والدول الحليفة لأمريكا في المنطقة ، وتطرح قضايا حقوق الإنسان كموجه لسياستها الخارجية وبالتركيز في منطقة الشرق الاوسط على السعودية والامارات ومصر وتركيا، ولكن الغريب هنا هو الصمت عن انتهاك اسرائيل لحقوق الانسان الفلسطيني مما يعكس ازدواجية في المعايير.

على أن الدول تتحرك أيضا تبعا للضغوط عليها من قبل الشعوب أو من دول أو كتل دولية أخرى ، ويجدر الاشارة أن التحرك لا يعني بالضرورة التحرك لحل الصراع أو تسويته ، ولكنه قد يكون تبعا لعامل الضغط المحدد تحركا لتهدئة الصراع واعادته الى حالة قابلة للإدارة بدلا من الحل من جديد، أويكون التحرك هادفا لدعم أحد الأطراف وإنقاذه من ورطة وهكذا تتعدد أطراف واشكال الضغوط وتتعدد أنواع التحرك المختلفة بناءا على هذه الضغوط المختلفة .

أول العوامل التي يمكن أن تجعل الادارة الامريكية تتحرك لتسوية الصراع هو العامل الفلسطيني ، وبالذات عبر نشوب انتفاضة فلسطينية تحدث ما أحدثته الانتفاضة الفلسطينية الاولى لعام ١٩٨٧ والتي أجبرت الولايات المتحدة وإسرائيل على الاعتراف بمنظمة التحرير الفلسطينية والتفاوض معها. وهنالك أيضا امكانية نشوب حرب على جبهة قطاع غزة أو لبنان، وهي كما علمت التجارب السابقة لن يكون لها نفس الأثر على الولايات المتحدة كما الانتفاضة ، ففي الحالة الثانية قد تضطر الولايات المتحدة للتدخل لمحاولة حل الصراع ، أما في الحالة الثانية فقد تتدخل لوقف الحرب فقط ومعالجة آثارها بالتعاون مع حلفائها الاقليميين والدوليين.

وفيما يتعلق بالعامل الاسرائيلي فإن الصورة القائمة في إسرائيل لا توفر أي فرصة لطرح مبادرة إسرائيلية نحو التسوية مع الشعب الفلسطيني ، فإسرائيل تشعر بأنها قادرة على فرض الحقائق على الأرض بدون مقاومة فلسطينية فعالة ، يرافقها أيضا  إقبال عربي على التطبيع معها . ولهذا يتجه العامل الاسرائيلي منذ تنصيب إدارة بايدن إلى استكمال بناء المشاريع الاستيطانية الاستعمارية الضخمة والوفيرة من حيث عدد الوحدات السكنية المزمع بناؤها والتي تقررت في عهد الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب والتي سيستغرق  تنفيذها مدة  توازي فترة رئاسة الرئيس بايدن على مدى سنواتها الأربع وربما أكثر  ، وعليه قد لن تكون هنالك حاجة لإقرار مشاريع استيطانية استعمارية جديدة تحرج إدارة بايدن وتسبب نقدا منها لإسرائيل إلا في حالات قليلة قد تطرأ في الضفة ، مع الاستمرار في التوسع الاستيطاني الاستعماري فقط في نطاق القدس الكبرى مما يقلل الاحتكاك مع إدارة بايدن بهذا الشأن . من جهة أخرى بدأت أوساط امنية إسرائيلية عليا بدراسة تطوير آلية امريكية – اسرائيلية ثنائية  لادارة أية التنسيق بين البلدين بشأن الاستيطان وايران من وراء الكواليس وبدون اعلان ، وذلك للحيلولة دون نشوء أي احتكاكات مع الإدارة الأمريكية يمكن أن تؤثر سلبا على العلاقات الاستراتيجية بينهما ( عرب ٤٨، ٢٠٢١). عوضا عن ذلك ستسعى إسرائيل إلى إقناع الإدارة الأمريكية ببذل مزيد من الجهد لتحقيق المزيد من التطبيع العربي معها ( أي مع إسرائيل ). كما ستطلب إسرائيل من ادارة بايدن الاستمرار في الدعم السياسي لإسرائيل في كافة المحافل الدولية والدفاع عنها في وجه تحقيقات محكمة الجنايات الدولية ومعاقبة الفلسطينيين في حال توجههم الى المحكمة ضد إسرائيل ، وتعزيز التعاون العسكري وتزويدها بالاسلحة المتطورة والذخائر ، وتنفيذ كافة الاتفاقات الاستراتيجية بين الجانبين بهذا الشأن ، ودعم التعريف الإسرائيلي للاسامية ومكافحة القوى التي يشملها هذا التعريف داخل الولايات المتحدة وخارجها. كما ستصطف اسرائيل مع بعض دول الخليج للضغط على ادارة بايدن بشأن طرق التعامل مع الملف الايراني.

