بلدة ترقوميا.. مسلسل خنق لا يتوقف

ليست بلدة ترقوميا، غربي الخليل، جنوبي الضفة الغربية، بمعزل عن حالة السُعار الاستعماري الاستيطاني التي تمارسها إسرائيل عن طريق المستوطنين المنتشرين في تلال الضفة الغربية على شكل “بؤر رعوية”. ويسمي عبد الجواد عمر تلك الحالة بـ”جنون المستعمرة”[1] فمنذ 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023، تشهد قرى ومدن الضفة الغربية هجمات من المستوطنين، وحرقاً للمنازل والسيارات والمنشآت، وقتلاً عشوائياً، بدعم وإسناد كامل من الجيش الإسرائيلي، في حالة غير مسبوقة ربما من هذا الانفلات المتوحش. إلى جانب عمليات المصادرة والهدم التي تنفذها ما تُعرف بـ”الإدارة المدنية” والتي يترأسها وزير المالية الإسرائيلي، بتسيلئيل سموتريتش.
تعيش بلدة ترقوميا حالة من تشديد الخناق، التي تمارسها إسرائيل ومستوطنوها، عبر مصادرة أراضي منطقة الطيبة ومنع الأهالي والمزارعين من الوصول إليها، وإغلاق الحاجز، والاستمرار في توسيع المنطقة الصناعية على حساب الزراعة، بالإضافة إلى هجمات المستوطنين؛ إذ إن هذه البلدة لم تعتد على أن تعيش هذا الكم من الخنق، الذي لفرط إحكامه جعلها تتنفس بصعوبة شديدة. وهذا ليس مجازاً، إنما هو واقع، جرّاء إغلاق الحاجز وتوسع المصانع المرتبطة بإسرائيل.
من الزراعة إلى الصناعة: من وادي القلمون إلى “شارع المصانع”:
تقع ترقوميا على بعد 12 كيلومتراً من مدينة الخليل، نزولاً من بئر المحجر، مروراً بوادي القف وصولاً إلى معبر ترقوميا، الذي يفصلها عن فلسطين المحتلة عام 1948 وتحديداً قرية بيت جبرين. أمّا شمالاً فيجثم الجدار على أراضي جمرورة (التي يشترك في ملكيتها أكثر من بلدة، منها ترقوميا)، وجنوباً تقع منطقة اللية ضمن بلدة إذنا (وهي التسمية المحلية للمنطقة التي وقعت فيها عملية إطلاق نار في أيلول/سبتمبر 2024)، حيث البرج العسكري والشارع الاستيطاني (60) الذي يقطع التواصل بين ترقوميا وإذنا. وعلى السفوح الشرقية تجثم مستعمرتي تيلم وأدورا منذ عام 1982. إذ تتخذ السيطرة الاستعمارية الإسرائيلية من البلدة صورة مصغرة عن فلسطين، حيث توجد البوابة والجدار والحاجز والمستوطنة ومؤخراً البؤرة، في مشهد يجسد واقع الضفة الغربية.
يخبرنا العارف بالبلد، مصطفى مراد الدباغ في كتابه “بلادنا فلسطين” أن ترقوميا (tetracomia) أي “أرض القرى الأربع”، وبحسب موقع فلسطين في الذاكرة، هي: كفار عتا (فرعا) بمعنى الرجل المسن، وناحل تلم (الطيبة)، وكفار حيرف (خربة سيف) بمعنى قرية السيف، وخربة بيت نصيب. في حين يرى يونس عمرو ونجاح أبو سارة في كتابهما (الزوايا والمقامات الإسلامية) أن ترقوميا تعني “القرى الثلاث”، وذلك لأن المقطع الأول “tri” يعني ثلاثة، أمّا “Comias” فتعني القرى، إذ يجري استثناء خربة بيت نصيب التي تعود ملكية جزء من أراضيها إلى بلدة بيت أولا.
وهناك رواية أُخرى للتسمية، وهي أقرب إلى الرواية الشفوية، وتعود القصة إلى معركة الأجنادين سنة 634م (13هـ) حين كانت ترقوميا تابعة لأعمال بيت جبرين، وبحسب القصة فقد ترك الجيش الإسلامي مقاتلاً اسمه “أمية”، وهكذا حُرّفت الكلمة لاحقاً من “تركوا أمية” إلى اسمها الحالي “ترقوميا”.
تتوزع مساحة البلدة البالغة 21,000 دونم، إلى 12,000 دونم للأراضي الزراعية، بالإضافة إلى 4600 مرعى وغابة، و2200 أرض سكنية. صودِر منها 2000 دونم لصالح مستوطنتي تيلم وأدوره في سنة 1982. وأُخذ كذلك قسم آخر منها من أجل بناء “الحاجز” والجدار غرباً، والخط الاستيطاني (الالتفافي) في الجهة الجنوبية (منطقة الثغرة)، إلى جانب محمية وادي القف.