في العامل العربي ، ومقابل اتجاه التطبيع سابق الذكر يمكن الانتباه إلى الدور الأردني المصري في إطار مجموعة ميونيخ التي تم تشكيلها مع فرنسا وألمانيا في مدينة ميونيخ الألمانية في شباط ٢٠٢٠. وهي مجموعة تهدف لتحقيق اتفاق تفاوضي اسرائيلي فلسطيني يفضي إلى دولتين تعيشان معا بسلام وأمن واعتراف متبادل. التقت المجموعة عدة مرات بين ميونيخ والقاهرة وعمان ، ومن آخر نشاطاتها لقاء سفرائها في شباط ٢٠٢١ مع مدير عام وزارة الخارجية الإسرائيلية ألون يوشفيز ومع وزير الخارجية الفلسطينية رياض المالكي في اجتماعين منفصلين . في اللقاء مع الجانب الاسرائيلي طرح سفراء المجموعة أن تقوم اسرائيل بتزويد الفلسطينيين بلقاحات ضد فيروس كورونا ، ووقف تجميد حسابات الاسرى الفلسطينيين ، والافراج عن الجثث الفلسطينية المحتجزة لدى إسرائيل وتجميد البناء في المستوطنات ، وقد رفض المسؤول الاسرائيلي هذه المطالب . أما مع الوزير المالكي فقد طلبت منه المجموعة التعاون مع اسرائيل بشأن توفير اللقاحات ضد كورونا ، واعادة إحياء لجنة التنسيق المدنية الاسرائيلية الفلسطينية المشتركة واصلاح نظام الدفع للأسرى ولعائلات الشهداء . ومن انشطة المجموعة في آذار ٢٠٢١ عقد لقائين منفصلين مع كل من وزير الخارجية الفلسطيني ووزير الخارجية الاسرائيلي .( رافيد ٢٠٢١ A). فهل يمكن أن تنضم الولايات المتحدة الامريكية لهذه المجموعة؟ أم أنها ستكتفي بتفعيل الرباعية الدولية للسلام في الشرق الاوسط مع الاتحاد الأوروبي وروسيا والأمم المتحدة؟ وهل سيتم مثلا اقتراح ضم مصر والأردن للرباعية الدولية ليكون لها مكون إقليمي ؟ بكل الاحوال ترتبط هذه الاسئلة بالسؤال الرئيس وهو : هل ستتحرك الولايات المتحدة نحو العمل على صيغة لحل الصراع الفلسطيني الإسرائيلي ؟ وفي ظل غياب أي إستعداد إسرائيلي للحل ، هل ستكون اللجنة الرباعية مع اضافة الأردن ومصر إليها أو بدون ذلك مستعدة للضغط على اسرائيل لقبول صيغة الحل القائمة على حل الدولتين ؟ لا يبدو ذلك ممكنا في الأفق سوى إن إستطاع الفلسطينيون فرض أنفسهم على الطاولة من خلال كفاحهم باتجاهات ست هي : السياسية والدبلوماسية ، والاقتصادية التنموية، والقانونية ، والكفاحية الميدانية والمعرفية ،  والإعلامية . فكيف يكون ذلك ؟

الفلسطينيون والإدارة الأمريكية : أجندة عمل

في ضوء التجارب السابقة مع الادارة الامريكية، والتي بلغت ذروتها في التجربة الصعبة  مع إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ، قررت القيادة الفلسطينية في الاعوام الاخيرة رفض التوجه الامريكي المنفرد في إدارة المفاوضات والمطالبة بدل ذلك بعقد مؤتمر  دولي كامل الصلاحيات يعقد بإشراف اللجنة الرباعية ومجلس الأمن يمهد للانخراط في عملية سلام حقيقية نحو حل الدولتين وعودة اللاجئين الفلسطينيين والقدس الشرقية عاصمة لدولة فلسطين . وقد كرر الرئيس محمود عباس الدعوة لهذا المؤتمر في كلمته المسجلة التي ألقيت أمام الدورة الـ ٧٥ للجمعية العامة للأمم المتحدة التي عقدت يوم ٢٥ أيلول من عام ٢٠٢١، ودعى الرئيس في كلمته أن يعقد المؤتمر الدولي في مطلع عام ٢٠٢١( وكالة وفا ، ايلول ٢٠٢٠).  السؤال الذي تنشغل به القيادة الفلسطينية الآن هو عما إذا ما نشأت ظروف جديدة بعد انتخاب إدارة الرئيس بايدن تستوجب العودة عن فكرة المؤتمر الدولي كامل الصلاحيات لصالح ادارة أمريكية منفردة للمفاوضات مجددا ؟

تفيد آخر تجارب التفاوض السابقة برعاية امريكية إلى ضغط أمريكي على الفلسطينيين تلاه تحميلهم مسؤولية فشل المفاوضات ( تجربة بيل كلينتون مع ياسر عرفات أثناء مفاوضات كامب ديفيد عام ٢٠٠٠ وما بعدها )، أو تراجع أمريكي عن التسوية الشاملة لصالح اتفاق إطار يتم التفاوض ثنائيا بشأنه بين الادارة الامريكية وإسرائيل وبدون مشاركة فلسطينية ( تجربة جون كيري مع بنيامين نتانياهو وتسيبي ليفني ٢٠١٣- ٢٠١٤) وبين هاتين التجربتين قام  المبعوث الأمريكي جورج ميتشل بين ٢٠١٠ و ٢٠١١ بوساطة بين الطرفين أسفرت عن اتفاق مع نتنياهو على تجميد جزئي للاستيطان تلاه محادثات تقريبية بين الطرفين بوساطة أمريكية في عمان انتهت بالفشل. يشير ذلك إلى خلاصة هامة وهي أن الاعتماد الأمريكي على الموافقة الاسرائيلية لإقامة الدولة الفلسطينية من خلال المفاوضات هو مشكلة المشاكل أمام التوصل إلى حل في ظل الرفض الإسرائيلي للحل القائم على دولتين على حدود ١٩٦٧ أو ضمن تعديلات حدودية متفق عليها. رافق ذلك تقاطع المواقف الامريكية مع المواقف الاسرائيلية في بعض القضايا كما تم تحليله سابقا واتجاه أمريكا بدل ذلك للضغط على الجانب الفلسطيني لقبول سقف أدنى. يترتب عن ذلك ضرورة الاستمرار في رفض الانفراد الأمريكي برعاية المفاوضات ، وفي ذات الوقت الانخراط الإيجابي في حوار  مع الجانب الأمريكي حكومة ومؤسسات  لمناقشة ومعالجة  قضايا هامة لفلسطين هي التالية:

أولا : إعادة الاعتبار لمرجعيات الحل السياسي ممثلة بقوانين  الأمم المتحدة وقرارات الشرعية الدولية والمبادرة العربية للسلام.