كان الحاجز شاهداً على مجزرة نفذها جنود الاحتلال في مطلع آذار/مارس 1998، حين قتل جنود الاحتلال الإسرائيلي ثلاثة عمال فلسطينيين كانوا داخل سيارة في أثناء توجههم إلى العمل في إسرائيل، وهم: عدنان أبو زنيد، وغالب موس رجوب، ومحمد شحدة الجنيدي.[2]
وقد أُعيد تشغيل الحاجز كمعبر تجاري سنة 2007، ضمن محادثات سلام اقتصادي، قادها رئيس الوزراء حينها، سلام فياض، الذي بدأ مبكراً مشاورات حول بناء مشروع المنطقة الصناعية، وهو مشروع “لا يعترف بالحدود بين الدول” كما عبّر عنه وزير الاقتصاد السابق، خالد العسيلي.[3]
كانت منطقة وادي القلمون “عالية الخصوبة الزراعية”، كما وصفها رئيس سلطة جودة البيئة، بهجت جبارين. وضمن سياق أوسع، لم يكن دخل سوق الزراعة الفلسطينية يُقارن بالدخل الاقتصادي المتأتي من العمل في إسرائيل، وهو ما التقطته “النخبة” الاقتصادية، وتحديداً أصحاب رؤوس الأموال في مدينة الخليل، وبدؤوا عملية إغراء وشراء للأراضي الزراعية بهدف بناء المصانع. وعلى الرغم من تنبه الأهالي مبكراً للخطر الناجم عن تلك الخطوة، المتمثلة ببناء مصانع بالقرب من المنازل، إلا إنه لم يجدِ نفعاً أمام انشغال الأهالي بالعمل في إسرائيل، وترك الزراعة. ويشكل الدخل الاقتصادي المرتبط بالعمل في إسرائيل، أو بوجود الحاجز من أكشاك وسيارات لنقل العمال إلى هناك، نحو 70% من مدخول البلدة الاقتصادي، وربما يزيد.[4]
كانت عملية بيع الأراضي وبناء المصانع تجري بسرعة، وقد ضغط رجال أعمال من مدينة الخليل على الحكومة الفلسطينية، التي رضخت لمطالبهم، فصادقت حكومة رامي الحمد لله على بناء مدينة صناعية في المنطقة سن 2017.[5] لتمثل هذه المصادقة بداية اندثار مهنة “الفلاحة والزراعة” في منطقة وادي القلمون لحساب المصانع، وقد صارت المنطقة “شارع المصانع”، في إشارة إلى التحول الحاصل فيها. وتوزع شبان البلدة بين العمل في تلك المصانع أو العمل في إسرائيل. وهو ما يعني بلغة مقالتنا حلقة من مسلسل خنق البلدة المستمر. وكان أهل البلدة قد اعترضوا بعدة طرق، لوقف هذا التمدد الرأسمالي الصناعي “القاتل والسام” بكل ما تحمله الكلمات من معنى، فقد أصيب عدد من الأطفال بمرض السرطان جرّاء التلوث، وفق شهادات أهالي البلدة. فوق كل ذلك، أشارت تقارير صحافية إلى وجود شراكات إسرائيلية في تلك المصانع، وهي الغاية التي لأجلها شيّدت المنطقة الصناعية.
بعد 7 تشرين الأول/أكتوبر.. لم يتبقَ شيء يمكن خنقه
لم تكن ترقوميا بمأمن من “جنون المستعمرة”، وحالة الانتقام التي قادها المستوطنون الإسرائيليون، ضد الأرض والإنسان بعد 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023. وبعد أسبوع من ذلك اليوم، يحكي المزارع “أبو عمار جعافرة” أنه تم هدم 11 بيتاً وقطع ألف شجرة، و1500 دالية عنب في منطقة الطيبة، التي حولوها من “جنينة إلى جرداء” بحسب تعبير جعافرة. وتمثل الزراعة في تلك المنطقة، وتحديداً زراعة العنب، مصدر دخل للمزارعين (ممن بقي يعمل في الزراعة)، باعتبارها أكثر أراضي البلدة خصوبة. وكنت سابقاً قد أجريت مقابلة صحافية مع جعافرة، حول رباطه في أرضه وتركه للبلدة، بما يُعرف في “معجم الفلاحين” بـ “التعزيب” الموسمي، إلا إنه في ظل الهجمة الاستيطانية، تحوّل عند مزارعي البلدة إلى حالة دائمة، إذ ترك منزله وسكن بيتاً من الصفيح بناه على أرضه في منطقة الطيبة.
إلا إن الهجمة الاستيطانية أخذت شكلاً أشد عنفاً، بعد عملية الشاب مهند العسود في منطقة اللية بين بلدتي ترقوميا وإذنا، والتي قُتل فيها 3 أفراد شرطة إسرائيليين، وذلك مطلع أيلول/سبتمبر 2024. حينها انتقم المستوطنون من المزارعين، ودمروا 47 منشأة زراعية تابعة لأهالي بلدة ترقوميا في منطقة الطيبة.[6]
وواصل الاحتلال هجمته على البلدة، بإفراغ منطقة الطيبة من أصحابها، للمضي قدماً في مشروع ربط المستوطنتين، عبر تدمير وحرق وتجريف الأراضي، ومنع الوصول إليها، على الرغم من محاولات الأهالي المستمرة للوصول، آخرها في موسم قطف الزيتون، الذي تشابهت فيه الحيل الإسرائيلية المتبعة في الضفة الغربية ككل، أي منح “تنسيق” لدخول الأراضي، وعند وصولهم يتم طردهم.