ثانيا : تطوير القناعة لدى امريكا بعقم منهج المفاوضات الثنائية الذي يوفر لإسرائيل حق الفيتو على قيام الدولة الفلسطينية بدون موافقتها ، واستبدال ذلك بالضغط الامريكي على إسرائيل باستخدام كل الوسائل الممكنة من أجل ترتيب مؤتمر دولي للسلام يناقش آليات التنفيذ نحو الوصول إلى دولتين على حدود عام ١٩٦٧ وضمان عودة اللاجئين ، أي مؤتمر لتطبيق ما تم الاتفاق عليه في المفاوضات السابقة وليس العودة للتفاوض من جديد من نقطة الصفر.

ثالثا: ترتيب العلاقات الفلسطينية الامريكية بما يستدعي إلغاء قرار الكونغرس باعتبار م ت ف منظمة إرهابية، واعادة فتح مكتب المنظمة في واشنطن بدون شروط ومنها قرار الكونغرس المذكور ، وفتح القنصلية الامريكية في القدس الشرقية مجددا، واعادة سفارة واشنطن إلى إسرائيل من القدس إلى تل أبيب . واعادة الدعم المالي لدولة فلسطين بدون شروط مثل الدفعات لعائلات الاسرى المعتقلين ، واعادة الدعم المالي لوكالة غوث وتشغيل اللاجئين  وقبل كل ذلك مطالبة الادارة الامريكية  بالاعتراف بدولة فلسطين وسيادتها على كافة اراضيها بدون إجحاف ،  والاعتراف بعاصمتها القدس الشرقية وحقها بالتمتع الكامل بالأمن للدولة ولكل مواطنيها،  ودعم التحاق دولة فلسطين كدولة كاملة العضوية في الأمم المتحدة ، وحقها في مقاضاة إسرائيل في كافة المحاكم الدولية ، ووقف الاستيطان الاستعماري على أراضيها بوصفه غير شرعي ومناقض للقانون الدولي ، وتطوير آلية لتطبيق قرار مجلس الأمن ٢٣٣٤ ضد الاستيطان الذي تم تبنيه في آخر عهد الرئيس أوباما. والموافقة على تكوين النظام السياسي الفلسطيني وفق القرار الفلسطيني المستقل.

رابعا: تبني موقف أن الاحتلال الاسرائيلي عام ١٩٦٧ هو احتلال غير شرعي لكافة الأراضي المحتلة في ذلك  العام ، وبالتالي التصويت في الأمم المتحدة وفي كافة المحافل على القرارات  التي تدين هذا الاحتلال وتطالب بإنهائه .

خامسا : وقف الضغوطات غير المنصفة على الجانب الفلسطيني كالضغط لقبول دولة إسرائيل كدولة يهودية مما يجحف بالذاكرة والتاريخ والهوية الفلسطينية، أو الضغوطات لعدم رفع قضايا ضد اسرائيل في المحاكم الدولية ، أو لمنع مشاركة فصائل فلسطينية مثل حماس وغيرها في الحكومات الفلسطينية ، والضغط لمنع  حرية عقد الانتخابات الفلسطينية وبمشاركة كافة قوى وأحزاب الشعب الفلسطيني في كل مكان داخل الوطن بما في ذلك القدس الشرقية ، وغيرها من الضغوطات.

سادسا: التفاهم حول تعريف للاسامية لا يجرم معاداة الاحتلال بأنها لا سامية ، وبالتالي الفصل بين معاداة الاحتلال ومعاداة اليهود بعكس الدعاية الصهيونية التي تحاول وصم كل معاداة للاحتلال بتهمة اللاسامية.

تتطلب القضايا أعلاه اتخاذ قرارات عاجلة بإلغاء جلي وصريح لكافة المبادرات والقرارات المجحفة التي اتخذتها إدارة ترامب السابقة وعلى رأسها إلغاء صفقة القرن ، واعتبار منتوجات المستوطنات والمنطقة ج المصدرة إلى الولايات المتحدة الامريكية على أنها اسرائيلية المنشأ ، وفصل الضفة وغزة كوحدتين منفصلتين عن بعضهما البعض ويتم التعامل على هذا الأساس مع صادراتهما للولايات المتحدة ، واعتبار إسرائيل على أنها بلد الولادة لكل أمريكي يولد في القدس.

تمثل هذه الاجندة سقفا فلسطينيا عاليا لا ينبغي أن نتردد في طرحه ، وفتح حوار صبور ومديد حوله لا ينحصر على الإدارة الامريكية  وحسب ، وإنما يمتد ليشمل التوجه بها أيضا إلى أعضاء الكونغرس ، وقيادات الحزب الديمقراطي ومختلف اتجاهاته من اليسار واليمين، ولمراكز الأبحاث وصنع الرأي ومؤسسات الضغط والشباب واللاتينيين و الافريقيين والاسيويين الامريكان وللجامعات ومؤسسات المجتمع المدني والشركات ضمن خطة مصممة بعناية تضمن تركيم الإنجازات خطوة وراء خطوة . ولعل ذلك يتطلب تضافر جهود المؤسسة الرسمية الفلسطينية مع جهود الجالية الفلسطينية والجاليات العربية والاسلامية ومنظمات الدعم والتضامن الامريكية ضمن خطة اخرى مشتركة معها تستعمل كافة الوسائل السياسية والاقتصادية والقانونية والميدانية والاعلامية والمعرفية لإحداث تغيير متدرج في أمريكا لصالح قضية فلسطين العادلة.

خاتمة

لا يظهر حتى الآن أن ٩٩ بالمئة من أوراق الحل للقضية الفلسطينية هي بيد أمريكا كما جاء في المقولة التي راجت في المنطقة العربية بعد حرب اكتوبر عام ١٩٧٣ ، ولكن ما يبدو صحيحا هو العكس وهو أن ٩٩ بالمئة من الأوراق التي تمنع حل القضية الفلسطينية هي عند أمريكا بسبب تحالفها العضوي مع اسرائيل ، وكون اسرائيل جزءا من تفاعلات السياسة الداخلية في أمريكا ، كما لا تبدو أمريكا اليوم هي الساحة التي يمكن التعويل عليها لحل القضية الفلسطينية حاليا  ، فهي تملك ٩٩ بالمئة من اوراق الضغط على اسرائيل المتمثلة في حماية إسرائيل من المحاسبة داخل مؤسسات الأمم المتحدة وتشجيع اسرائيل على عدم تنفيذ قرارات الأمم المتحدة بشأن القضية الفلسطينية وغض النظر عن التوسع الاستيطاني الاستعماري الاسرائيلي أو الاكتفاء باصدار بيانات الادانة له والنظر إليه على أنه مجرد عقبة في طريق السلام ، هذا إضافة إلى  الدعم الاقتصادي والعسكري غير المحدود لإسرائيل من الحكومة الامريكية والاتجاه الانجليكاني وقسم من يهود أمريكا. ويظهر التطبيع العربي مع اسرائيل قبل قبولها وتطبيقها للمبادرة العربية للسلام أن ادارة بايدن ستسير نحو مزيد من التطبيع العربي مع اسرائيل ، كما لن يقف بايدن بقوة ضد المشاريع الاستيطانية الاستعمارية الاسرائيلية ، مما يعني أن سياسته ستكون اوباما ناقص، أي أقل من السياسة التقليدية الامريكية السابقة. لذا فإنه من المبالغة النظر إلى التناقضات الناشئة بين رؤيتي الادارة الامريكية واسرائيل حول الاجندة الاقليمية الشرق أوسطية وحول أجندة الاستيطان والتوسع على أنها تناقضات ستفجر العلاقة بين البلدين ، فهذه التناقضات تدور حتى الآن في إطار حلفهما الاستراتيجي ورؤية كل منهما لما هو الأفضل لحماية اسرائيل واستمرار وجودها. مثلا ترى الادارة الامريكية الحالية أن أفضل وسيلة لحماية اسرائيل من سلاح ايران النووي هو عبر احتواء إيران باستخدام القوة الدبلوماسية ، كما ترى أن التوسع الاستيطاني الاستعماري قد يضر باستمرارية وجود اسرائيل ذاتها ، لذا تريد الادارة حماية اسرائيل من نفسها للحفاظ على بقائها.