في تموز/يوليو الماضي، بنى المستوطنون بؤرة استيطانية على أراضي المواطنين في “الطيبة”، وبعدها بأيام صدر قرار عسكري بمصادرة نحو 12 دونماً، تحوي أشجاراً حرجية، ومما جاء في القرار أنه على المواطنين خلع الأشجار بأنفسهم قبل أن تقوم الجرافات بتجريفها، وبهذا يمثل القرار حالة “التواطؤ” (كما يعبر عنها الباحث في شؤون الاستيطان أمير داوود) من المؤسسة العسكرية (الجيش) مع المستوطنين.
وتحولت البؤرة إلى محطة انطلاق استيطانية، للهجوم على منازل المواطنين في المنطقة المحيطة بالبؤرة الاستيطانية، وتحديداً “شعب نزال”، ويشهد المواطنون في تلك المنطقة محاولات حرق لمنازلهم، وخط شعارات عنصرية، وخلعاً للأبواب، وآخر الممارسات كان رفع أعلام إسرائيلية على أسطح المنازل. وكذلك، اعتدى المستوطنون في أيلول/سبتمبر الماضي على وادي عابد، وحاولوا سرقة الأغنام من منازل المواطنين، قبل أن يتصدى الأهالي لهم.
في مطلع شهر تشرين الثاني/نوفمبر 2025، قام مستوطنون بحراثة أراضٍ كمقدمة للاستيلاء عليها في منطقة وادي الجلايطة ودير قطي، والتي تشترك فيهما ملكية الأراضي لأهالي بلدتي إذنا وترقوميا المتجاورتين، لكن إصرار الأهالي على الوجود في أراضيهم، دفع المستوطنين للتراجع، ثم قام الأهالي بحرث أراضيهم.
إلى جانب عمليات التضييق على المزارعين والقطاع الزراعي، تسبب إغلاق حاجز ترقوميا في وجه العمال، بتدهور الحالة الاقتصادية في البلدة، التي يعتمد أكثر من نصف أهاليها على العمل في إسرائيل، أو لديهم مصلحة تجارية من الحاجز، كسيارة نقل عمال أو كشك. فبعدما صودرت أقسام من أراضي الأهالي، وبيع القسم الآخر للمنطقة الصناعية، وجدوا أنفسهم بلا عمل ولا أرض. وهي الصورة الأوضح “لحالة الخنق” التي تعيشها البلدة، جرّاء الهجمة الاستيطانية والتوسع الرأسمالي الصناعي.
في الختام يمكن القول إن الهجمة الاستيطانية وحالة الخنق التي تعيشها ترقوميا، تعاني منها ذاتها القرى والبلدات الفلسطينية في الضفة الغربية، بعد 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023، إلا إن الأمر يحصل في “القرية الحدودية” بصورة أشد خنقاً، نظراً إلى حالة التبعية الاقتصادية شبه الكاملة لإسرائيل عبر العمل في الداخل المحتل، على حساب الاهتمام بالأرض والزراعة. أمّا المزارعون، فآخر ما تبقى لهم قد صادره الاحتلال، كما سيطرت البؤر الاستيطانية على أطراف البلدة. في هذا السياق، يتحتم علينا إعادة النظر في سبل المقاومة الشعبية المتبعة في القرى والبلدات الفلسطينية في الضفة الغربية، ومحاولة النهوض واستنساخ النماذج التي تماسكت في ظل هذا السُعار الاستعماري الاستيطاني الصهيوني.
[1]“جنون المستعمرة – بودكاست الكرمل مع الباحث عبد الجواد عمر“، “يوتيوب”، 14/10/2023.
[2] ”16 عاما على مجزرة العمال في ترقوميا“، “المركز الفلسطيني للإعلام”، 10/03/2014.
[3] المصدر نفسه؛
مؤيد طنينة، “المصانع تبلع ما تبقى من أراضي ترقوميا“، “متراس”، 23/09/2023.
[4] يشير يشير مسحٌ أجراه معهد أريج إلى أن نحو 50٪ من سكان البلدة يعتمدون على العمل داخل إسرائيل. وباعتباري ابن بلدة ترقوميا، يسهل عليّ ملاحظة هذا الاعتماد، ولا سيّما في يوم السبت، حين يتوقف العمال عن العمل، فيظهر أثر ذلك جليًا على حركة الاقتصاد في البلدة.
[5] “مجلس الوزراء يصادق على إنشاء المدينة الصناعية في ترقوميا والنافذة الموحدة للتصدير“، مكتب رئيس الوزراء-دولة فلسطين، 11/07/2017.
[6] “متطرفون يهود يهدمون 47 منزلا ومنشأة زراعية في منطقة الطيبة ببلدة ترقوميا” “يوتيوب-قناة الجزيرة”، 07/09/2024.
عن المؤلف: مؤيد طنينة: صحافي فلسطيني.
عن مؤسسة الدراسات الفلسطينية