مع ذلك هنالك شروخ بدأت تظهر في تأييد بعض قطاعات المجتمع الامريكي لاسرائيل ، من الشباب والافارقة واللاتينيين والاسيويين ، وكذلك داخل الحزب الديمقراطي الأمريكي وقسم من يهود   أمريكا الذين باتوا يرون أن إسرائيل تعاني من خطر وجودي إذا ما استمرت في نشاطاتها العدوانية والتوسعية ، لذلك باتوا يطالبون بحماية إسرائيل من نفسها للحفاظ على وجودها عبر اتخاذ إجراءات تجبرها على  الحد من مشروعها التوسعي. مشكلة هذا الاتجاه رغم تنوع تلاوينه لا زالت أنه لا يقدم في المقابل طروحات ترقى إلى الحد الادنى الذي يطمح له الفلسطينيون في دولة فلسطينية مستقلة على حدود عام ١٩٦٧ بدون وجود كتل استيطانية استعمارية داخلها أو مضمومة لإسرائيل وبدون تقسيم القدس الشرقية بين الطرفين مع إبقاء القدس الغربية حصة خالصة لإسرائيل ، كما يرفض هذا الاتجاه  عودة اللاجئين الفلسطينيين .  لا زال هذا الاتجاه يضع شروطا حول طبيعة العاصمة الفلسطينية في القدس ويرفض العودة الكاملة لمن يرغب من اللاجئين ، ويطالب بضم الكتل الاستيطانية الكبرى إلى إسرائيل ، ويطرح أن الحل للصراع يأتي فقط عبر التفاوض مما يعني عدم الاستناد بشكل كامل للشرعية الدولية وقراراتها. مع ذلك يشير هذا الاتجاه إلى تطور هام في الساحة الامريكية يتطلب التفاعل معه بصبر من أجل تطوير مواقفه أخذا بعين الاعتبار ايضا تباين مواقفه حيث تذهب الاقلية منه نحو مواقف افضل لصالح فلسطين من تلك الموصوفة في هذه الفقرة ، وحيث أن مواقف هذه الاقلية قد باتت تنعكس ولو جزئيا على مواقف الجانب الرسمي ، وكمثال على ذلك يجد المرء التباين في المواقف بين وزير الخارجية أنتوني بلينكن الذي أدان حملة المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات على إسرائيل، وبين جين ساكي الناطقة بلسان البيت الابيض التي رفضت ادانة ذات الحملة ( صفحة البيت الابيض ، كانون ثاني ٢٠٢١)، وأمثلة أخرى.

بناء على ما تقدم يجدر السؤال : هل أمريكا جاهزة الآن لفرض حل منصف للقضية الفلسطينية؟  جواب هذا السؤال هو لا ، ليس بعد . ولكن الجواب هو نعم حول إمكانية أن تصبح أمريكا جاهزة لهذا الحل بعد عمل فلسطيني مثابر ومتراكم لسنوات داخل الساحة الأمريكية مترافقا مع مقاومة فلسطينية سلمية وبالمشاركة الشعبية طويلة النفس ضد الاحتلال.

 

 

About The Author

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *